القضية الأولى: أنّ ابن عباس رضي الله عنه سعى إليهم، ولم يتنظر أن يسألوا، مما يفيدنا في زمننا هذا أن يكون في مؤسساتنا مرصد يتابع عن كثب كل ما يطرأ عندنا من تيارات فكرية، أو أطروحات فلسفية، أو قضايا مثارة، مع دوام التحديث والمتابعة، ثم من بعد الرصد يأتي اعتصار الأفكار والمقولات الرئيسية التي تتأسس عليها تلك الأطروحة الفكرية، ثم بيان وجوه مناقشتها وتفنيدها أو التفاعل معها، ثم إيصال هذا النقد العلمي إلى ذلك التيار ورجاله.
القضية الثانية: لجأ ابن عباس رضي الله عنه إلى مدخل عجيب في مناقشتهم، حيث ذهب أولًا فلبس حلتين من أجود حلل اليمن، فما موقع هذا التصرف وما موضعه وما محله من خريطة مناقشته لهم في الفكر، وما الباعث لابن عباس على هذا التصرف.
والجواب: أنه رضي الله عنه أراد أن يلفت نظرهم، ويحرك عندهم الفكر، ويستفز فيهم النظر، إلى غياب جماليات الهدي النبوي، وافتقاد شمائله، التي تعين على فهم أحكامه وفقهه وإدراك مقاصده، وعندما يغيب حس الجمال، وتذوق الاتساق والانسجام في ظاهر الأمر في الملبس والمأكل، فإنه سيغيب بالتدريج عن منهج التفكير، وطريقة الفهم والنظر، فينتج الذهن فكرًا مشوهًا، خاليًا من الاتساق، مفتقدًا لروح التشريع ومقاصده العليا، يترك عند الناس صورة ذهنية مشوهة، ونظير هذا قول أصحاب الكهف: {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: ١٩]، فما داعي التوقف عند الأزكى والأنظف والأرقى، وهم في حال بعث من رقاد استمر ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، إلا أنهم جبلوا على الأزكى والأرقى في المطعم والملبس، مما فاض به وجدانهم وعقلهم من شهود الاتساق والرحمة والكمال في المنهج وأدواته وعلومه ومسائله ومقاصده.
ولقد أصاب هذا المدخل من ابن عباس رضي الله عنه، فاستفزهم، وحركهم، واستوقفهم، حتى سألوا بالفعل، قال: فلما نظروا إلي قالوا: مرحبًا مرحبًا يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال قلت: وما تنكرون من ذلك، لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الحلل، قال: ثم تلوت عليهم: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: ٣٢].
فتحقق بعد نظر ابن عباس، وحرك عندهم ملكة البحث والتوقف والنظر، ولفت نظرهم بلطف إلى أنهم خرجوا وكفروا واتخذوا موقفًا عنيفًا، وزعموا أنفسهم أنصار الشرع، وأنهم أحق وأعرف به من علي بن أبي طالب والصحابة، في حين أنهم متحجرون عند مسائل معدودة لقلة العلم، وغياب الهدي النبوي بمنظومته المتكاملة، وأن الإدراك والإلمام بمكونات الهدي النبوي في حسن الظاهر، وجمال الهيئة، له أثر مؤكد على طريقة الفكر.
وهذا واقع بعينه عند التيارات المتطرفة في زماننا هذا، فما زالوا يخرجون على الناس بهيئات خشنة، فيها رثاثة، صادمة للنظر، وهم يتصورون أن هذا هو الهدي النبوي، فينعكس هذا بلا شك على طريقة فهمهم للشرع، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: وما تنكرون من ذلك، لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الحلل، قال: ثم تلوت عليهم: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: ٣٢].
القضية الثالثة: أنه شرع معهم في التذكير بمواضع القوة في منهجه، ومواضع النقص والخلل والعوز في منهجهم، فقال: "جئتكم من عند أمير المؤمنين، ومن عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عند المهاجرين والأنصار، ولا أرى فيكم أحد منهم، وعليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد".
فهو هنا يذكر بمواطن الضعف في منهجهم، حتى يقفوا عن قرب على مقدار ما هو واقع عندهم من الفاقة والافتقار في أدوات المعرفة، مما يرجع بالسلب حتمًا على دقة نتائجهم واستنباطهم، فقد ذكرهم بأن الطرف الآخر الذي يخالفونه ويكفرونه مشتمل على مكونات معرفية جليلة، حيث إنه قد اجتمع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه من ضمانات صواب مسلكه، وترجيح كَفَّتِه، ما ليس عندكم يا معشر الخوارج، وذلك من خلال أمور:
أولها: أنه قد اجتمع حوله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا مجمع علمي جليل موقر، محيط بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ثانيها: "وفيهم نزل القرآن" ثانيًا، فشهدوا مواقع نزوله، وعلموا مقاصده، وتمرسوا بطرائق تنزيله على الواقع، وورثوا مسالك فهمه، ومفاتيح خزائن معارفه، مما قد تشربوه من الجناب النبوي الموقر.
ثالثها: "وهم أعلم الناس بتأويله" ثالثًا، لما لهم من السبق في الإحاطة بأسرار اللسان العربي، وشرف الصحبة النبوية، والبصر بمقاصد الشرع الشريف، والحرص والأمانة على حسن تأويله وتنزيله على أحسن محامله، مع الغيرة على القرآن من أن يُحمل على ما لا يليق به من المعاني.
رابعها: أنه ليس فيكم منهم أحد، فأنتم لا ترجعون إلى رأي فقيه يُعتدُّ بخلافه، بل تنطلقون من حماسة مشبوبة، فاقدة لأدوات المعرفة، مع فهم غاضب، وتفسير منفعل، حملكم على عدم التبصر بأسباب رجحان الفهم عند الطرف المقابل لكم، وظننتم في أنفسكم أهلية امتلاك الحقيقة، بل أهلية احتكارها دون من هو أكثر إحكاما لأدواتها.
فكم في هذه اللفتة من ابن عباس رضي الله عنه من الدقة، وعمق المُدْرك، في المداخل التي يمكن من خلالها تفكيك فكر التكفير والتطرف، وحسن تبصيرهم بأسباب وقوع الخطأ عندهم.
القضية الرابعة: تحديث المعرفة، حيث أنه رضي الله عنه سعى إليهم، وبادر بمناقشتهم، ولم ينتظر أن يطلبوا رأيًا، أو أن يسأله الناس عنهم، مما يدل على دوام الرصد والمتابعة من الهيئة العلمية في الأمة لكل ما يطرأ من أطروحات وتيارات فكرية، وعدم التقاعس أو التأخر عن وضع أطروحتهم في ميزان العلم.
ويكشف لنا ذلك أيضًا عن عدم الاكتفاء بتخطئتهم في التطبيقات والتصرفات، بل سعى إلى الكشف عن المكنون الفكري المستتر وراء التصرفات، والذي تنبع منه تطبيقاتهم العدوانية الدموية.
فهذا مَعْلَمٌ مهم من معالم قيام العلماء برصد أطروحات زمانهم، وملاحقتها، وتتبعها، وعدم الوقوف عند إنكار النتائج، بل الغوص على المعاقد الفكرية، ووضعها تحت المجهر، والنظر في مدى استيفائها لشروط البحث العلمي، أو افتقادها لذلك.
القضية الخامسة: أن ابن عباس رضي الله عنه تعرض لمدخل جليل، ألا وهو حصر المقولات المركزية، التي تنبني عليها نظريتهم، وتتشيد على أساسها فكرتهم، ثم استوثق منهم أن هذه المقولات الثلاث هي التي عليها المعول عندهم، حتى إنه سألهم بعد تصريحهم بالمسائل الثلاث محل النظر، فقال: "قلت لهم: هل غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا"، فبدأ رضي الله عنه أولًا بتثبيت المسائل المبحوثة، حتى ينضبط محل النظر والمناقشة، ثم ثبت معهم حصرها، حتى لا ينتشر النظر وينفرط عقد المحاججة، ثم قرر قولهم في كل مسألة على نحو أمين يطابق مرادهم، ثم يجعل يضع قولهم على ميزان العلم، ويبرز لهم الفهم الصحيح، الكاشف عما في فهمهم من عوج.
والمقصود هو هذا الإجراء الدقيق، والذي هو اعتصر هذا التيار الفكري في مقولات محددة، وأفكار رئيسية كبرى، تطابق مرادهم، وينضبط معها النقاش.
وهذا هو المنهج الذي أقام المتكلمون عليه بعد ذلك علمًا جليلًا، من العلوم المساعدة للمتكلم، ألا وهو علم مقالات الفرق، كما برز عند الإمام أبي الحسن الأشعري في (مقالات الإسلاميين)، وله أيضًا: (مقالات الملحدين)، لكن لم يصل مخطوطه إلينا، وكما برز عند حجة الإسلام الغزالي في: (مقاصد الفلاسفة)، وهو توصيف محض، وتلخيص أمين لمقولات الطوائف والفرق الفلسفية، لم يشتغل فيه بالرد والتفنيد، بل قصد إلى حصر مقولاتهم، وضبطها، وتلخيصها، واعتصارها من بين ثنايا الاستدلالات والبراهين والإيرادات والمناقشات، حتى لا يدور النقاش في جزئيات لا تنحصر، بل يرقى إلى المعاقد والأصول، وكما برز ذلك عند الإمام الرازي في (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين) وغير ذلك من كتب هذا الفن.
وكان الغرض منه عندهم، أن يتم في كل جيل، تحديث ما تحت أيدينا، من مقولات كل فرقة، وملاحقة ما يطرأ من الفرق، أو ما يستجد على مقولات الفرقة القائمة من قبل، من استحداث حجة، أو زيادة فكرة، حتى يظل بين أيدينا سجل دقيق، وملخص أمين، مطابق لما تقصده كل فرقة، وكان هذا العلم، علم المقالات، من جملة العلوم المساعدة، التي يستعين بها المتكلم على تحقيق غرضه ومقصوده، حتى يتهيأ له إجراء قواعده الكلامية وعمله النقدي على مادة ثابتة ومحررة.
وكل ذلك منهج عريق، سبق إليه ابن عباس رضي الله - كما رأيناه، ولابد من إحياء هذه المنظومة المتكاملة من دوائر العلوم في زماننا هذا، فلابد من مرصد دقيق، لمقالات الفرق الإسلامية المعاصرة، يحصر كتبهم ونتاجهم الفكري، ويعتصره حتى يستخلص منه المقالات الكبرى، ووجوه الاستدلال، التي بنوا عليها تطبيقاتهم، والتي هي مدخلهم إلى العقول.
القضية السادسة: أن المسألة الكبرى والقضية المركزية التي انطلقوا منها هي قضية الحاكمية، وهي أيضًا القضية المركزية التي انطلقت منها التيارات المتطرفة في زماننا، مما يدل على أننا أمام منهج فكري واحد، له نفس السمات والخصائص والمقالات، لكنه يظهر في كل زمن باسم وهيئة، تتبنى نفس الفكرة.
وقد سلك ابن عباس رضي الله عنه في نقاشهم مسلكًا رصينًا عجيبًا، إذ كشف لهم عن منهجية الاستنباط من القرآن الكريم، وأنهم اقتطعوا منه لفظة أو كلمة أو آية أو قضية، وما صبروا على جمع بقية الآيات المتعلقة بنفس القضية، والتي إذا اجتمعت في صعيد واحد، مع البصر بكيفية تركيب العام والخاص، والمطلق والمقيد، مع البصر بدلالات الألفاظ ومقاصد الشريعة، فحينئذ تظهر الدلالة القرآنية، ونكون قد استخرجنا من القرآن وجها من الفهم قصده القرآن وأراده، وأنهم تعجلوا وما صبروا، فلما أن أجرى ابن عباس مقتضى المنهج أمام أعينهم، وبين لهم مقدار غلطهم في الفهم، لافتقاد منهجه وأدواته، لم يجدوا عندهم مستندًا لموقفهم من التكفير.
فرضي الله عن ابن عباس، وجزاه عنا خير الجزاء، فقد أصَّل لنا أصولًا، وترك لنا منهجًا، في تفكيك فكر التطرف، والقيام بمقتضى العلم، والغيرة على القرآن من أن ينسب الناس له فهمًا مغلوطًا، لا باعث له سوى الحماس الخالي من أدوات صناعة المعرفة.