Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قضيّة "الحاكميّة وتكفير المسلمين".. تفكيك للجذر الذي انطلق من التكفير والدماء

الكاتب

أ.د. أسامة السيد الأزهري (وزير الأوقاف)

قضيّة "الحاكميّة وتكفير المسلمين".. تفكيك للجذر الذي انطلق من التكفير  والدماء

فكرة الحاكمية هي الجوهر الفكري للتيارات المتطرفة، إذ حولت المتدين إلى تكفيري ثم إلى قاتل، معتمدة بشكل كبير على تفسير في ظلال القرآن لسيد قطب، حيث تقوم هذه الفكرة على فهم مغلوط لآيات كريمة معينة، مثل تكفير من لا يحكم بما أنزل الله حتى لو أقر به، واعتبار الحاكمية أخص خصائص الألوهية، وتكفير المجتمع الإسلامي بأسره، مع الإعراض عن المناهج العلمية المعتبرة، هذا الفكر المدمر، الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، يقف في مواجهة الإجماع التاريخي لعلماء الأمة الذين رفضوا هذا التأويل التكفيري. 

مفهوم فكرة الحاكميّة

الفكرة المحورية التي تأسست عليها بقية مفاهيم التيارات الإسلامية هي فكرة الحاكمية، فإنها هي الجذر الذي نهضت على أساسه منظومتهم الفكرية بكل مقولاتها، ومفاهيمها، وفروعها، ومنها تولدت بقية مفاهيمهم؛ فانبثقت منها فكرة شرك الحاكمية، وتوحيد الحاكمية عند سيد قطب وأخيه محمد قطب، وتولدت من ذلك فكرة العصبة المؤمنة، وفكرة الوعد الإلهي لهذه العصبة المؤمنة، وفكرة الجاهلية، التي هي حالة بقية المسلمين، وفكرة المفاصلة والتمايز الشعوري بين الفئتين، وفكرة الاستعلاء من العصبة المؤمنة على الجاهلية وأهلها، وفكرة حتمية الصدام بين الفئتين عند سيد قطب لإقامة الخلافة، وفكرة التمكين، إلى آخر شجرة المفاهيم التي نتجت من قضية الحاكمية، والتي تتكون من مجموعها نظرية متكاملة داخل عقل تلك التيارات.

وهي مجموعة من الأفكار، تغزو عقل المتدين، فيتحول بها من متدين إلى متطرف، ثم من متطرف إلى تكفيري، ثم من تكفيري إلى قاتل يحمل السلاح ويسفك الدماء.

فلا يزال المرء قائمًا بصفة التدين، وكان يمكنه أن يعيش بها كريمًا محمودَ الأثر بين الناس، ساعيًا بالأخلاق المحمدية بينهم، لكن هناك فكرة سرطانية تغزو عقله، وتضع غشاوة على عينه، وتربك فهمه لكل الفروع والأحكام والنصوص، وإذا ما نشبت في عقله انحرفت به من التدين، إلى التطرف، إلى التكفير، إلى القتل.

عند التفتيش عن الخيط الناظم والمنجم الفكري الذي تولدت منه كل تلك الأطروحات، تبين أنه كتاب: (ظلال القرآن)، وأن ما سواه من كتب سيد قطب ككتاب: (معالم في الطريق) فما هي سوى مقتطفات من كتاب (الظلال)، حتى قال القرضاوي في: (مذكراته): "إن فكرة التكفير لمسلمي اليوم لم ينفرد بها كتاب المعالم، بل أصلها في الظلال، وفي كتب أخرى أهمها: العدالة الاجتماعية" [ابن القرية والكتاب، ملامح سيرة ومسيرة٣/٦٩ ط: دار الشروق، القاهرة، سنة ٢٠٠٨م].

فـ(ظلال القرآن) هو المدونة الأساسية التي ترتكز عليها، وتنبثق منها كل تلك التيارات التكفيرية، مما يحتم وضعه تحت المجهر، وقيام عمل علمي نقدي دقيق، يعتصر الكتاب، ويلخص مقولاته، ونظرياته الأساسية، وعباراته المفتاحية، ويستخلص من بين أجزائه وصفحاته المطولة، وإسهابه البياني المستطرد: تلك المقولات الرئيسية.  

ويؤكد ذلك أن صالح سرية وكتابه: (رسالة الإيمان)، التي تنادي بتكفير الحكام وجاهلية المجتمع واعتباره دار حرب قد نبعت من سيد قطب وكتابه (ظلال القرآن)، وأن شكري مصطفى وتنظيم التكفير والهجرة قد انبثق من (ظلال القرآن)، وأن محمد عبد السلام فرج وتنظيم الجهاد وكتاب: (الفريضة الغائبة) كذلك، انتهاء بتنظيم (داعش).

وبيان ذلك أن تركي بن مبارك البنعلي، كتب كتابًا عن الرجل الثاني في (داعش) أبي محمد العدناني طه صبحي فلاحة، واسم كتابه: (اللفظ الساني، في ترجمة العدناني)، فذكر أنه تأثر جدًا بتفسير (ظلال القرآن) لسيد قطب، وأنه كان من أحب الكتب إلى قلبه، حتى عكف عليه عشرين سنة، وهم بكتابته بخطه، وأنه في درس التلاوة مر على قول الله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة، الآية ٤٤]، فهزته هذه الآية من أعماقه، فقال لأحد أقرانه في الطلب: "ما هي مصادر دستور سوريا؟"، فأجابه، ثم قال: "ما هي السلطة التشريعية؟" فأجابه، ثم قال: "ما هي السلطة القضائية، والتنفيذية؟"، كل ذلك وصاحبه يجيبه بما تعلمه في المدرسة، فقال له: "يا فلان يعني حكومتنا كلها كافرة!"، فقال له صاحبه: "السلام عليكم"، وولى عنه هاربًا! فكان هذا بدايته في بحث مثل هذه المسائل.

وقال صالح سرية في: (رسالة الإيمان): "إن الحكم القائم اليوم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كافر فلا شك في ذلك، والمجتمعات في هذه البلاد كلها مجتمعات جاهلية".

فتبين من ذلك أن تنظيم داعش في حقيقته، إنما هو في الحقيقة موجة جديدة من أمواج الفكر التكفيري المنبعث من (ظلال القرآن)، وأن كتاب: (الظلال) هو القاسم المشترك، والخيط الناظم، والروح السارية، لكل تلك التيارات التكفيرية.

كل ذلك يحتم علينا العكوف على إنجاز كتاب علمي نقدي دقيق، يفند الأطروحات التي جاء بها ذلك الكتاب، والتي ولدت تلك التيارات.

ونحن في غنى عن التنبيه والتذكير بأن شخص سيد قطب في ذاته لا يعنينا، فقد هو مضى إلى دار الحق، وهو بين يدي الحكم العدل، لكن بقيت فكرة حية إلى اليوم، والذي يعنينا هو أطروحته القرآنية في فهم القرآن، ومقدار ما في تلك الأطروحة من تهجم على حرمة الوحي الشريف، وإلصاق الأفهام المغلوطة به، على نحو افتقدت معه مقاصد الشريعة، واستباحت به تلك الفئات تكفير عموم المسلمين، ثم رتبوا على التكفير تعمد الإضرار بهم.

فمقصودنا هو وضع تلك الأطروحة الفكرية، تحت مجهر الفحص العلمي، بغرض إزالة ما تم إلحاقه بالشرع من فهم مغلوط، ولو أن تلك الأطروحة عليها اسم أي شخص لوجب أن نقوم معها بنفس الدور النقدي؛ إذ المقصود هو غربلة الأفكار، وصيانة فهم القرآن من أي تأويل منحرف، أو فهم مغلوط.

وإذا كان يجوز لنا أن نستنبط من النص معنى يخصصه أو يعممه أو يقيده، فإنه لا يجوز لأحد أبدا أن يستنبط من النص معنى يفسده، ويكفر حملته، ويكر على الوحي الشريف ومقاصده بالبطلان.

ولقد كان على رأس أطروحاته فكرة الحاكمية، والتي أخذها في الحقيقة من فكر أبي الأعلى المودودي، إلا أن سيد قطب قد طور تلك النظرية، وسخر لها قلمه وبيانه، فصنع منها نظرية متكاملة الأركان، تنضح بالتكفير، قال القرضاوي في مذكراته: "هذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد قطب ونسميها مرحلة الثورة الإسلامية، الثورة على الحكومات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية، والثورة على كل المجتمعات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية، فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية، تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله، والذى ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير الناس عامة" [ابن القرية والكتاب٣/٥٦، ط: دار الشروق، القاهرة، سنة ٢٠٠٨م].

ويقول بعد ذلك: "وأخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب هو ركونه إلى فكرة التكفير والتوسع فيه" [ابن القرية والكتاب٣/٥٨].

فنحن أمام سياق فكري مختل، بل هو متحير بشدة في تشخيص الواقع وتوصيفه، وفي اقتراح حلوله، وفي كيفية تخريج جزئياته على أصول الشرع الشريف، حتى انتهى الأمر بهم إلى حتمية الصدام مع أهل الأرض كلهم، تلك الفكرة التي كانت بذرتها عند حسن البنا في (رسالة المؤتمر الخامس)، ثم اتسع الكلام فيها عند سيد قطب في: (ظلال القرآن)، ثم تحولت إلى دمار تام وشقاء تام على يد داعش في إدارة التوحش.

وأسجل هنا أن رسائل المؤتمر الخامس لحسن البنا تمثل فكرًا صارخًا في غاية الغرابة، مشحون بجو نفسي متشنج، مفعم بالصراع والصدام، كأنك ترى فيه الصورة الأولية لداعش، ولابد من دراسة نقدية واسعة لفكر حسن البنا، تبين ما فيه من حماس واندفاع، أنتج بعد ذلك عقلية التيار الإخواني بأكمله ومهد لوجود فكرة العنف الكامنة في أعماقه.

وقد امتزج هذا الفكر الحركي بفكر التطرف والانغلاق والتشنج عند تيارات وأطياف كثيرة، فإذا بهذا الفكر الحركي ينفخ النيران في جذوة الفكر المتشنج، فتنشب الحرائق، والذي يرصد فصيلًا كأبي محمد المقدسي، وأبي مصعب الزرقاوي، مع سياق لهم يسبقهم ويمهد لهم، من فكر التشدد والتطرف وكتبه، ومع توابع لهم تأتي بعدهم، من أطياف التكفير وحمل السلاح، يرى ما أحدثه الفكر الحركي من أثر مدمر في ازدياد فكر التكفير نشاطًا وانبعاثًا.

وتخصيص الكلام هنا عن سيد قطب في عدد من المواضع ليس معناه انحصار الأزمة فيه، بل إن بذرة أفكاره سارية في كتابات حسن البنا، وهو أخذها من تيار سابق حمل السلاح وتبنى التكفير، لكن الأستاذ سيد قطب سخر قلمه واستنفر بيانه ونفخ الروح في تلك الجذوة، فصار كمن سقى البذرة حتى نمت.

ترتسم أمامنا خريطة انبعاث فكر الخوارج، على اختلاف مظاهرها وأسمائها وهيئاتها وأشكالها، لتتنوع إلى نحو ٤٠ تيارًا يجري في هذا الاتجاه، ولها جذور بعيدة بعيدة تطل برأسها كل حين ثم تزول عقودًا أو قرونًا، لتطل من جديد، بقدر تراجع مدارس العلم الكبرى، بحيث كلما نشطت تللك المدارس الكبرى ونشرت العلوم خبا هذا الفكر، وكلما تراجعت ولد من جديد.

الأُسس التي بنى سيد قطب عليها فكرة الحاكميّة

وقد بنى سيد قطب ومن سبقوه في هذا الاتجاه التكفيري فكرة الحاكمية على عدة أسس:

الأساس الأول: الفهم مغلوط لقول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة، الآية ٤٤]، حيث ذهب تبعًا للمودودي إلى تكفير الشخص بعدم إجراء الأحكام الشرعية، وإن كان معتقدًا أنها حق، وأنها وحي من الله، حتى وإن كان لم يتمكن من إجرائها لعارض من العوارض.

وهذا مذهب غريب جدًا، في غاية التشدد والتضييق، يسارع في التكفير، ويتوسع فيه، وهو متفرع عن فكرة أخرى عنده، وهي جعل الحاكمية من أصول الإيمان، فزاد في أمور الاعتقاد أمرًا من عنده، ثم كفر الناس بعدم وجوده عندهم، وهذا بعينه مذهب الخوارج.

ومذهب علماء المسلمين جيلًا من وراء جيل، من طبقة الصحابة رضي الله عنهم على خلاف ذلك، وقد ذهب العلماء إلى عدد من الأقوال والتوجهات في فهم الآية الكريمة، أرجحها أن الآية تعني: من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا كون تلك الأحكام وحيًا وحقًا، فهذا كفر دون شك، أما من أقر أنها حق ووحي وأمر إلهي لكنه تعذر عليه تطبيقها فهذا ليس بكافر.

قال الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير: "قال عكرمة: وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} إنما يتناول من أنكر بقلبه، وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل الله، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح" [ التفسير الكبير٦/٣٥، ط: دار الغد العربي، القاهرة، سنة ١٤١٢هـ-١٩٩٢م].

قال حجة الإسلام الغزالي في المستصفى: "قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها :{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة، الآية ٤٤]، قلنا: المراد به: ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبًا به، وجاحدًا له" [المستصفى، ص١٦٨].

وقال الإمام أبو محمد ابن عطية الأندلسي في المحرر الوجيز: "لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم، بل لفظ مشترك، يقع كثيرًا للخصوص، كقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة، الآية ٤٤]، وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق في أمر بكفرة بوجه" [المحرر الوجيز، في تفسير الكتاب العزيز٢/٩٥].

والذي يتصفح كلام الأئمة، يجد أن ابن مسعود، وابن عباس، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وإبراهيم النخعي، والسدي، والضحاك، وأبا صالح، وأبا مجلز، وعكرمة، وقتادة، وعامرًا، والشعبي، وعطاء، وطاووسًا، ثم الإمام الطبري في جامع البيان، وحجة الإسلام الغزالي في المستصفى، وابن عطية في المحرر الوجيز، والإمام الفخر الرازي في مفاتيح الغيب، والقرطبي، وابن جزي في: التسهيل، وأبا حيان في البحر المحيط، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم، والآلوسي في روح المعاني، والطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير، والشيخ الشعراوي في تفسيره، جميعًا أطبقوا على فهم في الآية.

وفي المقابل يقول الأستاذ سيد قطب عن كل ذلك: "إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة، والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكلم عن مواضعه" [في ظلال القرآن٢/٨٩٨، ط٤٠، دار الشروق، القاهرة، سنة١٤٣٤هـ- ٢٠١٣م]، فجعل كلام أولئك الأئمة جميعا محاولة لتحريف الكلم عن مواضعه.

وعند التفتيش ما وجدنا لسيد قطب سلفًا يسبقه إلى هذا الفهم التكفيري إلا الخوارج، قال الإمام الآجُرّي في الشريعة: "حدثنا أبو بكر ابن أبي داود، قال: حدثنا المثنى بن أحمد، قال: حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير - في قوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} - قال: أما المتشابهات فهُنَّ آيٌ في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن، من أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى هذه الكلمة، كل فرقة يقرءون آية من القرآن ويزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى، ومما يتبع الحرورية - اسم للخوارج - من المتشابه قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة، الآية ٤٤]، ويقرأون معها: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [سورة الأنعام]، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون، فيخرجون فيفعلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية" [الشريعة ص٣٤١، وانظر: الدر المنثور، ٢/١٤٦، والاعتصام٢/١٨٣].

الأساس الثاني: تكراره الملح على تعبير نحته من عند نفسه، وجعله قاعدة مقررة، وأكثر من ترديده في كتاب الظلال، وهو قوله: "إن الحاكمية أخص خصائص الألوهية"، وهذا تعبير غير صحيح بالمرة، ولم يقل به أحد من علماء الكلام والعقائد من قبله هذا التعبير، وغايته أنه تعبير أدبي فضفاض يخوض به في بحوث دقيقة جدًا تقتضي التعبير المحكم الدقيق، المبني على القواعد العلمية المحررة، وبيان ذلك أن أخص خصائص الألوهية أمر آخر تمامًا، هو التفرد بالكمال الذاتي المطلق، الذي يستقيم به معنى الألوهية، لكن عبارة سيد قطب المذكورة: "الحاكمية أخص خصائص الألوهية" يترتب عليها أثر نفسي هائل، حينما يتم تصوير إخلال بعض المسلمين بشيء من فروع الفقه على أنه حكم بغير ما أنزل الله، وأنه ينازع الله في أخص خصائصه، فيقع بهذا شَحْنٌ نفسي هائل، يكسر به من أصيب بهذا الفكر كل حواجز التهيب من التكفير، وتجعله يستسيغ ويستسهل أن يقدم على هذا الأمر الهائل الجلل، والذي هو تكفير المسلم، بدعوى أنه نازع الله في أخص خصائصه، ويكون غاية أمر ذلك المسلم أنه وقع له زلل في فرع فقهي، أو مسألة ظنية خلافية، مع شيوع العوارض التي ترفع المؤاخذة، فهذه لمحة عابرة على المرتكز الثاني الذي شيد به سيد قطب أطروحته التي اجتاح به عموم المسلمين على ظهر الأرض حتى كفرهم جميعًا. 

الأساس الثالث: توصيفه للقانون المعمول بها في المحاكم بأنها حكم بغير ما أنزل الله، وعليه فهي في نظره منازعة لله في أخص خصائصه التي هي الحاكمية، ويبني على ذلك التكفير، وهو بهذا متسلط على الأمة المحمدية، ويهدر جهود مئات من العلماء الجهابذة المتمكنين، الذين قضوا أعمارهم في دراسة علاقة القوانين بالشرع الشريف، والنزول إلى تفاصيل المقارنة بينهما في الأبواب المختلفة، ومعرفة مواضع التلاقي والافتراق، وحصر النقاط الفقهية التي نحكم فيها بالتقاطع والافتراق، وقد عكفت الأمة المحمدية من خلال علمائها الأجلاء المتبحرين، الغيورين على الدين، على مدى قرن ونصف تقريبا، على تمحيص هذه القضية، وكلف شيخ الإسلام وشيخ الأزهر الشيخ حسن العطار تلميذه رفاعة الطهطاوي بترجمة قوانين نابليون، فعكف على ذلك حتى أتم الترجمة، ثم دفعت الترجمة إلى العلامة الشيخ مخلوف المنياوي فعقد المقارنة التفصيلية الدقيقة بين المذهب المالكي وبين القوانين، وألف كتابه المقارنات التشريعية، ثم ألف العلامة التيدي كتابه المقارنات التشريعية أيضًا، مع مرحلة مجلة الأحكام العدلية وأثرها في القوانين، ومدونات قدري باشا في هذا الباب، ثم جاءت مرحلة تمصير القوانين، وجاءت جهود السنهوري باشا، ثم مرحلة تقنين الشريعة على يد الإمام الكبير الشيخ عبد الحليم محمود، وخرجت في أربعة مجلدات طبعت في مطابع مجلس الشعب المصري، وهي عندي، مع دراسة العلامة الفقيه مصطفى الزرقا في كتابه المدخل الفقهي العام، مع وجود سيل من المؤلفات في هذا الباب، فهناك كتابات فيه للعلامة الشيخ سليمان العبد شيخ السادة الشافعية بالأزهر ونائب رئيس المحمة العليا الشرعية، وللشيخ محمد سليمان رئيس المحكمة العليا الشرعية، وعلي أبو الفتوح باشا، والدكتور شفيق شحاتة، والعلامة الشيخ محمد أبو شهبة، والعلامة الشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الديار، والدكتور عبد الرحمن عبد العزيز القاسم، وقدم لكتابه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ وزير المعارف الأسبق في السعودية، وعمر المترك عضو رئاسة القضاء بالرياض، والشيخ عبد العزيز بن باز، والعلامة الشيخ علي الخفيف، ومفتي الديار العلامة الشيخ حسنين مخلوف، وغير ذلك كثير جدًا من جهود العلماء في هذه القضايا، وكل تلك الكتابات أو أكثرها تحت يدي، وقد تم كل ذلك على يد العلماء الأمناء، الذين يقومون بواجب الوقت ويفحصون مشكلات عصرهم، وهم يريدون الشرع الشريف، ولا يتهربون ولا يتفلتون منه، بل يعظمونه ويوقرونه، وينظرون في كيفية معايشة العصر مع الحفاظ على الشرع، ويريدون صناعة المؤسسات وحفظ الأوطان الموقرة، والعودة إلى تشغيل مصانع الحضارة، حتى قال العلامة الشيخ حسنين مخلوف وهو يتكلم عن مجلة الأحكام العدلية وعن مدونات قدري باشا: "وتلقى علماء الإسلام ذلك بالقبول، وما أدراك ما علماء الإسلام في تلك الحقبة من الزمن"، ثم يأتي الأستاذ سيد قطب، ويغفل عن ذلك كله، ويهدر جهود الأمة المحمدية في هذا الباب، ثم يتمادى في تكفير الأمة.

الأساس الرابع: هو الفهم المغلوط منه لقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [سورة يوسف، الآية ٤٠]، حيث فهم علماء الأصول والمفسرون من الآية الكريمة أن الله جل جلاله هو المنفرد بإنشاء أوصاف الحل والحرمة والندب والكراهة والإباحة والصحة والفساد والانعقاد وعدمه، لا يشاركه في ذلك أحد، والأنبياء والرسل وإجماع الأمة إنما هي كواشف، تكشف عن حكم الله في كل مسألة وله وحده سبحانه إنشاء الحل والحرمة وغيرها من الأحكام، فهذا اعتقاد نعتقده، أن الله تعالى جل جلاله هو وحده صاحب إنشاء الأحكام الشرعية، ثم يخرج الأمر بعد ذلك من باب الاعتقاد إلى باب الفقه، وإلى ربط الفقه بالأسباب والعلل والشروط والموانع، فينشأ معايشة الناس للفقه، مع قيامهم به أو تعثرهم وتقصيرهم فيه، فيأتي الأستاذ سيد قطب ويجعل تعثر الناس في تطبيق الفقه إخلالا بتفرد الله سبحانه في أحكامه، ويسمي تعثر الناس في القيام بفروع الفقه منازعة لله في أخص خصائصه، فيكفرهم، وهذا منه خلط هائل، وخوض في أبواب دقيقة من علم الكلام ومن علم أصول الفقه لا يتقنها، وليس له فيها سابق تعلم ولا دراسة، وقد قال شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر - رحمه الله تعالى - في فتح الباري: "وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب" [فتح الباري٣/٥٨٤]، بل قال قبله الإمام أبو المظفر السمعاني في كتاب قواطع الأدلة أثناء حديثه عن مسألة معينة: "فكان الأولى به عفا الله عنه أن يترك الخوض في هذا الفن، ويحيله على أهله؛ فإن من خاض فيما ليس من شأنه فأقل ما يصيبه افتضاحه عند أهله، ولكن العبرة في كل علم بأهله إلا ذهن ولكل عمل رجال فينبغي أن يسلم لهم ذلك" [قواطع الأدلة، ١/٣٩٩].

الأساس الخامس: الغياب التام لباب دقيق مهم من أبواب أصول الفقه وهو باب عوارض الأهلية الذي ترتفع به المؤاخذة عن الإنسان إذا طرقته عوارض كثيرة.

الأساس السادس: الانتهاء إلى القول بانقطاع الدين، وهذا هو القول الأغرب الأعجب، الذي لم يسبقه إليه سابق، وهو عدوان صارخ على الأمة المحمدية، التي هي الأمة الوسط، وأمة العلم والدين والحضارة والخيرية والهداية، حيث أوصله هذا الانتقال من خطأ إلى خطأ، أن انتهى به الأمر إلى شيء في غاية الغرابة، وهو القول بأن وجود أمة الإسلام قد انقطع منذ قرون، فقال في كتاب معالم في الطريق: "إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة" [معالم في الطريق، ص٨]، وكرر هذا المعنى في كتب أخرى له، فهذه مرتكزات قضية الحاكمية عنده.

إعراض سيد قطب عن منهجيّة الفهم والتحليل والتعامل مع النص القرآنيّ

وسبب ذلك كله أن سيد قطب قد أعرض عن تجربة علماء الإسلام في فهم الوحي عبر تاريخ المسلمين، وتجاهل مناهج الفهم عندهم، بل جعل النتاج الفكري لأمة الإسلام ثقافة جاهلية، فقال: "حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية" [معالم في الطريق، ص١٧-١٨].

فعزل نفسه عن مناهج أهل العلم في فهم القرآن، وذهب يجهد نفسه في فهمه معتمدًا على حدسه وحسه الشخصي، وتصوراته الخاصة، حتى قال في أوائل كتابه التصوير الفني في القرآن: "ودخلت المعاهد العلمية، فقرأت تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة، ولكنني لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل، الذي كنت أجده في الطفولة والصبا، واأسفاه، لقد طمست كل معالم الجمال فيه، فخلا من اللذة والتشويق، ترى هما قرآنان؟ قرآن الطفولة العذب الميسر المشوق، وقرآن الشباب العسر المعقد الممزق، أم أنها جناية الطريقة المتبعة في التفسير؟ وعدت إلى القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير، وعدت أجد قرآني الجميل الحبيب، وأجد صوري المشوقة اللذيذة.. الخ" [التصوير الفني في القرآن، ص٨، ط١٠: دار الشروق، القاهرة، سنة ١٤٠٨هـ-١٩٨٨م].

فهذا نص خطير، يكشف عن منهجية الفهم والتحليل والتعامل مع النص القرآني، وأنه أعرض تمامًا عن جهود علماء الأمة عبر التاريخ في خدمة النص القرآني وفهمه، وجعل نتاجهم العلمي جاهليًا، وصار يعول في فهمه للقرآن على ذلك الحس الجمالي المبهم المجمل، الذي كان يجده في أيام طفولته، دون المدارك العلمية الدقيقة المتقنة المحكمة التي تبلورت عند علماء الأمة عبر التاريخ للاستنباط من النص القرآني الجليل واستخراج معانيه الدقيقة، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة النساء، الآية ٨٣].

وقد تحولت أطروحة سيد قطب إلى زاد محرك للإخوان، حتى قال عباس السيسي في كتابه: في قافلة الإخوان: "ولكن كتاب معالم في الطريق ما إن انتشر بين الشباب المتلهف والمحترق شوقًا للعمل للإسلام، حتى أثار ضجة هائلة في نفوسهم ومشاعرهم، حتى إن الكثير من الشباب قد حفظ أبوابًا من الكتاب، يتحدث بها إلى الناس، وظل الكتاب يحرك كوامن الشباب وأفكارهم، وهمتهم"، إلى أن قال: "وصار هذا الكتب من الكتب الهامة التي تدرس في برنامج التوعية" [في قافلة الإخوان، ٣/١٧١، ط: دار القبس، الإسكندرية، سنة ١٩٨٩م].

والقاعدة هنا أن هناك إلحاحًا من التيارات التكفيرية عبر الزمن على التأويل المنحرف لهذه الآية الكريمة، وأنهم خرجوا عبر تاريخ الأمة في موجات تكفيرية متعاقبة، تدور كلها حول الفهم المغلوط لهذه الآية، في مقابل إجماع علمي مستقر من أهل العلم عبر الأعصار على الفهم المستقر الصحيح لها، حتى روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، أن ابن أبي داود كان يقول: "أُدْخل رجلٌ من الخوارج على المأمون، فقال: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية في كتاب الله تعالى، قال: وما هي؟ قال: قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة، الآية ٤٤]، فقال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم، قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة، قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل، قال: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين" [تاريخ بغداد، ١٠/١٨٦، ط: ، وتاريخ دمشق، ٣٣/٣٠٦، ط: دار الفكر، بيروت، سنة ١٩٩٥م، تحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري].

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك التكفيري أشد التحذير، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى رئيت بهجته عليه، وكان ردئا للإسلام، غيَّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله!! أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي»، رواه البزار في مسنده، وحسن الهيثمي سند البزار، وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى في مسنده، وقال ابن كثير عن سنده: "هذا إسناد جيد"، ورواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار، والهروي في ذم الكلام وأهله، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري، وورد من حديث معاذ بن جبل، رواه الطبراني في مسند الشاميين، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، والهروي في ذم الكلام وأهله، وأبو القاسم الأصبهاني في الحجة.

والأمة المحمدية لا تنحرف ولا تنجرف بكليتها إلى الكفر أبدًا كما يتصوره سيد قطب وكما تتصوره التيارات والفرق الدينية المعاصرة التي تتبعه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأمة محفوظة من أن تتحول إلى الشرك والكفر، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها» [صحيح البخاري، ٥/٩٤، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ط: جمعية المكنز الإسلامي، مصر، سنة ١٤٢١هـ، السلطانية]، حتى قال الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد: "ومن خاف على أمة محمد ما لم يخفه عليها نبيها فقد جاء من التعسف بما لا يخفى" [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ٢/١٢١].

فهذا نموذج واضح لانحراف العقول في فهم القرآن، وأنه عند افتقاد أدوات الفهم الصحيح للوحي، فإن العقول تلصق الأهواء والأفكار المنحرفة بكلام الله جل جلاله، وتحول دين الله من الرحمة والراحة، إلى إراقة الدماء، ويبقى واجب العلماء بحق، على مدى الأزمان، أن ينهضوا بواجب وقتهم، في بيان خطأ ما يتم إلصاقه بالوحي الشريف من فهم مغلوط، تنقية وصونا لدين الله من الأفهام البشرية الحائرة المتخبطة، ومسارعة إلى بيان المناهج السديدة في الفهم عن الله.

مقارنة بين فهم قطب للآية الكريمة في مقابل فهم جماهير علماء الأمة، من جيل الصحابة إلى الإمام الشعرواي

مقارنة بين فهم  قطب للآية الكريمة في مقابل فهم جماهير علماء الأمة، من جيل الصحابة إلى الإمام الشعرواي

علماء الأمة في جانب

الفهم التكفيريّ في جانب آخر تمامًا

ابن مسعود، وابن عباس، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وإبراهيم النخعي، والسدي، والضحاك، وأبو صالح، وأبو مجلز، وعكرمة، وقتادة، وعامر، والشعبي، وعطاء، وطاووس، وأبو رجاء العطاردي، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري، ثم الإمام الطبري في: (جامع البيان)، وحجة الإسلام الغزالي في (المستصفى)، والبغوي في تفسيره، وابن الجوزي في (زاد المسير)، والإمام الفخر الرازي في: (مفاتيح الغيب)، والإمام القرطبي، وابن جزي في: (التسهيل)، وأبو حيان في: (البحر المحيط)، وابن كثير في: (تفسير القرآن العظيم)، والآلوسي في: (روح المعاني)، والطاهر بن عاشور في: (التحرير والتنوير)، والشيخ الشعراوي في تفسيره:

تعددت مناهج هؤلاء الأئمة في فهم الآية الكريمة، وأرجح الأقوال عندهم أنها واردة في معنى تشديد شأن المعصية، وأنها كفر دون كفر، لكن لم يذهب واحد منهم قط إلى مثل ذلك الفهم المتطرف التكفيري الذي ذهب إليه سيد قطب.

سيد قطب:

لم نجد أحدًا قطّ سبق سيد قطب إلى فهمه التكفيريّ إلا ما رواه الإمام الآجُرّي في كتاب الشريعة من كلام سيدنا سعيد بن جبير أنّ الخوارج قرأوا قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة، الآية٤٤] ويقرأون معها: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [سورة الأنعام الآية ١]، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون، فيخرجون فيفعلون ما رأيت. 

الخلاصة

فكرة الحاكمية، التي طورها سيد قطب، هي الجذر الفكري للتيارات المتطرفة كداعش، وقد انحرف فيها عن مقاصد الشريعة، مفسرًا آيات مثل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} بشكل خاطئ، مما أدى إلى تكفير المجتمعات والعنف.

موضوعات ذات صلة

بعض المنتسبين إلى الدين، رغم شغفهم بالقرآن، قد ينحرفون نحو التكفير والعنف.

تُقدم التيارات الإسلامية المتطرفة مفهوم التمكين كغاية سياسية للسيطرة على السلطة.