Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قضية (الوطن) والتأسيس لوعي رشيد: الصورة الصحيحة في الفكر الإسلامي والأزهر الشريف

الكاتب

هيئة التحرير

قضية (الوطن) والتأسيس لوعي رشيد: الصورة الصحيحة في الفكر الإسلامي والأزهر الشريف

إن الانتماء للوطن نزعة أصيلة غرسها الله في الفطرة الإنسانية، وقد أشارت آيات القرآن وأحاديث النبي إلى مكانتها، وقد بسط الفقهاء والمفكرون والشعراء القول في ذلك، مبرزين دوره في ترسيخ الهوية وتعميق الوفاء وبناء الحضارة.

حب الوطن في القرآن الكريم وكلام المفسرين

للإمام الفخر الرازي ملمح لطيف في الاستدلال من القرآن الكريم على حب الوطن، وأنه داع فطري شديد العمق في النفس؛ أشار إليه عند تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} [سورة النساء، الآية ٦٦]، فقال: (جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس) [ التفسير الكبير/١٥ /١٦٥].

كأن الله تعالى يقول: ولو أني كتبت عليهم أعظم مشقتين في الوجود لم يمتثلوا، وأعظم مشقتين هما قتل النفس، ويقابلها فراق الوطن، فمشقة قتل النفس في كفة، ويوازيها ويساويها تمامًا فراق الوطن.

ففراق الأوطان عند العقلاء أمر صعب جدًّا، يساوي ألم قتل النفس، مما يدل على أن التعلق بالوطن وحبه أمر عميق في النفس.

وقال العلامة الملا علي القاري في: (مرقاة المفاتيح): (ومفارقة الأوطان المألوفة هي أشد البلاء، ومن ثم فُسِّرَ قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ[سورة البقرة، الآية ١٩١]، بالإخراج من الوطن؛ لأنه عقب بقوله: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [سورة البقرة، الآية ١٩١]) [ مرقاة المفاتيح/٧ /٥٨٢ ].

ومن ثم فإن كل آية تظهر فضل الهجرة فإنها راجعة إلى هذا الأصل، والذي هو شدة الصبر ومغالبة النفس، على فراق الأوطان المحبوبة، إيثار لمعنى من المعاني الشريفة، فكم لهذا المعنى من قدر، حتى تصبر النفس على تلك المشقة العظيمة لأجله.

قال الشاعر:

ثَلاثٌ يعِزُّ الصَّبْرُ عِنــْدَ حُلُولِــها  *** ويَذْهَلُ عَنْهَا عَقْلُ كُلِّ لَبِيبِ

خُرُوجُ اضْطِرَارٍ مِنْ بِلادٍ تُحِبُّها *** وَفُرْقَةُ خِلَّانٍ وفَقْدُ حَبِيبِ

حب الوطن في الحديث النبوي الشريف وكلام شراح الحديث

روى البخاري وابن حبان والترمذي من حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -عليْهِ السَّلامُ- «كانَ إذا قدِمَ من سفرٍ فنظرَ إلى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ أوْضَعَ رَاحِلَتَهُ من حبِّها».

ففي هذا الحديث الجليل تصرفٌ نبويٌّ هادٍ، محفوف بالعصمة، ومنزل بالوحي، تحرك به الجنان النبويُّ الشريف، ومن ورائه الإلهام الصادق، والوحي المبين، بحنين القلب إلى الوطن، ونزوع الفؤاد إليه، حتى إن كان -صلى الله عليه وسلم- ليحرك دابته إلى المدينة المنورة إذا قفل من سفره، وأبصر جدرانها، من حبها وحنين الجنان الشريف إليها.

ولذلك قال الحافظ ابن حجر في: (فتح الباري، في شرح صحيح البخاري): (وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن، والحنين إليه) [ فتح الباري/٣/ ٦٢١]، ونحوه عند البدر العيني في عمدة القاري [عمدة القاري/١٠/ ١٣٥].

فهذا الحديث الجليل مرشدٌ إلى حظ من السنن النبوية المشرفة، يتجاور مع بقية السنن الشريفة المتعلقة بالعبادات، والمتعلقة بالآداب والأخلاق، والمتعلقة بالحرف والصنائع ووجوه العمران، والمتعلقة بالعلاقات الواسعة بين الأمم، إلى آخر تلك المنظومة القيمية النبوية، الصانعة لشخصية الإنسان المسلم على حد التمام والكمال.

قال الحافظ الذهبي في: (سير أعلام النبلاء): (وكان يحب عائشة ويحب أباها، ويحب أسامة، ويحب سبطيه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أحد، ويحب وطنه، ويحب الأنصار إلى أشياء لا تحصى مما لا يغني المؤمن عنها قط) [ سير أعلام النبلاء/١٥/٣٩٤].

بل جعل العلماء حب الوطن هو علة مشقة السفر مطلقًا، حتى لقد ذهب إلى ذلك بعض شراح الحديث في تفسير الحديث الذي رواه أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر الجهني أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثَلاَثَةٌ تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُمُ ، الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْمَظْلُومُ، عَلَى ظَالِمِهِ»، فعلل الشراح سبب استجابة دعاء المسافر هو ما يعانيه من فاقة واضطرار وحزن لمفارقة وطنه وأهله، فقال العلامة المناوي في: (فيض القدير) شارحًا للحديث: (لأن السفر مظنة حصول انكسار القلب بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب الإجابة) [ فيض القدير/٣/٣١٧ ].

وقال بعض الحكماء: الحنين إلى الوطن من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرشد.

ولقد فطر الله تعالى الخلائق جميعًا على الميل الفطري الحنيف اللطيف إلى أوطانها، وأودع سبحانه في الفِطَر النقية من سائر الموجودات قرارًا وسكونًا وانشراحًا إلى الوطن، حتى إن المتأمل ليجد ذلك في سائر أجناس الوجود، فالآساد والأشبال تأوي إلى عرينها، والإبل تحن إلى أعطانها، والنمل يحن إلى قراه، والطيور تهوي وتميل إلى وكناتها، والإنسان مجبول على مفطور على شدة الحنين إلى الوطن، وقد قال ابن الجوزي - رحمه الله - في: (مثير الغرام الساكن): (والأوطان أبدًا محبوبة) [ مثير الغرام الساكن، إلى أشرف الأماكن/ص٧٥].

وقد لاحظت العرب ذلك، وتفننت في تسمية أوطان الكائنات، حتى قال الحافظ ابن حجر في: (فتح الباري): (والعرب تفرق في الأوطان، فيقولون لمسكن الإنسان: وطن، ولمسكن الإبل: عطن، وللأسد: عرينٌ وغابةٌ، وللظبي: كِنَاسٌ، وللضب: وِجَارٌ، وللطائر: عُشٌّ، وللزنبور: كُورٌ، ولليربوع: نافق، وللنمل: قرية) [فتح الباري/٦ / ٣٥٨/، وسبقه إليه ابن الجوزي في: كشف المشكل/٣/ ٣٦٣].

قلت: ولتلك الأجناس جميعًا حنين إلى أوطانها، حتى جمع ربيعة البصري على سبيل المثال كتابًا في: (حنين الإبل إلى الأوطان)، فكيف بالإنسان؟!.

فإذا كانت أجناس الوجود كلها من حولنا رغم أنها عجماء لا تفصح ولا تبين، قد تبين من ملاحظة طباعها وأحوالها شدة وفائها وحنينها إلى أوطانها، فالإنسان أولى بذلك منها، لما يمتاز به عنها من الكمالات الإنسانية، التي تجمله محلًّا لكل خلق كريم، والوفاء والمروءة على رأس تلك الشمائل، حتى قال أحمد شوقي - رحمه الله:

وللأوطان في دم كلِّ حُرٍّ * * * يدٌ سَلَفَتْ ودَيْنٌ مُسْتَحَقُّ

وأقول على غرار ذلك: الإنسان لكمال إنسانيته أولى بالوفاء للوطن، والقيام بمحبته وصيانته من سائر تلك الأجناس.

حب الوطن عند الفقهاء

بل لقد ذهب الفقهاء إلى تعليل حكمة الحج وعظمة ثوابه إلى أنه يهذب النفس بفراق الوطن، والخروج على المألوف، قال الإمام القرافي في: (الذخيرة): (ومصالح الحج: تأديب النفس بمفارقة الأوطان) [الذخيرة/٣ /١٩٤].

حب الوطن عند الأولياء والصالحين

لم يزل دأب الصالحين محبة الأوطان، حتى لقد روى أبو نعيم في: (حلية الأولياء) بسنده إلى سيد الزهاد والعباد إبراهيم بن أدهم أنه قال: (ما قاسيت فيما تركت شيئًا أشد علي من مفارقة الأوطان) [حلية الأولياء/٧ /٣٨٠].

حب الوطن عند الحكماء

وقد قال الأصمعي: (قالت الهند: ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوان: الإبل تحن إلى أعطانها وإن كان عهدها بها بعيدًا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أنفع منه) [المقاصد الحسنة/ص٢٩٧] .

وقد روى الدينوري في: (المجالسة) من طريق الأصمعي قال: سمعت أعرابيًّا يقول: (إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه).

حب الوطن عند الشعراء والأدباء

ولم يزل الشعراء يبكون ويستبكون، وتجيش منهم الخواطر، وتتحدر منهم روائع البيان في الإعراب عن شدة الحنين والشوق إلى الأوطان، حتى إن الباحث المتتبع ليظفر من منثور أشعارهم بما يوفي ديوانًا جليلًا، وسفرًا كبيرًا نبيلًا، في الأشعار الفائقة، والأبيات الرائقة، المعبرة عن شدة فراق الأوطان، على وجدان الإنسان.

بل ربما ترنم بعضهم بشدة الحنين إلى بقاع هواؤها غير طيب، وماؤها غير عذب، ولا تطيب فيها أسباب الإقامة، ولكنها من وراء ذلك وطن، وحب الوطن يغلب ذلك جميعًا، فقال الشاعر:

بلادٌ ألفناها ولم تكُ مأْلفًا * * * وقد يُؤْلَفُ الشيءُ الذي ليس بالحسنْ

وقد تؤلَفُ الأرض التي لم يطِبْ بها * * * هواءٌ ولا ماءٌ، ولكنها وطنْ

ولأجل هذا الباعث الفطري الكامن في أعماق الإنسان، فقد عظم الله تعالى شأن الهجرة والمهاجرين، لما اشتملت عليه من مشقة على النفس، ومكابدة لها، بالصبر على فراق الأوطان، ومرابع الصبا، ومعاهد النشأة، فلأجل هذا رتب الله تعالى على الهجرة من الفضل والثواب ما هو مذكور في القرآن الكريم في غير موضع.

وقال ابن بسام في: (الذخيرة): (غير أن الوطن محبوب، والمنشأ مألوف، واللبيب يحن إلى وطنه، حنين النجيب إلى عطنه، والكريم لا يجفو أرضًا بها قوابله، ولا ينسى بلدًا فيه مراضعه، قال الأول:

أحب بلاد الله ما بين منعج * * * إليَّ وسلمى أن يصُوبَ سحابها

بلاد بها عقَّ الشباب تمائمي * * * وأول أرض مس جلدي ترابها

[ الذخيرة، إلى محاسن أهل الجزيرة/١/٣٤٣ ].

قال صاحب (ديوان المعاني): (وذكر ابن الرومي العلة التي يحب الوطن لأجلها وليس له في ذلك إمام إلا أحمد بن إسحاق الموصلي فإنه قال:

أحب الأرض تسكنها سليمى * * * وإن كانت بواديها الجدوب

وما دهري بحب تراب أرض * * * ولكن من يحل بها حبيب

وقال ابن الرومي:

ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ * * * وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا

عهْدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً * * * كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظِلالكا

فقد ألفَتْهُ النفسُ حتَّى كأنه * * * لها جسدٌ إن بانَ غودِرْتُ هالكا

وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ * * * مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا

إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرتهمُ * * * عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا

وقد ضامني فيه لئيمٌ وعزَّني * * * وها أنا منه مُعْصِمٌ بحبالكا

[ ديوان المعاني/٢/١٨٩ ].

كتب ومؤلفات كاملة أُلِّفت في حب الوطن

لم يزل هذا المعنى يستفيض عند الأقدمين، وتتسع مادة الكلام فيه، حتى أفرد بالتآليف:

١- فألف الجاحظ كتابه: (حب الوطن)، وقد طبع [طبعت رسالة (الحنين إلى الأوطان) للجاحظ، في دار الرائد العربي، بيروت، سنة ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م].

٢- ومنهم: صالح بن جعفر بن عبد الوهاب الهاشمي الصالحي الحلبي القاضي، قال ابن عساكر في: (تاريخ دمشق): (وصنف كتابًا في الحنين إلى الأوطان) [تاريخ دمشق/٢٣ /٣٢٥].

٣- ومنهم الإمام الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني، قال في: (الأنساب): (وقد ذكرت قصته وسبب بنائه في كتاب النزوع إلى الأوطان) [الأنساب/٣ /٢٤٤].

٤- ولأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني كتاب: (الشوق إلى الأوطان).

٥- ولأبي حيان علي بن محمد التوحيدي كتاب: (الحنين إلى الأوطان).

٦- ولأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي كتاب: (المناهل والأعطان، والحنين إلى الأوطان)،

٧- مقومات حب الوطن في ضوء تعاليم الإسلام، للدكتور سليمان بن عبد الله بن حمود أبا الخليل.

٨- حب الوطن من منظور شرعي، للدكتور زيد بن عبد الكريم الزيد.

٩- الوطن والاستيطان، دراسة فقهية، للدكتور محمد بن موسى بن مصطفى الدالي.

وغيرهم كثير ممن ألفوا في هذا الباب. 

الخلاصة

إن حب الوطن قيمة فطرية أودعها الله في قلوب البشر، وقد دلّت على ذلك نصوص القرآن والسنة وأقوال المفسرين وشراح الحديث، إذ عادل القرآن بين مشقة فراق الوطن وقتل النفس، كما جاء في تفسير الفخر الرازي وغيره. وأثبتت السنة النبوية أن الرسولكان يحنّ إلى المدينة المنورة ويعجّل السير نحوها عند العودة من السفر، مما أشار إليه الحافظ ابن حجر وغيره كدليل على مشروعية حب الوطن، امتد هذا المعنى إلى الفقهاء والحكماء والشعراء والادباء.

موضوعات ذات صلة

عند دراسة قضية من القضايا، والانطلاق إلى الوحيين الشريفين لاستجلاء الهدي منهما، فلابد إجراءات علمية.

المشروع الإسلامي هو: تقديم أجوبة عينية جزئية تفصيلية محددة، على أسئلة العصر ومشكلاته.

لقد حولت التيارات المتطرفة مفهوم الجهاد في الإسلام من رسالة هداية ورحمة إلى أداة للتكفير والتمرد.