ارتبط الإنسان المصري منذ فجر تاريخه بالسماء والإيمان بالغيب، فظهر هذا في ممارساته الدينيّة والمعماريّة والعلميّة، إذ شيّد المعابد والكنائس والمساجد، وضبط تقويمه الزراعيّ بناءً على حركة الأجرام السماوية. وكان للتدين أثر كبير في صموده التاريخيّ.
ارتبط الإنسان المصري منذ فجر تاريخه بالسماء والإيمان بالغيب، فظهر هذا في ممارساته الدينيّة والمعماريّة والعلميّة، إذ شيّد المعابد والكنائس والمساجد، وضبط تقويمه الزراعيّ بناءً على حركة الأجرام السماوية. وكان للتدين أثر كبير في صموده التاريخيّ.
ظلّ الإنسان المصريّ عبر تاريخه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسماء، مؤمنا بالغيب، ومظاهر تدينه وارتباطه بالسماء عميقة في وجدانه، وضاربة بجذورها في فجر تاريخه، فبنى المعابد، وشيد الكنائس، ورفع قواعد المساجد، وتوجه إلى السماء في كل أطوار تاريخه، فرصد مجموعات الشمس والأجرام الفلكية ومجموعات النجوم، وقسّم السنة بناء على ذلك، وضبط عليها مواعيد الزراعة والحصاد، وظل وجدانه معلقا بالله جل جلاله في كل موقف، في مجيء فيضان النيل، وفي انحسار المياه عن الأرض للزراعة، وفي جني المحاصيل وتسيير حركة الحياة، وفي ترتيب أهداف الحياة وبرنامجها اليومي، وفي بروز فكرة الآخرة والبعث، واجتهاده للاستعداد لذلك اليوم، وفي ربط مفهوم العدالة بآثارها الممتدة دنيا وأخرى، وفي إدراكه لقيمته الذاتية، وأنه مرتبط بنظام كوني واسع ومحيط ورحيب، من الأفلاك والمجرات إلى الثواني والدقائق والكائنات الدقيقة.
وظل الإنسان المصري في كل أطواره رائدًا، في تشييد المعابد الفرعونية على نمط معماري وهندسي مذهل، يتفاعل مع أجرام السماء وتعامد الشمس، وفي بناء الكنيسة المصرية التي هي الكنيسة الأم للعمق الإفريقي، وفي رفع منارة الأزهر الشريف وما يدور في فلكه من مدارس العلم الشريف، مما يرصد لنا تاريخًا ممتدا لمصر في معايشة الدين، وأنه سياق ممتد لم ينقطع في أي طور من أطوار التاريخ.
ولذلك قال جمال حمدان وهو يتكلم عن خصائص الشخصية المصرية: "فلعل هناك شبه اتفاق على بعض خصائص أساسية، تعد أركان أو أقطاب تلك الشخصية، أولها دائمًا: التدين، وثانيها حتمًا المحافظة، وثالثها باستمرار الاعتدال، فأما التدين: فسمة مصرية أصيلة وقديمة قدم الأديان، ولعلها هي التي منحت المصري قوة داخلية، ومقاومة خارجية، وصلابة غير عادية ضد الكثير من الأخطار والمحن والمآسي التي تعرض لها عبر التاريخ، سياسية كانت أو اجتماعية، خارجية أو داخلية". [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان ٤/ ٥٢٤، باختصار].
وظلت أرض مصر مسرحًا للأحداث المذكورة في القرآن والتوراة والإنجيل، حتى إنها لتمثل بؤرة الأحداث المذكورة في الكتب السماوية جميعًا.
قال جمال حمدان: "ومصر مذكورة في الكتب السماوية الثلاثة ذكرًا متواترًا إلى أقصى حد، بحيث تؤلف جزءًا أساسيًا من جغرافية الأديان الثلاثة، ومفتاحًا جوهريًّا لتاريخها، بل إن مصر ونيلها ومدائنها وخزائنها هي البلد الوحيد المذكور بالاسم والتضمين مرارا في القرآن، فإن مصر لعبت في مراحل الدعوة إلى ثلاثتها دورًا أو آخر، فكانت لموسى قاعدة ومنطلقًا، ولعيسى ملجأً وملاذًا، بينما كانت مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم هدية ونسبًا، وفي كل الأحوال فإن مصر تبقى بطبيعة الحال مسرحًا أساسيًّا لكل الأديان والرسالات، ومعظم الأنبياء والمرسلين". [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان٤/ ٤١٣، و٤١٤].
وقد تجلى هذا الحضور الديني في مختلف مظاهر حياة الإنسان المصري، في العمارة، والفنون، والكتابة، والحِرف المختلفة، فاصطبغت حياة المصريين بهذا المعنى.
وربما طرأت أوقات عصيبة على وجدان الإنسان المصري، من شدة المعيشة، وضيق الأحوال، وقلة الأرزاق، مما يفرز منظومة قيم مختلة، حافلة بالتدافع، وتستحضر الأنفس فيها الشح والمنازعة، فتهتز بعض معالم منظومة قيمه، ويضيق صدره، حتى ربما رصد البعض أنماطا اجتماعية أو عددا من السلوكيات لا تتسق مع عمق التدين في شخصية الإنسان المصري، ربما كان ساخرا، أو حادا، أو مندفعا، وظهرت في عدد من المشاهد مظاهر ادعاء التدين، من خلال ثلاثة محاور:
أ- الجنوح بالتدين إلى الخرافة واللامعقولية والشعوذة، ولها صور كثيرة.
ب- والتكسب بالتدين والارتزاق به، وله صور كثيرة.
ج- واستغلال التدين في تحقيق أهواء ومآرب خاصة، وله صور كثيرة.
لكن يظل هناك في أعماق وجدانه يقين عميق في رب العالمين، وشعور عميق بأنه هو سبحانه الملجأ والملاذ، وأن الإنسان يتضجر أو يتفلت أو يضيق صدره، لكن تظل جذوة إيمانه كامنة في أعماقه، قابلة لأن تتوقد من جديد، وتسطع من جديد، وترجع لتحريك منظومة قيمه، وتعيد انبعاث همته من جديد، وتنفض الغبار والركام الذي تراكم على عبقريته وعقله المتألق، ولا يزال الإنسان المصري مهما كانت مظاهر تعبيره إنسانا عريقا شامخا، مرتبطا بالغيب، عميق الإيمان، بصيرا بثمرات هذا الإيمان وأنها لابد أن تفضي إلى صناعة الحضارة، وتكريم الإنسان، وحفظ الأوطان، ونشر العمران، وإحياء النفس الإنسانية، ومحاربة الفقر والأمية، مع عمران باطن الإنسان بمعرفة عميقة بالله تعالى، وتعظيم لشعائره.
يُظهر الإنسان المصريّ ارتباطًا تاريخيًّا عميقًا بالسماء والتدين، متجليًا في إبداعه المعماري، من الأهرامات إلى المساجد. رغم التحديات وظهور بعض صور التدين المشوه، تظل جذوة الإيمان كامنة في وجدانه، تدفعه نحو بناء الحضارة وتكريم الإنسان.
مصرُ كانت ولا تزالُ مَركزًا حضاريًّا مُنفتحًا.
يمتلك المصريون شغفًا عميقًا بالبناء والتشييد منذ أقدم العصور.
يتمتع الإنسان المصري بقوة متجذرة في قدرته على البقاء وتجاوز الأزمات.