Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المكون الرابع: إنسان قويٌّ

الكاتب

أ.د. أسامة الأزهري (وزير الأوقاف)

المكون الرابع: إنسان قويٌّ

يتمتع الإنسان المصري بقوة متجذرة في قدرته على البقاء وتجاوز الأزمات، مستندًا إلى ثباته النفسي، قوة إرادته، وعقله المستنير. هذا يجعله معتزًا بماضيه، قادرًا على صناعة الحضارة في حاضره ومستقبله.

سرّ قوة الإنسان المصري

الإنسان المصري إنسان قوي، صلب، مقدام، والقوة عنده متعددة المراتب والصور والمستويات، وترجع قوة الإنسان المصري في الأساس إلى قدرته على البقاء والاستمرار واجتياز الأزمات عبر هذا التاريخ الطويل، رغم كل عوامل النحت والتجريف التي طرأت عليه، وتلاطمت حوله.

مستويات القوة المتأصلة في الشخصية المصرية

(أ) وأول مستوى من مستويات القوة هو ثباته النفسي، الذي يحميه من الحيرة والاضطراب والتزلزل والتشتت والإحباط واليأس، فهو مهما حزن أو تألم فإنه يتدارك أمره سريعًا، ويقفز خارج أحزانه، ويمضي في حياته، مزودًا بثبات باطني عميق، يرجع في الأساس إلى عمق إيمانه، ووعيه بضخامة تاريخه، وعمق جذوره، فتتصاغر أمامه كل الهموم، ولا تغلبه الأحداث، مما يجعله صخرة ثابتة، تتلاطم حولها الأمواج، وتشتد، لكنها لا تنال من ثبات الصخور وصلابتها، وهذا هو السر في قدرة الإنسان المصري على اجتياز عشرات الموجات من المعتدين، كالهكسوس، والصليبيين، والتتار، والفرنسيين، والإنجليز، والصهاينة، ومختلف صور العدوان التي جاءت لتعتدي على أرض الكنانة الطاهرة، وربما بقيت بعض تلك الموجات عددا من السنين، لكنها انحسرت بعد ذلك وزالت، وإذا بها لم تستطع أن تتغلغل إلى ركيزة شخصية الإنسان المصري، بينما نجح الاستعمار في أماكن أخرى من تغيير اللغة، وطمس الهوية، لكن هذا الثبات الباطني والرسوخ العميق لليقين في أعماق الإنسان المصري جعل كل تلك الأمواج الطارئة تزول ويبقى هو.

وأهم ثمرة لهذا الثبات الباطني والقوة الذاتية النفسية عنده هي حمايته من كل الأعراض النفسية القاتمة، كالإحباط، وفقدان الأمل، والعزوف، واليأس، وغير ذلك من معاني الضعف التي إذا تمكنت من الإنسان قتلت فيه روح الإنسانية، وحولته إلى كيان محطم، فظل الإنسان المصري عنده شموخ وشمم، يجعله يأنف أن يستولي عليه الضعف النفسي أو الوهن، فإذا بمعاني اليقين والثبات والثقة في الذات قد أشرقت في وجدانه وساعدته على الثبات وقوة النفس.

(ب) المستوى الثاني من مستويات القوة هو قوة الإرادة، فهو إنسان خارق في كيفية تحويل الإرادة إلى إدارة، وبرنامج عمل، وصناعة نجاح، في كل أمر يدخل فيه، وينهض به، وقوة الإرادة قيمة كبرى، تنفك وتحلل إلى عدد من المكونات منها الإصرار، ومنها الهمة، ومنها العزيمة، ومنها التحدي، ومنها الإنجاز، ومنها اختراق قلة الإمكانيات، واجتياز العقبات، وتذليل الصعاب، والابتكار وسعة الأفق في إيجاد حلول ومخارج لكل أزمة.

وقوة الإرادة عند الإنسان المصري معناها أنه من صفاته اللازمة له، المتكررة في مختلف مراحل تاريخه، والتي تلوح في مختلف تصرفاته ومواقفه التاريخية، وأنه عنده جذوة لا تنطفئ من حب الحياة، وحب النجاح، مع القدرة على تحويل ذلك إلى إجراءات تشيع في مختلف أنشطته، وأنه لا يستسلم لأي ظروف طارئة أو عصيبة، وربما حزن، أو تألم، أو تأثر، لكن معنى الإرادة يظل قابلا للتجدد عنده، ويزيح كل تلك العوارض والمظاهر لينبعث الإنسان المصري ويولد من جديد.

(ج) المستوى الثالث من مستويات القوة هو قوة العقل، المستنير بالعلم والمعرفة والوعي، وإدراك الواقع، وفهم تعقيداته، والإلمام الواسع بخريطة العالم من حولنا، وأين موضعنا منها، وهل نحن نسير على طريق الحضارة والتمدن الذي يليق بمصر، وإن كان قد وقع تخلف أو تباطؤ فما الحلول والمخارج والمقترحات والآفاق الواسعة التي ندرك بها عصرنا، ويكون لنا بها موضع قدم بين الأمم والشعوب، ومفاتيح العلوم والحضارة كانت هنا على أرضنا.

فالإنسان المصريّ قوي النفس، قوي الإرادة، قوي العقل، مؤسساته قوية، عنده تاريخ أزهري مجيد جعل مصر قلب العالم الإسلامي، وصدرت علوم الإسلام حتى إلى البلد الذي نزل فيه الإسلام، وعنده الكنيسة المصرية التي هي المركز الروحي للمسيحيين في أفريقيا، وعنده جيش وطني شامخ وباسل وقوي، وعنده مفكرون، وعلماء، وعباقرة، وخبراء، في مختلف ميادين المعرفة، مما يجعله قادرًا على اجتياز أزماته ومشكلاته مهما كان حجمها لأنه يمتلك القدرات الذاتية الهائلة والتي هي مفتاح الحل.

أنموذج يوضح مدى قوة الإنسان المصري

ولقد زحف التتار من قلب آسيا، وهم الأشداء المتحجرون الشداد القساة، فما تركوا مملكة ولا سلطنة من ممالك المسلمين إلا اجتاحوها، ونشروا فيها الخراب، وهدموا ما فيها من صروح الحضارة، والمراصد الفلكية العظيمة التي ترصد أجرام السماء، وبددوا دور الكتب ومراكز العلم والمعرفة، وهدموا الأبنية والمدارس والمساجد المشيدة على أصول هندسية عبقرية حتى تكاد تشابه جامع السلطان حسن عندنا في القاهرة، واستطار الشرر حتى اجتاح بغداد، عاصمة الدنيا يومئذٍ، واجتاحوا الشام، إلى أن طرقوا أبواب مصر، ومصر حينئذٍ في انقسام وتشتت، فتجددت سنة الله تعالى في مصر، بأن تنبعث في أشد أوقات ضعفها، وبعد أن يظن الجميع ظنا محققًا أنه لا قيامة لها، فيخرج جيش مصر العظيم، إلى عين جالوت، ليلحق بجيش التتار العاصف المرعب أول هزيمة قاسية في تاريخه، فينكسر شرهم، ويزول طغيانهم، وتبقى مصر.

فالمصريّ إنسان قوي، يعتز بدينه، ويعتزّ بوطنه، ويعرف قيمة نفسه، لا يهون ولا ييأس، ويستعرض في أفقه المواهب التي وهبها الله له، ويعرف أنه يقف على قمة جهود خارقة قام بها آباؤه وأجداده على أكمل وجه، وتركوا له ميراثًا عظيمًا في مختلف مناحي الحياة.

اعتزاز المصري بالماضي مع قدرته على الاستمرار في صناعة الحضارة في الحاضر والمستقبل

وربما طرأت على مصر أحداث وسنوات جعلت ثباته النفسي يتزلزل ويهتز، ويدخل في نوبة من الحيرة، أو الإحباط، أو اليأس، أو العزوف عن كل شيء، أو الفقر وضيق المصادر، أو المرض والأمية، فضاق صدره، أو انحرف إلى الإدمان فرارا من الواقع، أو ذهب يفكر في الهجرة وترك الوطن.

لكن استعادة الذكرة، وإعادة الحفر والتنقيب عن تجربته العريقة في التعامل مع الأزمات وكيفية اجتيازها وتخطيها، ستكون مفيدة جدًا في إخراج الإنسان المصري من أي أزمة خانقة قد تطرأ عليه.

وليست القضية في التغني بالماضي مع وجود حاضر متغير أو متراجع، بل القضية هي الاستمرار على صناعة الحاضر والمستقبل على ضوء التجربة التاريخية والمتكررة والراسخة لهذا الوطن، والتي صنعت على مدى قرون تلك السمات والخصائص لشخصيته ونفسيته.

وهنا ولد تاريخ الحضارة، وهنا سيولد من جديد، وهنا ولد العلم والحكمة، وهنا ستولد من جديد، وهنا ولد الأمل، وهنا سيولد من جديد، والسرطانات التي نشبت في روحك، من الفقر، والأمية، والتخلف الحضاري، والجهل، والمرض، ستذوب أمام إرادتك، وستنهزم أمام همتك، وستنشأ الكفاءات من جديد في مختلف الحرف والمهن والصنائع، وسيولد عندنا عبقري تفسير القرآن الشيخ الشعراوي من جديد، وعبقري التلاوة الشيخ محمد رفعت من جديد، وعبقري الابتهال الشيخ سيد النقشبندي من جديد، وعبقري الفيزياء علي مصطفى مشرفة من جديد، وسيولد عندنا عبقري الاقتصاد طلعت حرب من جديد، وعبقري الهندسة هاني عازر من جديد، وغيرهم كثير من عباقرة المعمار، والأدب، والفكر.

الخلاصة

الإنسان المصري إنسان قوي، صلب، مقدام، وترجع قوة الإنسان المصري في الأساس إلى قدرته على البقاء والاستمرار واجتياز الأزمات، والقوة عنده متعددة المراتب والصور والمستويات، وأول مستوى من مستويات القوة هو ثباته النفسي، الذي يحميه من الحيرة والاضطراب والتزلزل والتشتت والإحباط واليأس، وهذا هو السر في قدرة الإنسان المصري على اجتياز عشرات الموجات من المعتدين، كالهكسوس، والصليبيين، والتتار، والفرنسيين، والإنجليز، والصهاينة، وأهم ثمرة لهذا الثبات عنده هي حمايته من كل الأعراض النفسية القاتمة، كالإحباط، وفقدان الأمل، وغير ذلك من معاني الضعف، والمستوى الثاني من مستويات القوة هو قوة الإرادة، وقوة الإرادة عند الإنسان المصري معناها أنه من صفاته اللازمة له، المتكررة في مختلف مراحل تاريخه، والتي تلوح في مختلف تصرفاته ومواقفه التاريخية، والمستوى الثالث من مستويات القوة هو قوة العقل، المستنير بالعلم والمعرفة والوعي، وإدراك الواقع، فالمصري إنسان قوي، يعتز بدينه، ويعتز بوطنه، ويعرف قيمة نفسه، فهو لديه اعتزاز بالماضي مع قدرته على الاستمرار في صناعة الحضارة في الحاضر والمستقبل.

موضوعات ذات صلة

يمتلك المصريون شغفًا عميقًا بالبناء والتشييد منذ أقدم العصور.

مصرُ قلبُ الأمةِ العربيةِ ومركزُ توازنها، بريادةِ شعبٍ واعٍ ومُبدعٍ قادَ وساهمَ في الحضارةِ.

مصرُ قلبُ العروبةِ ومهدُ الحضاراتِ، أنجبتْ شعبًا واعيًا ومُبدعًا.

موضوعات مختارة