وقد تمثل دور مصر في تقديم
الخير للإنسانية في عدد من الإجراءات والأنشطة التي نهض من خلالها الإنسان المصري
بدوره الرفيع الكريم في نشر نور الحضارة والمعرفة والتعليم والدعم للإنسانية كلها
دون استثناء، والجامعات الكبرى ومؤسسات العلم في العالم كلها تشهد بأن الحضارة
ولدت على أرض مصر، ومن أرضها انتشرت مشاعل المعرفة والحكمة في المشرق والمغرب.
ومن أمثلة ذلك: التفاعل
التاريخي العميق المتشعب بين مصر وبين شبه الجزيرة
العربية، حيث كانت صور المساندة والدعم تسري ذهابًا وإيابًا عبر
التاريخ في صور كثيرة، وظلت مصر عبر التاريخ تحرص على إظهار أرفع صور التكريم
للبيت الحرام، وترسل كسوة الكعبة المشرفة إلى أوائل الستينات، قال جمال حمدان مثلًا:
"وتعد مصر حاليًا أكبر عامل تحضير وتعمير وتنمية منفرد في كل الجزيرة العربية"
[شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان، ٤/ ٤١٥].
وهذا نموذج أو مثال لما
تقدمه مصر من خبرات بشرية، حتى على مستوى العمالة المعتادة في الحرف والمهن
الخدمية، فضلًا عن جانب العقل والخبرة والعلم والمعرفة والثقافة، وبهذا تكون مصر
قد تركت بصمة من العطاء والخير في كل مكان، سواء في الدول العربية الشقيقة في شبه
الجزيرة العربية، أو غيرها.
وكذلك الحال في فلسطين، "ولا خلاف على الأثر والدم
والوجود المصري المادي في كيان فلسطين" [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان،
٤/ ٤١٨]، ودور مصر عبر
التاريخ من أكبر الشواهد على قيام مصر بدعم أشقائها، وتقديم الخير لهم، والاصطفاف
مع العدالة والحق، وحماية المقدسات.
وكذلك الحال في القارة الإفريقية، "وحسبنا أن نقول إن مصر،
التي كانت طليعة ومهد الحضارة في القارة الإفريقية، قد صدرت إليها كثيرًا من
إنجازاتها، منذ فجر التاريخ، فلقد جعلت الظروف الجغرافية والتاريخية من مصر مشعل
النور الأكبر في القارة السمراء، ولا نقول منارة إفريقيا الوحيدة حضاريًا، وإذا
كان في العالم بلد واحد تصدر قارته على مستوى القمة أطول فترة في التاريخ، بل طوال
التاريخ بلا انقطاع فهو لا شك مصر في أفريقيا" [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان،
٤/ ٤٢٢].
قال الدكتور حسين مؤنس في:
(مصر ورسالتها): "أي أن أفريقيا المدارية كلها كانت في القرن الرابع عشر
الميلادي شديدة الصلات بمصر، وكان أهلها يفدون على بلادنا للعلم والتنور، وقد بقيت
في مصر جماعات كبيرة ممن وفد عليها منهم، ولازالت نواح من مصر تحمل أسماء أولئك
الأقوام، خذ مثلًا الناحية المسماة ببولاق الدكرور، فهي منسوبة إلى أمة التكرور، وكانت تسكن غربي كردفان، فيما يعرف الآن باسم جمهورية تشاد، وجمهورية النيجر.
بل إن الصلات بين مصر وتمبوكتو، كبرى مدائن حوض النيجر الأوسط في
العصور الوسطى، كانت طوال هذه القرون موصولة لم يوقفها إلا التدخل الأوروبي
الحديث، وقد كان الأوربيون يظنون أن تمبوكتو هذه ناحية مجاهل لا يعلم أمرها إلا
خالقها، وتصدى نفر من الأوربيين لكشفها، فلم يجدوا إليها سبيلًا إلا عن طريق
القاهرة، وتستطيع أن تقرأ قصص الكاشفين من أمثال مونجو
بارك، وفردريك هورنيمان، ورينيه كاييه، وهاينريخ
بارث، لتتبين تعجبهم من وصول نور القاهرة إلى هذه النواحي القاصية
الخافية وراء الرمال، ولكن هؤلاء جميعًا بل أوروبا
كلها لا تعلم شيئًا عن سر مصر ورسالتها في القارة التي جعلها الله فيها، إنها الأم
ومنبع النور، وهذا في حد ذاته حقيقة يثبتها التاريخ في كل حين، وتعمل مصر على
أدائها واعية أو غير واعية" [مصر ورسالتها، ص٤٢].