وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
عمدتنا في متابعة هذا الجانب الثابت والبالغ الأهمية من كلمات لقمان هو القرآن الكريم، الذي شمل كل ما أوصى به لقمان ولده: وهي جميعًا منضبطة على نور الشريعة وأحكام القرآن والسنة بحيث يمكن أن توصف بأنها وصايا إسلامية بدل أن تسمَّى (وصايا لقمان).
لا تشرك بالله:
كانت هذه هي الوصية الأولى التي سجلها القرآن حكاية عن قوله لولده: ﴿وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: ١٣]
ليست هذه مجرد وصية من والد لولده، بل هي تحديد للأساس الأعظم الذى تنبني عليه - ولا تقوم بدونه - العقيدة الإسلامية للفرد وللمجتمع والدولة المسلمة، وجملة لا تشرك بالله هي الفارق الهائل بين عقيدة التوحيد الممثلة في رفض الشرك وبين غيرها من العقائد التي تتدرج بين الإلحاد وعبادة غير الله كالأصنام والأحجار والشجر والكواكب والنجوم وغيرها.
ثم بين معتقدات التثنية والتثليث وما إليها من أباطيل ومفتريات.
وحيث لا يصح ولا يكون الإنسان مسلمًا إلا إذا آمن بالله وحده لا شريك له فتكون وصية لقمان لولده متسقة تمامًا مع معطيات عقيدة الإسلام، بل ومؤسسة عليها.
وهنا قد يتساءل متسائل: ولماذا يكون التوحيد الذي تعبر عنه جملة لا إله إلا الله هو الأساس الأعظم لعقيدة الإسلام؟ ولماذا أمضى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ العهد المكي كله يعلم الناس معنى لا إله إلا الله؟
وأقول بما قاله القرآن العظيم: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ﴾ [الأنبياء: ٢٢]
لقد أمضى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ العهد المكي كله يعلم المشركين وهم أهل اللغة وسادتها معنى ومفهوم لا إله إلا الله، ليس لأن معنى الجملة عصي المنال على أفهامهم فقد كان واضحًا أنها تعني رفض كل المعبودات التي كانوا يؤلهونها من الأصنام والأوثان، لكن ليس هذا فحسب، بل إنها تعني رفض كل ما تستتبعه الوثنية من جهل وضلال، وما كان ذائعًا بسببها من أساطير ومن خرافات لا يسلم بها العقل فالقوم الذين كانوا أهل الفصاحة والبلاغة والشعر والخطابة وتعلق بعض أشعارهم على أستار الكعبة تكتب لصاحبها الفخر عبر الزمن، لم يكونوا يتورعون إذا أرادوا سفرا أن يزجروا الطير ليعرفوا من حركتها العشوائية ذات اليمين وذات الشمال هل في هذا السفر خير أم شر؟ ويبثون تحركهم في ضوء هذا الوهم الكبير.
بل لم يكونوا كذلك يتورعون أن يديروا القداح لتفصل لهم حركتها العشوائية أيضًا حتى في أدق الأمور وأخطرها، وقصة عبد المطلب جد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كان قد نذر لئن كان له عشرة من البنين ليذبحن الأخير فيهم: فلما كان الأخير عبد الله أخذ والده يدير القداح بين ذبح عبد الله وبين فدائه بعدد من الإبل، وظل يزيد ويزيد حتى وقفت القداح عند مائة منها فذبحها، وافتدى ولده، بل أكثر من هذا أنهم لم يكونوا يتورعون أن يشعلوا الحروب الطاحنة التي قد تبلغ الأعوام الأربعين أو ما دونها، لأن ناقة عجماء اقتحمت حمى عشب يقع في دائرة قبيلة أخرى غير قبيلة صاحبها.
أكثر وأكثر أنه كان مجتمع السادة والعبيد والجواري والسرائر والوجهاء والموالي، تحكم العلاقة فيه بين الأقوياء والمستضعفين أراء رجل فرد يسمونه شيخ القبيلة الذي له الأمر والطاعة على كل الرقاب، وما جرى لبلال وعمار وسمية من صنوف الهوان والتعذيب في صدر الدعوة خير شاهد.
من هنا يكون الإقناع بمفهوم "لا إله إلا الله" التي تنهي في الأرض كل سلطان إلا سلطان الله، وتسوي بين الناس باعتبار أنهم جميعًا لآدم وآدم من تراب، ثم تؤصل الحدود الفاصلة بين ما يحل وبين ما يحرم في كل صنوف التعامل بين الناس بعضهم ببعض، بل حتى في علاقاتهم بأنفسهم ما يحل منها وما يحرم، وما يجوز منها وما لا يجوز، يكون هذا هو الزلزال الذي يقلب المجتمع ويغير النواميس.
وأبسط الأدلة على ذلك أن أوائل من استجابوا لدعوة الحق كانوا من المستضعفين والعبيد الذين أعطاهم إنسانيتهم، ورفعهم من حضيض المهانة إلى حيث رد إليهم اعتبارهم وكبرياء الإنسان فيهم، بما لذلك من توابع سلوكية جديدة يستشعرون فيها المساواة والعدل مع كل نظرائهم من بني الإنسان بصرف النظر عمَّا يكون عليه الآخرون من غنى أو جاه أو عصبية بالقبيلة.
لأن الإسلام هو الانتماء الجديد، وهو الوطن الجديد الذي استحق ـ بعد العهد المكي - أن يهاجروا من أجله إلى (المدينة) تاركين وراءهم ديارهم وأموالهم وأهليهم.
وتأتي الآية الثانية - بعد الوصية الأولى لولده ألا يشرك بالله، تأتي بعدها مباشرة وصية إلهية للإنسان بوالديه حيث تقول الآية: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ * وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤-١٥] في هذه الوصية (الإلهية) بين وصايا لقمان الحكيم الإنسان تبرز مكانة بر الوالدين في الإسلام حيث تأتي الوصية بهما مباشرة بعد التحذير من الشرك بالله وهو ما يتردد في أكثر من آية من القرآن من مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ [الإسراء: ٢٣] وكثير غيرها من الآيات.
لكنها هنا تضيف إلى البر بهما تحديد طبيعة العلاقة معهما إذا بقيا على الشرك ثم جاهدا ولدهما على أن يشرك بالله ما ليس له به علم.
فهنا نجد حدًا فاصلًا يحافظ على استمرار بر الوالدين وعدم طاعتهما فيما يدعوان إليه من الشرك بما يعني المفاصلة بين متطلب العقيدة، ومتطلب العاطفة بين الأبناء والآباء، بما يحمي المسلم من التمزق النفسي إذا أكره على قطيعتهما وهذا ما لا يأمر به ولا يقره الإسلام.
لقمان الحكيم قد ترك إرثًا روحيًا وإنسانيًّا غنيًّا، تدعو قصته إلى التأمل والتعلم والاقتداء في حياة كل إنسان يسعى للحكمة والخير، حيث جسدت حكمته العميقة ووصاياه القيمة منهجًا تربويًّا وأخلاقيًّا يساهم في بناء شخصية الإنسان الصالحة.
السلوك القويم ثمرة الإيمان والعمل لتهذيب النفس.
فهم النفس والخلوة يكشفان الدوافع لضبط السلوك.
الإسلام أرسى حقوق الإنسان بالعدل وصان كرامته.