وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
أنا لا أمل من ترديد الآية الكريمة التي يحضنا فيها بارئنا على إصلاح أنفسنا وتقويمها وتزكيتها، وأن في ذلك فلاحنا في الدنيا والآخرة: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا} [الشمس: ٩]، ولو لم يكن ذلك ممكنًا لما خصنا خالقنا عليه، وهو أدرى بنا من أنفسنا، ولا يخفى عليه شيء مما يخفى علينا؛ فهو الذي شكل صورنا ونحن في بطون أمهاتنا: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ} [آل عمران: ٥-٦].
وكيف يستطيع أي إنسان أن يُقوّم نفسه ويصلحها دون أن يخلو إليها بعض الوقت، ويحاول أن يعرف دوافعها ونوازعها، وما خفي من أمرها؟ وعندئذ تتضح له الرؤية، ويضع يده على مفاتيح تصرفاته وسلوكياته، فيعيد ضبطها على النسق الذي يريد .. أعرف أن ذلك صعب في بعض الحالات؛ لأن الواحد منا قد لا تواتيه الفرصة ليخلو إلى نفس، فما يكاد فرد من الأسرة أن يختلي بنفسه حتى يلاحقه الآخرون "إنت قاعد لوحدك ليه؟! ما تيجي تقعد معانا" اعتقادًا بأن الفرد لا بد أن يجلس طول الوقت مع باقي أفراد الأسرة ليشاهدوا التليفزيون أو يتبادلوا الأحاديث اليومية عما دار في مكان العمل أو الكلية أو النادي ... إلخ، ولا يخرج أحد بشيء يستحق الذكر من هذه الأحاديث التي لا تنتهي أبدًا، ولا تكاد تثمر شيئًا، ولكن بما أنه لا يمكن أن يقوِّم الإنسان نفسه ويصلحها بدون أن يخلو إليها ويتحاور معها، فلا بد من أن يحاول ذلك بكل التصميم، إما خارج المنزل أو في المنزل، ولكن بعد أن يأوي الجميع إلى غرف نومهم.
هناك أمثلة كثيرة لأمور لها جذور، فالذي يخشى الظلام لا بد أن هناك في ثنايا نفسه سببًا لذلك راجع إلى طفولته المبكرة، وما كانت تقصه عليه أمه أو الدادة من أحاديث ترسبت في اللاوعي، وأصبح دون أن يدري يخاف من أشياء لا تستدعي الخوف أو يكون لديه خوف غير مبرر تجاه الأماكن المظلمة أو المقفولة، والذي يمسك عن الإنفاق ويبخل على أسرته حتى بالضروريات برغم ثرائه ويسره، ربما يكون وراء ذلك أشياء لا تعيها ذاكرته، وانتقلت إلى منطقة اللاوعي عنده، ولو جلس إلى نفسه واختلى بها، وبدأ يسترجع شريط حياته لربما عثر على شيء أو قول كان وراء هذا البخل غير المبرر، ربما كان يسمع في صباه الباكر أمثلة تلقيها عليه أمه مثل: (خذ من التل يختل أو احرص على القرش الأبيض ينفعك في اليوم الأسود !!)، فتبرمجت هذه الأمثال في عقله الواعي زمنًا ثم انتقلت إلى منطقة اللاوعي، وأصبحت تملي عليه البخل والشح، بالرغم من أنه قادر وميسر.
هذه الأشياء وأمثالها لا يحلها إلا الانفراد بالنفس والتحاور معها، واسترجاع ذكريات الماضي وأحداثه وما سمعه من أقوال، وربما لا يتم المطلوب في جلسة واحدة أو جلستين، وهذا شيء طبيعي، فالعلاج عادة لا يتم بتناول جرعة واحدة أو جرعتين من الدواء، لا بد من الصبر وتكرار المحاولة، وفي النهاية سنعثر على ضالتنا المنشودة.