وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
وأسوق هنا طائفة من الإشارات العلمية التي تحدث عنها القرآن وأكدها العلم في العصر الحديث ومنها: انشغال الفكر بالله طريق الإيمان، نعم إذا شغل العبد عقله وقلبه بالله كان هذا طريقًا للإيمان وهذه الآيات من أواخر سورة آل عمران بدئت بالحديث عن الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، ثم جاء بعدها وصف حالهم بأنهم لا ينقطعون عن ذكر الله قيامًا وقعودًا ويتفكرون في خلق السماوات الأرض.
ثم ينقلهم التفكر في الخلق إلى التفكر في الخالق فيهتفون له مسبحين ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلࣰا﴾ [آل عمران: ١٩١]، وتتصل تسبيحاتهم معطرة بريح الإيمان ﴿رَّبَّنَاۤ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِیࣰا یُنَادِی لِلۡإِیمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمۡ فَءَامَنَّاۚ﴾ [آل عمران١٩٣]، ثم يزدادون مع الفكر والذكر قربًا، فيهتفون مستشعرين مع الذكر قربًا، فيبسطون أيدي الدعاء: ﴿رَّبَّنَاۤ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِیࣰا یُنَادِی لِلۡإِیمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمۡ فَءَامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَیِّءَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ * رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِیعَادَ﴾ [آل عمران١٩٣-١٩٤]، وما أن يبلغ العبد من حمى سيده هذه المنزلة، حتى تستحيل كلمات الدعاء إلى سحائب من نور تعلو صوب السماء وتعلو حتى تصادفها لحظات القبول، فيكون الجواب: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّی لَاۤ أُضِیعُ عَمَلَ عَٰمِلࣲ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضࣲۖ فَٱلَّذِینَ هَاجَرُوا۟ وَأُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأُوذُوا۟ فِی سَبِیلِی وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَیِّءَاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابࣰا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ﴾ [آل عمران١٩٥].
وقد حفلت كتب التفسير بأطراف من فيض هذه الآيات، وكيف كان أثرها حين نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى أهل بيته والقريبين منه حتى لقد كان يقرؤها ويبكي، ثم يقرؤها ويبكي حتى يشفق أهل بيته عليه؛ ولأن هذه الآيات تدعو إلى التفكر في الخلق والخالق، فقد أثر عن لقمان الحكيم قوله: "إن طول الخلوة مع الله ملهم للفكرة وطول الفكرة دليل على طريق الجنة" ونقلوا عن وهب بن منبه قوله: "ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ، وما فهم امرؤ قط إلا علم ، وما علم امرؤ قط إلا عمل"، وروى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه ويشعل جذوة الإيمان فيه، كان يأتي إلى الدور الخربة فيقف عند أبوابها وينادي بصوت حزين: أين أهلك؟ أين أهلك؟ فلا يسمع مجيبًا، فيعود إلى أهله وهو يردد قول الحق سبحانه: ﴿كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨]" وعمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- قالوا عنه "أنه ذات يوم جلس يبكي فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت بأحوالها، فبينما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرنا بمرارتها وإن لم تكن فيها العبرة للمعتبر ففيها المواعظ للمذكر"، أما سيد الخلق وخاتم الرسل -صلى الله عليه وسلم- فقد كانت له مع آيات أحوال وحالات، عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهْيَ خَالَتُهُ - قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ - وهى الآيات التي معنا ﴿إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [آل عمران١٩٠]، - ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي بِيَدِهِ اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ [البخاري: ٤٥٧١] وفي رواية أخرى: ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَآذَنَهُ بِلاَلٌ بِالصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا» [البخاري: ٦٣١٦].
وروى ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ وعُبَيد بْنُ عُمَير إِلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقَالَتْ: يَا عُبَيْدُ، مَا يَمْنَعُكَ مِنْ زِيَارَتِنَا؟ قَالَ: قَوْلُ الشَّاعِرِ: زُر غِبًّا تَزْدَدْ حُبّا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَرِينَا أَخْبِرِينَا بِأَعْجَب شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَكَتْ وَقَالَتْ: كُلُّ أَمْرِهِ كَانَ عَجَبًا، أَتَانِي فِي لَيْلَتِي حَتَّى مَسَّ جِلْدُهُ جِلْدِي، ثُمَّ قَالَ: ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَعبد رَبِّكَ. فَقَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُكْثِرْ صَبَّ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَبَكَى حَتَّى بَل الْأَرْضَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ فَبَكَى، حَتَّى إِذَا أَتَى بِلَالٌ يُؤذنه بِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَتْ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُبكيك؟ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا بِلَالُ، وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ: ﴿إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَایَٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾» ثُمَّ قَالَ: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» [تفسير ابن كثير: ٢/١٨٩].
إن انشغال الفكر بالله والتأمل في آياته سبيلٌ يفتح القلب لنور الإيمان ويقوّي الصلة بالخالق -جل وعلا-، فمن تدبّر في خلق السماوات والأرض ازداد يقينًا بعظمة الله وخضوعًا له بالذكر والطاعة، فالتفكر ليس مجرد ترف ذهني، بل هو "عبادة الأنبياء" وطريق العارفين للوصول إلى اليقين، فمن خلال تدبر آيات آل عمران، أن الربط بين النظر في السماء والذكر باللسان هو الذي يحقق الاستجابة الإلهية، وإن خلوة الإنسان بربه وتأمله في ملكوته هي المحرك الحقيقي لتجديد الإيمان وإحياء القلوب الميتة، تمامًا كما كان يفعل الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - والصالحون من بعده.
لقد رفع الإسلام من شأن العلم، وجعل التفكر في آيات الله طريقًا لمعرفة الخالق والإيمان به.
محبة الله عز وجل أمر عظيم جدًّا له أسباب تقويه، وعلامات تجليه، وأثر يتنعم العبد فيه
ورد لفظ الإيمان ومشتقاته فى القرآن الكريم والسنة المطهرة مئات المرات.
ذكر الله تعالى من أعظم العبادات التي تحقق الطمأنينة النفسية وتزكية الروح
من معالم الطريق إلى الله كما قررها أهل التحقيق أن تكون بالجمع بين تعظيم كتاب الله، ولزوم سنة رسوله ﷺ