ولا شك أن للحياء علامات لا تخفي تظهر في تصرفات الإنسان وسلوكه ومعاملاته منها:
أولا: مجانبة الكبر: والكبر تعاظم منشأ عن رؤية الإنسان نفسه فوق غيره والكبر يكون بالمنزلة وهو يكسب الإنسان المقت ويلهي عن التآلف ويوغر صدور الإخوان، وهو أول معصية عصى إبليس بها ربه عندم أمره بالسجود لآدم والسجود هنا هو التعظيم، من باب تكريم الإنسان ورفعا لقدره على سائر المخلوقات فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:٣٤].
وجزاء الكبر صرف الإنسان عن التفكير في ملكوت السموات والأرض كشفًا عن آيات الله الفاعلة في الكون فقال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:١٤٦].
وجزاء الكبر حجب القلوب عن رؤية الحق لقوله تعالى:
{الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر:٣٥]، وقيل لا يتكبر إلا كل وضيع ولا يتواضع إلا كل رفيع. فالكبر نقيض التواضع والتواضع خفض الجناح، وما أجمل ما قاله الشاعر:
تَوَاضَعْ تَكُن كالنجمِ لاحَ لِنَاظِرٍ .. على صَفَحَاتِ الماءِ وهو رَفيعُ
ولا تكُ كالدُّخانِ يعلُو بنفسهِ ... إلى طَبَقَاتِ الجوِّ وهو وَضيعُ
وأحسن أخلاق الفتى وأتمها تواضعه للناس وهو رفيع
وأقبح شيء أن يري المرء نفسه رفيعة وعند العالمين وضيع
فإذا رأيت إنسانًا يتعالى على غيره ويطلب السيادة لنفسه على من دونه من بني نوعه فاعلم أنه قد خلع ربقة الحياء من عنقه، فلا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، وإذا رأيت آخر على علو قدره وارتفاع منزلته يخفض جناحه للمؤمنين فاعلم أنه رفيع القدر على تواضعه وعلى الناس أن يبجلوه ويحترموه.
ولا تعتقد أن الكبر لا يكون إلا في صاحب جاه أو سلطان أو مال، بل قد يكون الكبر فيمن لا يملك عشاء ليله، وفيمن يلبس الثوب المرقع، وقد يكون التواضع في سربال الجاه والسلطان، وكل ميسر لما خلق له ولله في خلقه شئون.
ثانيًا: مجانبة العجب. والعجب يحصل في الباطن من تخيل كمال في علم أو عمل ويفسر أيضًا بأنه استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى الله تبارك وتعالى ٠
وروى الطبراني والبيهقي أن النبي ﷺ قال: «ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه».
والكبر والعجب من اقوى الدلائل على قلة الحياء ولكل منهم أسباب فمن أقوى أسباب الكبر علو اليد ونفوذ الأمر وقلة مخالطة الأكفاء، وللعجب أسباب من أقواه كثرة مديح المتقربين وإطراء المتملقين الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبًا والتملق خديعة وملعبًا.
ويحكى أن قومًا مشوا خلف ابن مسعود فَقَالَ: ارْجِعُوا فَإِنَّهَا ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ وَفِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ.
ومن الأحاديث المشهورة عن النبي ﷺ أن رجلا أُتي به إليه فأصابته رعدة، فقال له ﷺ: هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد (أدب الدنيا والدين ص ٢١٢).
وإنما قال ذلك كما يقول الماوردي - حسمًا لمواد الكبر وقطعًا لذرائع الإعجاب وكسرًا لإسراف النفس، وتذليلًا لسطوة الاستعلاء» (أدب الدنيا والدين ص ٢٠٩).
فينبغي للعاقل أن يبتعد عن الكبر والإعجاب؛ لأنهما دليلان على فقدان الحياء ولن يتأتى ذلك إلا بمعاشرة الأخيار ومجانبة الأشرار.
وكان عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقول: رحم الله امرأ أهدى الينا مساوينا.
ولا شك أن هذا الصنف من الأخيار إخوان صدق، ومرايا المحاسن والعيوب، يرى فيهم الإنسان عيوبه ومحاسنه، فيعطل ويخفي الأولى ويظهر ويبرز الثانية، ومن أظهر عيب نفسه فقد زكاها.
فإذا قطع الإنسان أسباب الكبر وحسم مواد العجب اعتاض بالكبر تواضعًا وبالعجب توددًا وذلك من أوكد أسباب الكرامة وأقوى مواد النعم وأبلغ شافع إلى القلوب ويعطفه إلى المحبة ويثنيها عن البعض، وقال بعض الحكماء من برئ من ثلاث نال ثلاثا: من برئ من السرف نال العز، ومن برئ من البخل نال الشرف، ومن برئ من الكبر نال الكرامة (أدب الدنيا والدين ص ٢١٥).
ثالثًا: التزام الصدق والبعد عن الكذب، ومن أوكد الدلائل على الحياء التزام الصدق في الأقوال والأفعال ولو كان مرًا؛ لأن الكذب جماع كل شر وأصل كل ذم لسوء عواقبه وخبث نتائجه ومن قل صدقه قل صديقه.
والصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه دون زيادة أو نقصان والكذب عكسه، والكذب ينتج النميمة والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء طريق إلى العداوة وليس مع العداوة أمن ولا راحة أو طمأنينة.
والصدق يوجبه العقل ويؤكده الشرع والكذب يمنع منه العقل ويصد عنه الشرع.
ومن أبلغ ما يروى عن النبي ﷺ قوله: «تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة، وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة فإن فيه الهلكة» (أدب الدنيا والدين ص ٢٣٦).
وقال عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لأن يضعني الصدق وقلما يضع، أحب إلى من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل".
وقال بعض الحكماء: "الصدق منجيك وإن خفته والكذب مرديك وإن أمنته" (أدب الدنيا والدين ص ٢٣٦).
من أجل ذلك فالصدق هو الطريق إلى الجنة، والكذب يورد صاحبه موارد الضياع والهلكة ٠
ويجب ألا يغيب عن البال أن الكاذب يظهر كذبه على فلتات لسانه وقسمات وجهه وقلما يفلت من افتضاح أمره، وكشف ستره طال الزمن أم قصر، بعد العهد أم قرب.
فالصدق حياء من النفس، وشجاعة على حمل المسئولية، وضمير حي ينير طريق الحياة، وكثرة الصادقين في الأمة دليل على عزتها وقوتها ومنعتها.
رابعًا: العفة، هي أمارة من أمارات الحياء وسمة بارزة من سماته، وهي: ترجمان صادق يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر والإنسان العفيف أوثق بما في يده، مما في يد الناس.
وقد يظن البعض أن العفة لا تكون إلا في المأكل والمشرب والمطعم، ولكنها أوسع من ذلك وأشمل.
الإنسان العفيف هو الإنسان الذي لا يتطلع إلى ما ليس له حق فيه من ماديات الحياة أو معنوياتها، فحياته كلها خير إن أعطاه الله شكر وإن لم يعطه صبر.
والإنسان العفيف هو الذي يعف عما ليس له من متاع الحياة، بل وأبعد من ذلك إذا رأي في ماله فضلًا عن حاجته وفي يده زيادة عن كفايته يسارع ليضعها في يد غيره لتكون له ذخرًا معدًا، وهذه وتلك عفة عما في اليد، عفة عما في يد الغير متمثلًا قوله تعالى : {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:١٣١]٠
والعفة عما في اليد
صفة المؤمنين: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:٩٠].
وما أبلغ ما قاله علي بن أبى طالب -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لعمر بن الخطاب عندما تم فتح المدائن مستقر ملك كسرى ورأى عمر الغنائم على كثرتها وقيمتها لم يمسسها أحد بسوء فقال: "إن قوما أدوا هذا لأمناء. فقال علي: إنك عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعت" (البداية والنهاية ج ٧ ص ٦٧).
والإنسان العفيف هو الذي لا يتطلع إلى منصب أو ولاية أو مركز أو إمامة أو إمارة لا تؤهله لها استعداداته ولا تطيق التزاماتها وواجباتها إمكانياته.
والنفس العفيفة هي النفس الشريفة تطلب الصيانة وتراعى النزاهة وتحتمل من الضر ما احتملت ومن الشدة ما أطاقت، حاجتها تتجلجل في الصدور وتضطرب فيها، وهي راضية قانعة.
أما من يسأل من غير ضرورة دعت ولا حاجة مست، فذلك صريح اللؤم ومحض الدناءة وقلة الحياء، وكم على وجه الأرض من هذا الصنف من الناس، يوسع الله عليهم، ولا يزالون في ضيق من العيش، يعيشون عيشة البؤساء المحرومين، ويمدون أيديهم بالسؤال، ويتطلعون إلى ما ليس من حقهم ولا هو من نصيبهم، دون استحياء، يتحملون ذل الطلب، ومهانة السؤال، ومن كان مفقود الحياء فوجهه من غير أبواب.
والإنسان العفيف هو الذي لا يتطلع إلى عورات الناس وحرماتهم هتكًا لأستارهم وهو الذي لا يتحسس أخبارهم كنوع من الفضول البشرى والمتعة الخاصة والمرأة العفيفة هي التي تحفظ على نفسها حياءها، فلا تتبرج باسم الحرية، ولا تظهر بمظهر الخلاعة باسم الرقي والتقدم والمدنية.
والإنسان العفيف هو الذي يقتصد في كلامه ولا يسرف في حديثه، ويعلم أنه محاسب على حصاد لسانه، إن كان حلالًا حوسب عليه وإن كان حرامًا عوقب به، وهذه دعوة صريحة إلى الكثير من الناس، وقد اعتادوا كثرة الكلام، فيما يعنيهم وفيما لا يعنيهم ولا يعلمون أنهم بذلك كثيرًا ما يجرون أنفسهم إلى دائرة المحظورات من غيبة ونميمة وغير ذلك مما يوقع بين الناس العداوة والبغضاء، فضلًا عن قتل الزمن وهم محاسبون عليه فيم لا يرضى الله ويسئ إليهم وإلى الناس.
هذه الصور الأربعة التي اوردتها كعينات إذا ظهرت حتى أصبحت مستوى رسميًا لسلوك الفرد وهي مجانبة الكبر والإعجاب والصدق والبعد عن الكذب، والعفة وما يندرج تحتها من تفصيلات، كلها منضمة إلى الكثير من أمثالها وأشباهها ونظائرها من الفضائل تدل على حياء من يتحلى بها. وهي في نفس الوقت استجابة لما أمر الله واستحياء منه، وهي في النهاية حياء من الناس.
ومتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورَا وبالجميل مذكورَا وإن أخل بأحد وجوه الحياء لحقه من النقص بإخلاله بقدر ما كان يلحقه من الفضل بكماله.
وصدق رسول الله ﷺ حين قال: «الحياء نظام الإيمان فإذا انحل نظام الشيء تبدد ما فيه وتفرق» (أدب الدنيا والدين ص ٢٢٢) وإذا كان لكل دين خلق يتميز به، فإن خلق الإسلام الحياء.