الواقع أن عدم العلم
بماهية الحياة كان سببًا في تعدد الآراء والمذاهب في أصل هذه الحياة، فقد نشأت نظريات متعددة تفسّر نشأة الحياة على هذه الأرض.
أما النظرية الأولى: فهي
نظرية التولد الذاتي أو التلقائي؛ ومعناه أن بعض
النباتات والحيوانات تتولد من مادة ليس فيها حياة، وذلك لما يلاحظه الناس من ظهور
بعض الحيوانات فجأة، كخروج الضفادع من الطين، "وتلك الضفادع إنما هي شيء يخلق
تلك الساعة من طباع الماء، والهواء، والزمان، وتلك التربة على مقادير
ومقابلات" [الجاحظ:
كتاب الحيوان جـ١ ص١٥٦] وهذا التولد كان يسمى عند فلاسفة العصر الوسيط
بالتولد المشكك.
ويضيف بعض الباحثين إلى التولد الذاتي مبدأ
العلية، وينسبه إلى أرسطو والفلاسفة الإسلاميين.
والنظرية الثانية: هي نظرية الانتقال أو الأصل الكوني، وهي نظرية تتفرع إلى نظريتين:
الأولى: تذهب إلى أن
الحياة قد أتت إلى الأرض من كوكب آخر.
والثانية: تقول: إن
الشمس كانت قديمًا أغنى بالأشعة فوق البنفسجية فكانت أقدر على تركيب المادة الحية.
أما النظرية الثالثة:
فهي نظرية الخلق الخاص؛ وهي نظرية
تذهب إلى أن الحياة قد ظهرت نتيجة لفعل خاص للخلق هو فعل الله عز وجل.
والنظرية الرابعة: هي نظرية الانبثاق أو الأصل
الأرضي للحياة، وهي نظرية تذهب إلى أن الحياة قد نشأت من تفاعل مواد الأرض
تفاعلات كيميائية معقدة وتحت تأثير قوي طبيعة أدت إلى تكوين البروتينات التي تتكون
منها المادة الحية أو "البروتوبلازم"؛ وتذهب هذه
النظرية إلى أنه لم يكن للبروتوبلازم في بداية الحياة شكل معين، ثم تعقدت وتكونت
خلايا جسمّية؛ كون بعضها الكائنات الأولى، وواصل بعضها الآخر طريق التطور والرقي
مكونًا الكائنات الحية العديدة الخلايا المختلفة الأنواع، ثم نشأت الأنواع
المختلفة من الكائنات الحية بفعل الطفرات والانتخاب الطبيعي والوراثة، لكن الكائنات
الحية كلها ترجع إلى أصل واحد في النهاية.
أما النظرية الخامسة:
فهي نظرية البذور الحية والكمُون، وينسب بعض الباحثين "البذور الحية "إلى القديس
أوغسطين،
و"الكمُون"إلى"النظَّام "المعتزلي؛ والكمُون كما يقول الخوارزمي في " مفاتيح
العلوم":
هو استتار الشيء عن الحس، كالزبد في اللبن
قبل ظهوره، وكالدهن في السمسم [صليبا (د. جميل)المعجم الفلسفي جـ٢ ص٢٤٤] ومن مذهب
"النظّام": أن الله عز وجل، قد خلق الموجودات دفعة واحدة، على ما
هي عليه الآن، معادن، ونباتًا وحيوانًا، وإنسانًا، ولم يتقدم خلق آدم u خلق
أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخير إنما يقع في
ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها، وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمُون
والظهور من الفلاسفة، وأكثر ميله أبدًا إلى تقرير مذهب الطبيعيين منهم دون
الإلهيين [الشهرستاني:
الملل والنحل، طبعة ١٩٦٤م القاهرة جـ١ ص٨٥].
ويُعد الكمُون طريقة في
فهم التطور دون تحول نوع إلى نوع آخر [يوسف كرم وآخرون: المعجم
الفلسفي، طبعة ١٩٦٦، القاهرة ص١٣٨].
وأما النظرية الأخيرة:
فهي نظرية "المزاج" أو
الامتزاج المتكون من العناصر؛ وينسب بعض الباحثين هذه النظرية إلى
"ابن سينا" بخاصة، مع أنها موجودة لدى غيره من فلاسفة الإسلام.
فحقيقة المزاج عند
"الفارابي" أنه تغيّر الكيفيات الأربع عن حالها، وانتقالها من ضدّ
إلى الضدّ، وتلك هي الناشئة من القوى الأصلية، وتأثير بعضها في بعض حتى يحصل كيفية
متوسطة، حكمة الباري تعالى في الغاية، لأنه خلق الأصول وأظهر منها الأمزجة
المختلفة، وخص كل مزاج بنوع من الأنواع، وجعل كل مزاج كان أبعد عن الاعتدال سبب كل
نوع كان أبعد عن الكمال. وجعل النوع الأقرب من الاعتدال مزاج البشر؛ حتى يصلح
لقبول النفس الناطقة [الفارابي:
عيون المسائل، طبعة صبيح ص٧٣] ويقول ابن سينا: "انظر
إلى حكمة الصانع بدأ فخلق أصولاً، ثم خلق منها أمزجة شتى، وأعد كل مزاج لنوع وجعل
أخرج الأمزجة عن الاعتدال لأخرج الأنواع من الكمال، وجعل أقربها من الاعتدال
الممكن مزاج الإنسان، لتستوكره نفسه الناطقة" [ابن
سينا: الإشارات والتنبيهات، القسم الثاني ص٣٠١]. ويجمع ابن
سينا
بين فاعلية المادة والفاعلية السماوية في موضع آخر فيقول: "وقد يتكون من
العناصر أكوان بسبب القوى الفلكية إذا امتزجت العناصر امتزاجًا أكثر اعتدالاً،
وأولها النبات. فإذا حدثت مادة بدن يصلح أن يكون آلة للنفس ومملكة لها أحدثت العلل
المفارقة النفس الجزئية... فالنفس تحدث كلما يحدث البدن الصالح لاستعمالها إياه" [ابن سينا:
كتاب النجاة، القاهرة ١٣٣١هـ ص٣٠٤، ٢٥٦].
فالمزاج هو اختلاط أو
امتزاج أجزاء العناصر بعضها ببعض أو هو كما في تعريفات الجرجاني "كيفية
متشابهة تحصل عن تفاعل عناصر منافرة لأجزاء مماسة بحيث تكسر سورة كل منها سورة
كيفية أخرى، وأليق الأمزجة المزاج المعتدل الذي تكون بسائطه، كيفا وكما، حتى يحصل
منها كيفية عديمة الميل إلى الأطراف المتضادة" [صليبا
"د. جميل " المعجم الفلسفي جـ٢
ص٣٦٥].
تلك هي النظريات
المختلفة في أصل الحياة، ويمكن إرجاعها جميعًا إلى نظريات ثلاث فقط، هي الخلق
الخاص، والأصل الأرضي، والأصل الكوني، ومن الجدير بالذكر القول بأن هذه النظريات
كلها ليست إلا اجتهادات لأصحابها، ولا يستطيع الإنسان الجزم بصحة أي منها، وكل ما
يستطيعه الإنسان هو أن يفضل إحدى هذه النظريات على الأخرى.
مراجع للاستزداة:
١- الجاحظ: كتاب
الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة سنة ١٣٥٧هـ.
٢- ابن سينا:
الإشارات والتنبيهات، القاهرة سنة ١٩٤٨م.
٣- الشهرستاني:
الملل والنحل، القاهرة سنة ١٩٦٤م.