وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
مما لا شك فيه أن الإسلام دين الأخلاق الكريمة والقيم النبيلة، كما جاء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّما بعثتُ لأتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ»، وهذه الأخلاق الكريمة هي ثمرة الإسلام والتدين، حتى إن العبادات المفروضة، إنما فرضت لتحقيق هذه الثمرة كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ} [العنكبوت ٤٥] وقوله تعالى: {خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة ١٠٣].
وهذه الأخلاق مطلب أساسي لكل إنسان عاملًا كان أو تاجرًا أو فلاحًا، غنيًا كان أو فقيرًا، عالمًا كان أو متعلمًا، أميًا أو غير أمي، أميرًا أو حقيرًا، رئيسًا أو مرؤوسًا، لأنها جزء من الدين لا يتجزأ، بل هي ثمرته ودليله، والمتعلم واحد من أهل الإسلام يجب عليه أن يتحلى بكل الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة، والقيم النبيلة، وقد خصه العلماء بمزيد من هذه الصفات، والأخلاق التي تعينه على النجاح في مهمته وتساعده على النجاح في العملية التعليمية.
وقد وضح الإمام الغزالي وغيره هذه الآداب والأخلاق فيما يلي:
١- تقديم طهارة النفس من رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف، إذ العلم عبادة القلب، وصلاة السر، وقربة الباطن إلى الله تعالى.
فانظر إلى الغزالي - رحمه الله - كيف جعل العلم عبادة وصلاة وقربة، بل هو أجلّ أنواع العبادات والصلوات والقربات لأن محله القلب، فالمتعلم في عبادة دائمة، وما دام كذلك فلابد أن يتجرد ويتطهر ويتنظف عن كل الرذائل والصفات السيئة، فكما يتطهر المسلم بالماء للصلاة - فعلى المتعلم أن يتطهر بالأخلاق الكريمة لطلب العلم الذي هو صلاة.
٢- أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا، ويبعد عن الأهل والوطن، فإن العلائق شاغلة وصارفة، ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق.
فالغزالي - رحمه الله - يوصي المتعلم أن يقلل من التعلق بالدنيا وشواغلها من الأهل والمال والوطن، وأن يتفرغ إلى طلب العلم، لأن شواغل الدنيا والأهل والوطن تشوش الفكر، وتصرف عن طلب العلم، وإذا توزع الفكر وانشغل الذهن بأي أمر غير العلم، لم يستطع إدراك الحقائق، ولم ينجح في تحصيل العلم.
٣- ألا يتكبر على العلم، ولا يتأمّر على المعلم، بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل تفصيل، ويُذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق، وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويطلب الثواب والشرف بخدمته.
فعلى المتعلم أن يكون متواضعًا لمعلمه، وأن يكون بين يديه كالمريض بين يدي الطبيب الماهر يذعن إليه ويقبل نصيحته، ويأخذ دواءه، ويستجيب لتوجيهاته، بل ويسعى لخدمته وطلب الثواب والشرف في القيام بذلك، فإن المتعلم إذا فعل ذلك نجح في الحصول على ما عند المعلم من الخير كما يفعل الطبيب الماهر مع مريضه.
أما إذا تكبر أو تأمّر عليه فإن المعلم أو الطبيب سيعرض عنه وسيبخل عليه بما عنده من الخير.
٤- تجنب الاختلاف، لأن الاختلاف يدهش العقل ويحير الذهن، فلا يدري أين الحق والصواب، وحينئذ قد ييأس من طلب العلم وينصرف عنه، لذا كان لابد للمتعلم من تجنب الاختلاف، والالتزام بطريقة شيخه ورأيه في أول الأمر، فإذا اشتد عوده ونضج عقله وفكره فلا بأس بعد ذلك من الاطلاع على الآراء الأخرى.
يقول الغزالي: "أن يتحرز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة، فإن ذلك يدهش عقله، ويحير ذهنه، ويفتر رأيه، ويؤيسه عن الإدراك والاطلاع، بل ينبغي أن يتقن أولاً الطريق الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه، ثم بعد ذلك يصغي إلى الخلاف والشبه".
٥- وعلى المتعلم أن يتعرف على سائر العلوم والفنون بصورة عامة ومجملة تمكنه من معرفة مقاصدها وغاياتها، لأن العلوم يخدم بعضها بعضًا، ثم يتبحر فيما يقدر عليه منها مراعيًا الأوْلى والأهم، وكلما استوفى فنًا انتقل إلى غيره، وفي هذا يقول الغزالي: "لا يدع طالبٌ فنًا من العلوم المحمودة، ولا نوعًا من أنواعه إلا وينظر فيه نظرًا يطلع به على مقصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالأهم منه واستوفاه، وتطرق من البقية؛ فإن العلوم متعاونة، وبعضها مرتبط ببعض".
٦- مراعاة التدرج في طلب العلم بحيث لا يطلب العلوم كلها دفعة واحدة، ولا يطلب العلم الواحد كله مرة واحدة، وإنما يتدرج في العلم الواحد حسب الأهم، فإذا ما أتمه انتقل إلى غيره وهكذا على امتداد العمر، قال: "لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب، ويبتدأ بالأهم، فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبًا فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه، ويكتفي منه بشمه، ويصرف جماع قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة".
٧- ثم يضيف الغزالي - رحمه الله - قوله: "ألّا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله، فالعلوم مرتبة ترتيبًا ضروريًا، وبعضها طريق إلى بعض، والموفق من راعى ذلك".
٨- أن يعرف السبب الذي به يدرك أشرف العلوم، وأن ذلك يراد به شيئان:
أحدهما: شرف الثمرة.
والثاني: وثاقة الدليل وقوته.
٩- أن يكون قصد المتعلم في الحال: تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة، وفي المآل: القرب من الله - سبحانه وتعالى -، والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من الملائكة والمقربين، ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومماراة السفهاء، ومباهاة الأقران.
١٠- أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد كيما يؤثر الرفيع القريب على البعيد، والمهم على غيره، والأهم ما يبقى أبد الآباد.. ولا مقصد إلا لقاء الله تعالى ففيه النعيم كله... ولا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلون.
تلك أهم الآداب والأخلاق التي يجب على المتعلم الحرص عليها والتحلي بها، وهي كما رأينا من صميم الأخلاق الإسلامية كما تسبق أحدث النظريات التربوية.
الإسلام دين يُعلي من شأن الأخلاق ويجعلها أساسًا لكل عبادة وسلوك، وطلب العلم في الإسلام مشروط بتهذيب النفس والتواضع والإخلاص لله. والمتعلم مطالَب بالتدرج في التعلم وتجنب التشتت والانشغال بشواغل الدنيا، والمنهج التربوي الإسلامي متوازن، يجمع بين تهذيب الروح وبناء العقل دون تطرف.