خدمة الناس لبعضهم البعض إحدى ضروريات الحياة الإنسانية، حيث إن للخدم حقوقًا ثابتة يجب الحفاظ عليها واحترامها، فهم يمثلون جزءًا من المجتمع ويساهمون في بنائه وتطوره.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
خدمة الناس لبعضهم البعض إحدى ضروريات الحياة الإنسانية، حيث إن للخدم حقوقًا ثابتة يجب الحفاظ عليها واحترامها، فهم يمثلون جزءًا من المجتمع ويساهمون في بنائه وتطوره.
الناس في حاجة إلى أن يخدم بعضهم بعضًا بحكم مدنِيَّتهم، أي توقف حياتهم على الاجتماع، فالإنسان مدني بطبعه، ولا يمكن أن يفي بحاجات نفسه منفردًا، فالكل في حاجة إلى الكل؛ فالطبيب مثلًا يحتاج إلى المدرس لأبنائه، وإلى المهندس لبيته، وإلى الخبّاز، والطبّاخ، والجزّار، واللبّان، والزّارع، والرّاعي لطعامه، وإلى النسّاج والخيّاط لثيابه.. إلخ.
وكلّ واحد من هؤلاء في حاجة إلى باقي المهن الأخرى، وهذا هو معنى قول الله تعالى: {نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} [الزخرف: ٣٢]
وقال الشاعر العربي:
النّاسُ للنّاسِ من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وإذا كانت الخدمة على مراتب تعلو وتهبط، فإن الخدم - بالمصطلح اللغوي - يُمَثِّلُون أُولى درجات هذا السُّلَّم، ولهذا كانت لهم حقوق ينبغي القيام بها وتطبيقها.
وقد جاءت أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُمَثِّلُ ميثاقًا فريدًا في التعامل مع الخدم، منها:
١- الحفاظ على كرامة الخادم وإنسانيته: ففي صحيح البخاري أن أبا ذر - رضي الله عنه - سابَّ عبدًا له وعَيَّره بأمه، فشكا الرجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال الرسول الكريم لأبي ذر – رضي الله عنه -: «أعَيَّرْته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية».
٢- احترام الخادم في التخاطب والمحادثة: ففي صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي».
٣- الخادم أحد المسؤولين الذين يُناط بهم أمر الأسرة والحفاظ عليها: ففي صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
٤- تيسير العمل وتخفيفه على الخادم ومشاركته فيه إن احتاج إلى المشاركة.
٥- الوفاء بحاجات الخادم من المطعم الشهي، والمشرب الهني، والملبس الجميل.
وفي ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ (خَدَمُكُمْ) جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَطْعَمُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» [رواه البخاري]
٦- العفو عن زلة الخادم، والصفح عن تقصيره، والنصح له بهدوء، فذات يوم قام أبو مسعود البدري - رضي الله عنه - يضرب غلامًا له بالسّوط، وغضب عليه غضبًا شديدًا، فسمع صوتًا يناديه من خلفه: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَهُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ»؛ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ». [رواه مسلم]
٧- الوفاء بأجرة الخادم كاملة غير منقوصة، وفي صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ».
هذا وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى في تنفيذ هذا الميثاق وتطبيقه، لقد خدم أنس بن مالك - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوال العهد المدني؛ يقول أنس: «خدمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته: لِمَ تركته؟! وكان لا يظلم أحدًا أجره».
وقد لازَمَتْ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في طفولته جارية هي أم أيمن، وقد أعتقها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وزَوّجها زيد بن حارثة، وكان يقول عنها: «أم أيمن أُمِّي بَعد أُمِّي»، وكان يزورها في بيتها.
وقد قَبِلَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - الهديّة من خادمه، ويحكي لنا أنس أنه حين تَزوّج الرسول الكريم زينب بنت جحش، صنعت أم سليم - وهي أم أنس - لونًا من الطعام يسمى (الحَيْس) فجعلته في إناء وبعثت به إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هدية، فحمله أنس – رضي الله عنه - وقال: يا رسول الله! إن أُمِّي تُقْرؤُك السلام وتقول: "إن هذا لك منا قليل"، فقبله الرسول الكريم - كعادته في قبول الهدية - فهو القائل: «لو دعيت إلى كُرَاع لأجبت ولو أُهْدِيَ إلي ذراع لقبلت».
وكان - صلى الله عليه وسلم - يَعُود مرضاه من الخدم، ويحكي البخاري في صحيحه أنه كان غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم – فمرض؛ فأتاه النبي يعوده فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، قال له أبوه: "أطع أبا القاسم"، فأسلم الغلام وقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، فخرج عليه الصلاة والسلام وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار».
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيًّا حتى للخدم، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم؛ ففي الصحيح أن امرأة سوداء كانت تَقُمّ المسجد أي: تُنَظّفه، ففقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عنها فقالوا: (ماتت)، قال: «أفلا كنتم آذنتموني؟» فكأنهم صَغَّروا أمرها؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دُلوني على قبرها» فدلوه، فصلَّى عليها ثم قال: «إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَصْحَابِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ».
الإنسان بطبعه مدنيّ، لا تستقيم حياته إلا بالتعاون وخدمة بعضه بعضًا، وقد وزّع الله الأرزاق والوظائف بين الناس لحكمة وتكامل، ويُعدّ الخدم جزءًا مهمًا في هذا البناء المجتمعي، وقد حفظ الإسلام حقوقهم، فأمر بإكرامهم واحترامهم، وعدم تكليفهم بما لا يُطيقون، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلـم أن الخدم إخوة لا يُظلمون، بل يجب إطعامهم وكسوتهم والنصح لهم بلين ورحمة، والعفو عن زلاتهم.
الإسلام أعطى المرأة مكانة سامية وحقوقًا جلية تحفظ لها كرامتها.
حقوق الإنسان تعني قيم العدل والمساواة والحرية.