وقد شهد المنصفون من غير المسلمين بسماحة الإسلام هذه، ونكتفي هنا بعبارة المستشرق الإنجليزي توماس أرنولد، والتي يبين فيها أثر معاملة المسلمين لطوائف
أهل الذمة
وكيف أنها كانت تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة
بسبب ما شاع بينهم من الآراء اليعقوبية والنسطورية، فقد سمح الإسلام لها أن
تؤدي شعائر دينها دون أن يتعرض لها أحد، فقد وضع الإسلام قيودًا تحول دون الاحتكاك
بين الديانات،
ونمنع إثارة التعصب بين فرقة وأخرى، وهذا من قواعد الحرية والمحافظة عليها،
إذا كانت احكام الإسلام اتسعت بحيث استوعبت أجناسًا شتى وعقائد متباينة، تعيش في دار الإسلام مع المجتمع المسلم، فإنها فرضت عليهم واجبات يجب الالتزام بها، قصدًا إلى حفظ الأمة ومصالحها، وصونًا لنظامها العام الذي هو سبب
وجودها، في النقاط التالية:
ا- الخضوع لأحكام الإسلام العامة: حيث يلزم غير المسلمين في المجتمع الإسلامي بالخضوع لأحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات المدنية والجنائية، وتسري عليهم سياسته الداخلية
والخارجية؛ لما لهذه الأحكام من ارتباط وثيق بالمجتمع بمن فيه من مسلمين وغيرهم، لذلك قرر الفقهاء في جانب المعاملات المدنية، أن
عقود غير المسلمين وتصرفاتهم تخضع لقواعد الأحكام الشرعية المدنية، صحة وفسادًا وبطلانًا، لأن المعاملات أساس النظام المدني والاقتصادي في المجتمع، ولكونها تقوم
على تبادل
المنافع بين أفراده، ولا يمكن أن ينعزل غير المسلمين عن المجتمع الذي يعيشون
فيه، وأسواقه وأنشطته المختلفة، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمقصد عام من مقاصد الشريعة، وهو تحقيق الحاجيات التي من شأنها أن تيسر سبل الحياة، ورفع الحرج
عن الناس،
ولو فرضنا قيام نظام خاص بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي، للزم من
ذلك قيام
دولة داخل دولة، وهذا ينافي الاندماج والولاء للدولة التي التزمت بتحقيق
أمنهم وحمايتهم، وتأسيسًا على ما سبق، فالمعاملات التي حظرتها الشريعة-
كالربا- تعتبر محظورة عليهم لقوله تعالى:
{وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ} [البقرة:
٢٧٥]، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الربا محرم عليهم في أصل
كتبهم، وذلك في قوله تعالى: {وَأَخۡذِهِمُ
ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ} [النساء:
١٦١] .
فأخبر سبحانه وتعالى أنهم منهيون عن الربا وأكل المال بالباطل،
ويشمل ذلك كل العقود والتصرفات الفاسدة كما قال الجصاص.
بيد
أن الفقهاء استثنوا من قاعدة الحظر العام على غير المسلمين الخمر
والخنزير، فأجازوا لهم التعامل بها بيعًا وشراء، مالم يكن أحد أطراف المعاملة مسلمًا، أما في جانب الأحكام الجنائية: فإنه
يلزم غير المسلمين الامتناع عن جرائم القتل، والزنا، والسرقة، والقذف، والحرابة، ونحوها؛
لأنها تمس أمن المجتمع مباشرة، وحظرتها السريعة صيانة للأنفس، والأعراض، والأموال – وهي من الضروريات التي جاءت الشريعة لصيانتها، وفعلهم لها مخالف لمقتضى عقد الذمة، وعقد الأمان، الذي هو تحقيق
الأمن، والأمان لأطرافه، وليس من المعقول أن يكون تركها واجبًا على المسلمين، ولا يكون
تركها واجبًا على غيرهم، ولو فرضنا جوازها لهم لعاد ذلك على مقصود العقد معهم بالنقض.
ب- ترك ما فيه ضرر على المسلمين: حيث يلزم غير المسلمين أن يتركوا من الأفعال كل ما فيه ضرر على المسلمين
بحكم عقدهم، ومقتضاه، وهو تحقيق الأمن والأمان لأطرافه المسلمين وغيرهم، ويشمل هذا الواجب أمرين:
أحدهما: امتناعهم عن قتال المسلمين.
والثاني: عدم معاونتهم أعداء المسلمين بالقول أو بالفعل.
ج-
احترام العقائد والشعائر الإسلامية:
ويكون
ذلك بأن لا يذكروا الله تعالى بسوء، ولا يذكروا رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- بتكذيب أذى، وكذلك سائر الأنبياء -عليهم السلام-، ولا يذكروا دين الإسلام بذم، ولا قدح فيه،
ولا يفتنوا
مسلمًا عن دينه، أو يبشروا بدينهم بين أبناء المسلمين، ولا يذكروا كتاب الله
تعالى بطعن فيه، ولا تحريف له، وأن لا يجاهروا بالمنكرات الجائزة بحسب معتقدهم بين المسلمين.
هذا
وقد قرر الفقهاء أنه إذا وقعت منهم مخالفة لما سبق ذكره من المعاملات
المدنية، أو ارتكبوا من الجرائم ما يوجب القصاص أو الدية، أو الحد، أو العقوبة التعزيرية،
فإنهم يؤخذون بها، كما يؤخذ بها المسلم، عند وقوعها منهم.