Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حقوق غير المسلمين

الكاتب

أ. رجب عبد المنصف

حقوق غير المسلمين

يُعرف التاريخ الإسلامي بتفرده في توفير حرية المعتقد والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين على أراضيه، وهو ما لم تشهده دول قامت على أسس دينية سابقة، ويستند هذا التسامح إلى مبادئ قرآنية ونبوية راسخة، ويظهر جليًا في تعاملات الخلفاء الراشدين، حيث تمتع غير المسلمين بحقوق شاملة تشمل الجوانب الدينية، الاجتماعية، والإنسانية، مع التزامهم بضوابط تضمن استقرار المجتمع وحماية مصالح الجميع.

حرية المعتقد في الإسلام

لم يعرف التاريخ - قديمة وحديثة – دولة قامت على الفكرة الدينية ساوت بين المؤمنين والمخالفين مثلما عرف عن الإسلام ودولته، ولعل أول ما يلفت النظر أو يشد الانتباه في هذا الصدد هو توفير حرية المعتقد لكافة المقيمين على أرضها، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ} [البقرة: ٢٥٦] 

الأسس الدينية والسياسية لحقوق غير المسلمين

وقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- في كافة عهوده ومواثيقه لأهل الكتاب على تقرير هذه الحرية؛ فقد ورد في صحيفة المدينة للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم كما جاء في كتابه لأهل اليمن من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها، وهو الأمر ذاته الذي تكرر في عهده -صلى الله عليه وسلم- لأهل نجران "ولأهل نجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته".

 بل إن السماحة لتبلغ ذروتها بسماحته -صلى الله عليه وسلم- لوفد نجران بالإقامة في مسجده -صلى الله عليه وسلم- وأداء صلاتهم فيه.

سياسة التسامح في عهد الخلفاء الراشدين

وقد سار الخلفاء الراشدون على هذه السنة النبوية الشريفة، فهذا عمر -رضى الله عنه- يكتب إلى نصارى بني تغلب مؤَمِّنا لهم حريتهم الدينية لا يكرهون على دين غير دينهم، وفي عهده لأهل القدس نجد قوله هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمانة؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وصلبانهم سقيمها وبريئها، وسائر ملتها، ألا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم: ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم.

وكتب خالد بن الوليد إلى أهل دمشق تأمينًا على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم، وهذه الشواهد التاريخية مجتمعة تدل على أن لغير المسلمين أن يتمتعوا بعقائدهم، وعباداتهم، وأماكن عباداتهم، وليس لأحد ان يتعرض لهم بالمنع، أو إكراههم على غير ما يحبون: ما كان ذلك في نطاق الاعتقاد، والعبادة، وإظهار الشعائر، دون أن يؤذوا المسلمين أو يتعرضوا لعقائدهم بالسوء.

الحقوق الاجتماعية والإنسانية لأهل الذمة

وبجانب هذا التسامح الذي تتضاءل أمامه كافة الحقوق المعاصرة والمواثيق الدولية نجد تساميًا أخر يظهر في تقنيات الفقهاء، ويأخذ الإمام القرافي كمصدر لهذه الرؤية الجديرة بالإعجاب: والتي تحدد حقوق أهل الذمة: وهي "الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف بهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال أذاهم في الجوار- مع القدرة على إزالته- لطفًا منا بهم، والدعاء لهم بالهداية، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا نعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم" ولم يكن القرافي فريدًا في نظرته هذه وإنما هي نظرة الفقهاء جميعًا.

ومن الأمثلة التطبيقية لهذه المعاني جواز وصية المسلم لغير المسلم والهبة لهم، وكذلك الوقف عليهم، فضلًا عن الأكل من ذبائحهم، والتزوج من نسائهم، وعيادة مرضاهم، فالإسلام قد ساوى بين المسلمين وغير المسلمين في حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولم يكتف بذلك بل أوجب لهم حقوقًا كسائر حقوق المسلمين. بل إن هذه المساواة وتلك الحماية لتصل إلى ذروتها بالدفاع عن غير المسلمين في مواجهة القوى الخارجية "إذ يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى، إن لم يكونوا بدار حرب بل كانوا بدارنا، ولو كانوا منفردين ببلد؛ فقد جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عقدهم، فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين"، ويقول القرافي في هذا الصدد ناقلًا عن ابن حزم: "إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم، بالكراع أو السلاح، ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة" وقد علق الإمام القرافي على قول ابن حزم بقوله: "فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع لعظيم".

الدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم

ولم تكن هذه الآراء مجرد مواقف نظرية وإنما كانت واقعًا معاشًا وتجسيدًا حيًا لتعاليم الإسلام الخالدة.

فعلى سبيل المثال  نجد الإمام محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة يقرر هذا التسامح وحفظ حق أهل الذمة ويؤكد عليه في كتابه السير الكبير موصيًا الخليفة بذلك، بل إن من العلماء – المتقدمين والمتأخرين- من أنكر على الحكام المسلمين رغبتهم في إجلاء أهل الذمة عن ديار المسلمين على ما حدت من الأوزاعي وإنكاره على والى بيروت عندما همَّ بإجلاء النصارى الذين تمالأوا على الغدر بالمسلمين ومساعدة أعدائهم، طالبًا منه عدم الشطط في العقوبة، والاكتفاء بإجلاء الخائنين فقط دون أن يمتد ذلك إلى الآخرين، أيضًا ما كان من مفتي الدولة العثمانية عندما أنكر على الخليفة رغبته في تخيير رعاياه بين الإسلام وترك البلاد آبيًا عليه فعل ذلك وهو الآخر الذي سمح ببقاء غير المسلمين طيلة هذه القرون الطويلة إذ سرعان ما استجاب الحكام لأوامر الشرع الشريف.

سماحة الإسلام في عيون غير المسلمين

وقد شهد المنصفون من غير المسلمين بسماحة الإسلام هذه، ونكتفي هنا بعبارة المستشرق الإنجليزي توماس أرنولد، والتي يبين فيها أثر معاملة المسلمين لطوائف أهل الذمة وكيف أنها كانت تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة بسبب ما شاع بينهم من الآراء اليعقوبية والنسطورية، فقد سمح الإسلام لها أن تؤدي شعائر دينها دون أن يتعرض لها أحد، فقد وضع الإسلام قيودًا تحول دون الاحتكاك بين الديانات، ونمنع إثارة التعصب بين فرقة وأخرى، وهذا من قواعد الحرية والمحافظة عليها،

إذا كانت احكام الإسلام اتسعت بحيث استوعبت أجناسًا شتى وعقائد متباينة، تعيش في دار الإسلام مع المجتمع المسلم، فإنها فرضت عليهم واجبات يجب الالتزام بها، قصدًا إلى حفظ الأمة ومصالحها، وصونًا لنظامها العام الذي هو سبب وجودها، في النقاط التالية:

ا- الخضوع لأحكام الإسلام العامة: حيث يلزم غير المسلمين في المجتمع الإسلامي بالخضوع لأحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات المدنية والجنائية، وتسري عليهم سياسته الداخلية والخارجية؛ لما لهذه الأحكام من ارتباط وثيق بالمجتمع بمن فيه من مسلمين وغيرهم، لذلك قرر الفقهاء في جانب المعاملات المدنية، أن عقود غير المسلمين وتصرفاتهم تخضع لقواعد الأحكام الشرعية المدنية، صحة وفسادًا وبطلانًا، لأن المعاملات أساس النظام المدني والاقتصادي في المجتمع، ولكونها تقوم على تبادل المنافع بين أفراده، ولا يمكن أن ينعزل غير المسلمين عن المجتمع الذي يعيشون فيه، وأسواقه وأنشطته المختلفة، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمقصد عام من مقاصد الشريعة، وهو تحقيق الحاجيات التي من شأنها أن تيسر سبل الحياة، ورفع الحرج عن الناس، ولو فرضنا قيام نظام خاص بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي، للزم من ذلك قيام دولة داخل دولة، وهذا ينافي الاندماج والولاء للدولة التي التزمت بتحقيق أمنهم وحمايتهم، وتأسيسًا على ما سبق، فالمعاملات التي حظرتها الشريعة- كالربا- تعتبر محظورة عليهم لقوله تعالى: {وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ} [البقرة: ٢٧٥]، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الربا محرم عليهم في أصل كتبهم، وذلك في قوله تعالى: {وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ} [النساء: ١٦١] .

فأخبر سبحانه وتعالى أنهم منهيون عن الربا وأكل المال بالباطل، ويشمل ذلك كل العقود والتصرفات الفاسدة كما قال الجصاص.

بيد أن الفقهاء استثنوا من قاعدة الحظر العام على غير المسلمين الخمر والخنزير، فأجازوا لهم التعامل بها بيعًا وشراء، مالم يكن أحد أطراف المعاملة مسلمًا، أما في جانب الأحكام الجنائية: فإنه يلزم غير المسلمين الامتناع عن جرائم القتل، والزنا، والسرقة، والقذف، والحرابة، ونحوها؛ لأنها تمس أمن المجتمع مباشرة، وحظرتها السريعة صيانة للأنفس، والأعراض، والأموال – وهي من الضروريات التي جاءت الشريعة لصيانتها، وفعلهم لها مخالف لمقتضى عقد الذمة، وعقد الأمان، الذي هو تحقيق الأمن، والأمان لأطرافه، وليس من المعقول أن يكون تركها واجبًا على المسلمين، ولا يكون تركها واجبًا على غيرهم، ولو فرضنا جوازها لهم لعاد ذلك على مقصود العقد معهم بالنقض.

ب- ترك ما فيه ضرر على المسلمين: حيث يلزم غير المسلمين أن يتركوا من الأفعال كل ما فيه ضرر على المسلمين بحكم عقدهم، ومقتضاه، وهو تحقيق الأمن والأمان لأطرافه المسلمين وغيرهم، ويشمل هذا الواجب أمرين:

أحدهما: امتناعهم عن قتال المسلمين.

والثاني: عدم معاونتهم أعداء المسلمين بالقول أو بالفعل.

ج- احترام العقائد والشعائر الإسلامية:

ويكون ذلك بأن لا يذكروا الله تعالى بسوء، ولا يذكروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتكذيب أذى، وكذلك سائر الأنبياء -عليهم السلام-، ولا يذكروا دين الإسلام بذم، ولا قدح فيه، ولا يفتنوا مسلمًا عن دينه، أو يبشروا بدينهم بين أبناء المسلمين، ولا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه، ولا تحريف له، وأن لا يجاهروا بالمنكرات الجائزة بحسب معتقدهم بين المسلمين.

هذا وقد قرر الفقهاء أنه إذا وقعت منهم مخالفة لما سبق ذكره من المعاملات المدنية، أو ارتكبوا من الجرائم ما يوجب القصاص أو الدية، أو الحد، أو العقوبة التعزيرية، فإنهم يؤخذون بها، كما يؤخذ بها المسلم، عند وقوعها منهم.

الخلاصة

يكفل الإسلام لغير المسلمين حقوقًا أساسية في الدولة الإسلامية، مستندًا إلى مبادئ العدل والمساواة، يتمتعون بحرية العقيدة وممارسة شعائرهم الدينية، وتُصان دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، لهم الحق في الحماية والأمان، ولا يُكرَهون على اعتناق الإسلام، كما تضمن لهم الشريعة حق الملكية، وحق التقاضي أمام قضاء عادل، وحق المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتُطبق عليهم الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات المدنية والجنائية بعدل ومساواة مع المسلمين.

موضوعات ذات صلة

حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام.

حقوق الطفل في الإسلام تبدأ قبل ميلاده.

الإسلام كرّم المرأة ومنحها حقوقها المدنية والإنسانية.

موضوعات مختارة