Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المساواة

الكاتب

هيئة التحرير

المساواة

تُعدّ المساواة في الحقوق من أسمى القيم التي سعت إليها الإنسانية عبر العصور، إذ بها يتحقق العدل وتصان الكرامة الإنسانية، فحري بنا معرفة جذور المساواة وتطورها بين الفكر الفلسفي والتشريع الإسلامي الذي جعلها أساس الحقوق والواجبات.  

تعريف المساواة لغويًا واصطلاحيًا

المساواة لغةً: أن يكون اللفظ المعبر عن المعنى المراد مساويًا له لا ينقص ولا يزيد، ساواه: ماثله وعادله، و(ساوى) هذا بذاك: رفعه حتى بلغ قدره ومبلغه، و(ساوى) بينهما: جعلهما يتماثلان ويتعادلان.

واصطلاحًا: أن يتساوى الناس جميعًا في الحقوق والواجبات دون تفرقة أو تمييز بسبب جنس أو طبقة أو مذهب أو عصبية أو حسب أو نسب أو مال... الخ.

غياب المساواة في العصور القديمة

إن وجود مبدأ المساواة في الأنظمة المعاصرة وإقراره كركيزة للمجتمع، هو تعبير عن تطور عميق في بنية المجتمع الانساني، مر فيه المبدأ بسلسلة من النضال عبر تاريخ طويل، حالت دون تحقيقه قوى فكرية، وأخرى سلطوية حماية لمصالح خاصة، وتكريس للاستعباد والظلم.

فالمتتبع لنشأة مبدأ المساواة خلال المراحل المتعاقبة التي مرت بها الإنسانية منذ بداياتها الأولى في العصور السحيقة، وحتى عهد قريب، يجد أن الظلم والاستعباد والاستعلاء هو السمة السائدة في مسيرة الجماعة الإنسانية، وما قصة المظالم والمآسي التي سجلها التاريخ الطويل إلا شاهد على هذه الحقيقة.. فصراع الإنسان الأول منذ هبوطه على الأرض، وإيقاعه الظلم بأخيه إلى حد قتله والفوز بمتعة الحياة، كما حدث من قتل قابيل لأخيه هابيل ابني آدم (عليه السلام).

لقد كانت هذه الجريمة بمثابة انتهاك لقاعدة وضعت لتنظيم العلاقات الاجتماعية والأسرية وفق قاعدة مجردة تطبق على الجميع وتسوي فيما بين الأفراد. واستمرت شريعة الغاب على هذا النهج الذي يقوم على التغالب، وفرض إرادة القوى على الضعيف، واستعباد الحاكم للمحكوم، وتسخير الفقير للغنى. وكان من الطبيعي في ظل هذا المناخ أن ينزوي مبدأ المساواة.

الفكر الفلسفي المناهض للمساواة

ولقد كان لأرسطو مقولة تشير إلى أن تقسيم المجتمع إلى طبقة سادة وطبقة عبيد، هي قسمة أصلتها الطبيعة البشرية التي تجعل الناس غير متساوين، وأن مصلحة الجماعة تقتضي ذلك؛ ومن ثم فإن العبودية أمر حتمي لا فكاك منه ولا مهرب!

ولم يكن هذا رأي أرسطو وحده، بل شاركه في ذلك مفكرون آخرون في عصور متتابعة، مثل: منتسكيو ولونج الذي وصف الزنوج بقوله: (يمكننا التأكيد بأنهم غير خليقين أساساً بالحضارة، فهم أقل من جميع الأجناس البشرية المكتشفة حتى يومنا هذا قدرة على التفكير والتصرف)!

إن هذا المنحى الفكري لهذه النخبة من رواد الحضارة الحديثة ينم عن اتجاه خطير؛ لأنه يقوض مبدأ المساواة، ويهدر الكرامة الإنسانية.

الثورة الفرنسية ومبدأ المساواة

وفي عام ١٧٨٩م قامت الثورة الفرنسية، وكات نقطة تحول في التاريخ الأوروبي، فقد أرست مبادئ الحرية والإخاء والمساواة.

المساواة في العقيدة الإسلامية

ففي الإسلام تعد المساواة إحدى قيم التشريع الرفيعة التي تنطلق من حقيقة هي أن جوهر مادة الخلق للبشر واحدة؛ ومن ثم فإن الأصل الإنساني واحد، وهو الأصل الذي يجب كل خلاف ويضبط كل تنظيم للعلاقات بين طبقات المجتمع، وتعد بذلك قيمة دينية وحضارية حيث يجسد الإسلام الفطرة الإنسانية والكرامة البشرية.

هذا التكامل بين الإسلام والإنسانية حول معنى المساواة يعبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [الروم: ٣٠].

كما ضمن الإسلام للإنسان - باعتبار إنسانيته التي يتساوى بها مع غيره من سائر الخلق - حاجاته الأساسية بغض النظر عن الاختلافات والفروق التي توجد في دنيا الناس وذلك بقوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ} [طه: ١١٨-١١٩] وكان من الطبيعي في ظل المساواة الإسلامية أن يكون الرباط الجامع بين أفراد المجتمع الإسلامي هو الأخوة الإنسانية وأنهم ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة.

يقول سبحانه وتعالى: {هَٰذَا بَلَٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [إبراهيم: ٥٢].

وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم في بيانه الأخير الذي ألقاه في حجة الوداع «أيُّها النَّاسُ! إنَّ ‌ربَّكُمْ ‌واحِدٌ، وإنَّ أباكُمْ واحِدٌ، ألا لا فَضْلَ لِعَربيٍّ على عجميٍّ، ولا لِعَجَمِيٍّ على عَربيٍّ، ولا لأَحْمرَ على أسْوَدَ، ولا لأَسْودَ على أحْمرَ؛ إلا بِالتقْوى، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ‌أَتْقَاكُمْ}»، وتبلغ المساواة قمتها عندما نسمع قولًا للرسول الكريم ﷺ في موقف يتعرض فيه لحد من حدود الله بقول المصطفي صلى الله عليه وسلم عندما أتى أسامة بن زيد يشفع في امرأة شريفة من قريش سرقت.. قال عليه الصلاة والسلام في غضب: «‌أَتَشْفَعُ ‌فِي ‌حَدٍّ ‌مِنْ ‌حُدُودِ ‌اللهِ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ‌سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا ‌سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ ‌لَقَطَعَ ‌مُحَمَّدٌ يَدَهَا».

وتظل النصوص الإسلامية تواصل خطابها إلى البشرية على أساس من هذه الأخوة الإنسانية التي تجمع ولا تفرق، تصلح ولا تفسد، تتعاون ولا تنعزل، وهو الخطاب الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «اللهم أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، وأن العباد كلهم إخوة» (رواه أحمد في سنده).

إن من يتصفح الإسلام عقيدة وشريعة سيجد المصداقية التي تؤصل قناعته في هذا الصدد: أصل العقيدة الإسلامية هو التوحيد، فوحدانية الله تعالى هي القطب الذي ينبني عليه أصول الإيمان الأخرى، فهي جوهر الإيمان بالله وبالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وموقف المسلمين قاطع حوله، قال تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [آل عمران: ١٨]، وهنا يتبين التلازم بين وحدانية الله تعالى التي شهد بها الحق ذاته، والملائكة والعلماء، والعدل الذي يحمل لواءه الله تعالى، فأحرى بخلقه أن يقروا له بالوحدانية، وأن يتناصفوا فيما بينهم، وركيزة التناصف المساواة.

تطبيق المساواة في الشعائر الإسلامية

والعبادات بأنواعها، من صلاة وزكاة وحج، تعتمد على التسوية بين المكلفين بها، فالمصلون يمتثلون لنداء الله، ويصطفون جميعا في صف واحد بين يدي الله تعالى، فتتوحد نفوسهم وتتحاذى مناكبهم، لا فرق بين غنى وفقير، وقوى وضعيف، وحاكم ومحكوم، وهي اجتماع يومي، يتوحد فيه الصف الإسلامي في كل مسجد وزاوية أو أي أرض طهور أمام الخالق.

وفي الزكاة تتضح الحكمة منها، فهي تزكية للمال، وإحساس بحرمان الفقير والمسكين، ووسيلة عملية لإذابة الفوارق بين الطبقات.

وفي الحج، نجد الإحرام تجسيدًا حيًّا لعبودية الخالق، والمساواة فيما بين الخلق، فإن كل إنسان يخلع لباسه الذي يميزه عن غيره، ففي ذلك توحيد للمظهر بين الجميع... العالم والجاهل، والحاكم والسوقة، وصاروا يتزاحمون فيما بينهم بالمناكب.

وقد رفض الرسول ﷺ أن يتبع عادة قريش في أداء المناسك؛ حيث كانت تميز نفسها خاصة عن سائر العرب، وكان هذا الرفض امتثالًا لقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: ١٩٩] 

المساواة أمام القضاء والعدالة الجنائية

في الجانب الجنائي: والذي يتعلق بتحقيق المساواة في الواقع؛ حيث أثمن ما يحرص عليه الشرع والناس، وهو حفظ الحياة، وقد ألزم الشارع القصاص على القاتل والجارح، حماية لحق الحياة، وردعًا لمن تسول له نفسه ارتكاب الجريمة، كذلك، فالقصاص يتمثل في أن النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن.

والمساواة في القصاص تجرى بين الشريف والوضيع والحاكم والرعية، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، والمسلم والذمي، والدليل عليه عموم نص القتل من غير تمييز بين شخص وآخر.

وفيما يتعلق بالدية، فإن المبلغ أو المال الواجب فيها واحد، فدية الشريف كدية الوضيع ولا عبرة بمراكزهم الاجتماعية.

كما أن المساواة تنسحب أيضًا أمام القضاء، نذكر قوله سبحانه وتعالى في كتابه: {وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ} [النساء: ٥٨].

 مراجع الاستزادة:

  1. قصة الحضارة: ول ديورانت ٣ / ١١٢، ١١٣.
  2. الأحكام السلطانية: الماوردي، مكتبة الحلبي.
  3.  قيم وتقاليد السلطة القضائية: د. احمد رفعت خفاجي، ص.٧ ٧١.
  4.  من قيم التشريع الإسلامي: د محمد الشحات الجندي. (١٤١٦هـ / ١٩٩٥م) - شرح صحيح مسلم، النووي ح ١١.

الخلاصة

المساواة تعني تساوي الأفراد في الحقوق والواجبات دون تمييز، وقد عانت البشرية طويلًا من غيابها بسبب الطبقية والاستبداد، وقد رفضها الفكر الإغريقي جزئيًّا، بينما رسّختها الثورة الفرنسية، أما الإسلام، فأقرها بوضوح استنادًا إلى وحدة الأصل الإنساني وكرامة الإنسان، وتجلت في العبادات والعدالة.

موضوعات ذات صلة

يُستخدم لفظ "الحق" في مجالات المنطق والأخلاق والمعاملات والميتافيزيقا

التحكيم آلية إسلامية راسخة لحل الخلافات، تقوم على الثقة والعدل

الديمقراطية: هي المشاركة في صنع القرارات السياسية

موضوعات مختارة