يفرض الإيمان بالملائكة الكرام على المؤمن أدبًا لازمًا نابعًا من استشعار وجودهم الدائم والمكرم؛ لذا وضعت الشريعة ضوابط سلوكية وبيئية لتعظيمهم وحفظهم من كل ما يؤذيهم أو ينفرهم.
يفرض الإيمان بالملائكة الكرام على المؤمن أدبًا لازمًا نابعًا من استشعار وجودهم الدائم والمكرم؛ لذا وضعت الشريعة ضوابط سلوكية وبيئية لتعظيمهم وحفظهم من كل ما يؤذيهم أو ينفرهم.
الإيمان بالملائكة الكرام ركن أساس من أركان الإيمان، وهم خلق عظيم من خلق الله، مُجبولون على الطاعة والعبادة، وكلفوا بمهام جسيمة تشمل كل تفاصيل حياتنا من تسجيل الأعمال إلى تبليغ الوحي وحفظ الإنسان وحضور مجالس الذكر، ولما كانت الملائكة بهذه المكانة الرفيعة، وكانوا ضيوفًا وشهودًا دائمين على أعمالنا، وجب على المؤمن أن يحيط تعامله معهم بأقصى درجات الأدب والوقار، وهذا الأدب هو ترجمة عملية لصدق الإيمان بغيبهم.
ينطلق الأدب مع الملائكة من الإقرار بمنزلتهم الرفيعة التي ذكرها القرآن الكريم، فهم ليسوا آلهة أو شركاء، بل: {بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ * لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ} [الأنبياء: ٢٦-٢٧]، وهذا التعظيم يستوجب:
- محبتهم: فمن الأدب مع الملائكة محبتهم، فالملائكة تحب المؤمن، وتهش له، وتفرح إذا رجع إلى الله - تبارك وتعالى - بل وتتسابق في إيصال الأعمال الطيبة إلى الله ورفعها، كما في الحديث عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا آنِفًا؟» فَقَالَ الرَّجُلُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» [البخاري (٧٩٩)، ومسلم (٦٠٠)] فهم يسرعون فرحين أن إنسانًا ذكر الله - سبحانه وتعالى - وكيف لا نحبهم وهم الذين يدعون لنا: عند زيارتنا للمرضى، وعندما نصلي في الصف الأول، وعندما نتسحر، وعند صلاتنا على النبي - صلى الله عليه وسلم.
- تجنب اللعن أو السب: يجب على المؤمن أن يتجنب لعن الملائكة أو سبهم تحت أي ظرف؛ لأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله طرفة عين.
- الإقرار بوظائفهم: من الأدب معرفة وظيفة كل منهم دون تخطيها، كمعرفة جبريل عليه السلام كـ(روح القدس) ملك الوحي، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور.
- التعامل مع الوحي بوقار: الأدب مع الملائكة يتضمن تعظيم الوحي الذي حملوه، وخاصة القرآن الكريم، كأدب خاص مع جبريل الأمين - عليه السلام.
تحرص الملائكة على الوجود في أماكن الطهر والنور، وتنفر من كل ما يشبه الخبث أو الشهوات الدنيوية المذمومة؛ ولأن من الملائكة من لا تفارق الإنسان كالكتبة، فإن الأدب يقتضي تنقية البيئة المحيطة من عدة أمور:
- إبعاد الكلاب لغير حاجة: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ». [البخاري (٣٢٢٥) ومسلم (٢١٠٦)]
- الابتعاد عن الروائح الكريهة: الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وخاصة الروائح الكريهة، مثل الثوم والبصل النيئين أثناء التواجد في أماكن العبادة، ويشمل ذلك روائح التدخين والمسكرات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». [مسلم (٥٦٤)].
- الستر وعدم التعري: الأدب يوجب على المؤمن ستر العورة والحياء، خاصة في الخلوة، احترامًا للملائكة الكاتبة والحافظة التي لا تفارقه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» [الترمذي (٢٨٠٠)].
الملائكة الكرام الكاتبون الحفظة ملازمون للإنسان، ويسجلون جميع أعماله وأقواله: {وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ * كِرَامٗا كَٰتِبِينَ} [الانفطار: ١٠-١١]، وهذا الاستحضار الدائم لوجودهم يوجب أدبًا رفيعًا في الخلوة والجلوة:
تطهير القلب واللسان: فمن الأدب معهم أن يستحيي المؤمن من ملائكته الكاتبين، فيتجنب السباب واللغو والنميمة وكثرة الكلام الذي لا فائدة منه.
احترام مقام الكتابة: يجب على المؤمن أن يراقب نفسه ليكون ما يُكتب في صحيفته شيئًا يرضي الله، فلا يجاهر بمعصية أو يفرح بذنب؛ لأن الملائكة تكتب، وحياؤه منهم يدفعه إلى الطاعة.
اجتناب الإسراف في الكلام الباطل: إذا كان لا بد من الكلام الدنيوي، فليكن بالقدر المعقول مع الحرص على الإكثار من الذكر والاستغفار لتنقية ما يُكتب.
فمن المعلوم أن الملائكة تحضر مجالس الذكر والعلم وتحفُّ العابدين، وهذا يتطلب أدبًا في الأداء، وفي المكان، ويتمثل في:
- تحري الإخلاص: الملائكة تحضر العبادات والمجالس المخلصة لله؛ لذا من الأدب أن يكون العمل لله وحده لا رياءً ولا سمعةً، احترامًا لحضورهم.
- التواضع والسكينة في الصلاة: حيث إن الملائكة تصفُّ صفوفًا في الصلاة كما جاء في السنة، ومن الأدب أن يكمل المؤمن صفه ويسوي ركوعه وسجوده دون عجل أو التفات، اقتداءً بتسوية الملائكة لصفوفها.
- تنظيف مكان العبادة: الأدب يوجب تنظيف المسجد والمصلى وتطييبهم قبل الشروع في العبادة، ليكون مكانًا لائقًا لحضور الملائكة.
إن الأدب مع الملائكة الكرام ليس مجرد فضيلة، بل هو علامة على كمال الإيمان بالغيب، وحصن يقي المؤمن من الوقوع في اللغو والخطأ، فاستشعار وجود هؤلاء الضيوف الغيبيين يدفع المؤمن دفعًا إلى تزكية نفسه وتطهير بيئته؛ ليحيا حياة تتناسب مع شرف الملائكة الحافظين والمراقبين.
أول منازل السالكين وأعلى مراتب الخُلق هو الأدب مع الله - سبحانه وتعالى - فالأدب مع الخالق هو أصل كل أدب وجمال كل سلوك
الأدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فريضة إيمانية كبرى وترجمة صادقة للمحبة الواجبة
القرآن الكريم هو نعمة الله العظمى، وكلامه المعجز الذي يهدي البشرية؛ لذا فإن التأدب معه واجب شرعي يشمل الطهارة الباطنة والظاهرة