تمثل محبة الله وكراهيته للأفعال ميزانًا دقيقًا لمنظومة القيم الأخلاقية التي تقوم عليها عمارة الأرض وحياة العدل؛ فبمعرفة ما لا يحبه الله ندرك معايير الحسن والقبح التي تضمن سلامة الفطرة واستقرار المجتمعات البشرية بعيدًا عن البلاء والنكد.
تمثل محبة الله وكراهيته للأفعال ميزانًا دقيقًا لمنظومة القيم الأخلاقية التي تقوم عليها عمارة الأرض وحياة العدل؛ فبمعرفة ما لا يحبه الله ندرك معايير الحسن والقبح التي تضمن سلامة الفطرة واستقرار المجتمعات البشرية بعيدًا عن البلاء والنكد.
عندما نتأمل فيما يحبه الله وفيما لا يحبه نعرف منظومة القيم التي تمثل مطلق الأخلاق البشرية الحميدة، التي بها عمارة الأرض، والتي بها معيار الحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح، والتي بها حياة العدل، وحيث افتقد البشر ذلك المعيار فإن النكد والبلاء يحل بنا حتى مع حسن النوايا، فليس بحسن النية وحده يتم المقصود.
قال تعالى : ﴿وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَاۤ أَوۡقَدُوا۟ نَارࣰا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَیَسۡعَوۡنَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَسَادࣰاۚ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِیمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال تعالى ﴿إِن یَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحࣱ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحࣱ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِینَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالࣰا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولࣰا * كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَیِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهࣰا﴾ [الإسراء: ٣٧-٣٨]. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا یُسِرُّونَ وَمَا یُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِینَ﴾ [النحل: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِینَ یَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِیمࣰا﴾ [النساء: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَرِحِینَ﴾ [القصص: ٧٦]، ﴿لَّا یُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِیعًا عَلِیمًا﴾ [النساء: ١٤٨].
ثلاث عشرة صفة لا يحبها الله، إذا ابتعد الإنسان عنها كان عبدًا ربانيًا، وصلح بسلوكه الاجتماع البشري، وحسنت علاقته مع ربه ومع نفسه ومع الناس، بل مع الكون كله وهو يسير في طاعة الله طوعًا أو كرهًا، ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡءَاصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، ﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
وأول صفة هي صفة العدوان، وينهى عنها الله بنهي صريح مباشر، صار كالقاعدة المطردة: «ولا تعتدوا» فالعدوان يفسد نفس الإنسان، ويولد هذه النفسية التي نراها عند الطغاة عبر التاريخ، غباوة في التصرف، وسوء تقدير للأمور، وبلاء في النتيجة، مهما زين الطاغيةُ المعتدي كلامَه أفعالَه، وبرر هذه الأفعال فما دامت في نطاق العدوان كانت عدوانا، ونحن رأينا ما حدث بالعراق وفلسطين من دماء تراق وطغيان لم يشهد التاريخ مثله، فقنبلة واحدة تهلك العشرات، وطلقة جوية واحدة تهلك المئات، فليتكلم كل البشر في تبرير ذلك إلا أن الحقيقة الباقية هي ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]؛ ولذلك تتم المؤاخذة من المعتدين في الدنيا، ثم يرجعون إلى الله فيوفيهم حسابهم، والتبري من صفة العدوان يجب أن يتخلق به الإنسان على مستواه الشخصي وفي تربيته لأبنائه وعلى مستوى المجتمع، بل على مستوى الدول والعلاقات بينها.
ولذلك فإن الله لا يحب الفساد ولا المفسدين، والفساد ينتج من العدوان، كما أنه لا يحب الظالمين، والظلم هو التصرف في ملك الغير بدون إذنه، والعدوان فيه تصرف في ملك الغير بدون إذنه، ونتيجة الفساد والظلم - وهو مشتق من مادة الظلام الذي هو ضد النور - وعاقبتها هي مخالفة مراد الله من خلقه فليبارز الله بالمعصية من أراد حربًا ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
والمعتدي الذي لا يرتدع فيه صفات كلها يكرهها الله ولا يحبها الكفر؛ وهو ستر القلب عن استماع موعظة الخالق، بدرجات الستر المختلفة التي تنتهي بإنكاره أو إنكار وحيه، والإثم؛ أي: طلب الإثم وعدم الاهتمام بأنه إثم ما دام ينفذ ما يريد؛ لأنه يفهم أن الحياة الدنيا نهاية علمه وغاية أمله ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ولا يهتم بأمر الله فهو مختال بنفسه فخور بفعله مستكبر في نفسه، مستكبر في الأرض بغير الحق، فشأن الإنسان الضعف، ولذلك أمر بالحلم والأناة وليس بالكبر الذي يعمي بصيرته فلا يرى سوى نفسه ورأيه ولا يرى الواقع على ما هو عليه، ولا يرى المستقبل بعقل راجح. قال رسول الله ﷺ لأشج عبد قيس: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ » [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه حديث (۱۸) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].
ومجموعة الإسراف كالإسراف في الأكل والشرب وهما عنوان الترف والانشغال بالدنيا بجميع شهواته: ﴿ذَرۡهُمۡ یَأۡكُلُوا۟ وَیَتَمَتَّعُوا۟ وَیُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ * وَمَاۤ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡیَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابࣱ مَّعۡلُومࣱ﴾ [الحجر: ٣-٤].
والإسراف في القتل ﴿فَلَا یُسۡرِف فِّی ٱلۡقَتۡلِۖ﴾ [الإسراء: ٣٣]، والإسراف في الإنفاق ﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامࣰا﴾ [الفرقان: ٦٧]، والإسراف في الذنوب من غير توبة ﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ومجموعة الصفات السابقة تولد صفتين مذمومتين هما: الفرح القاصر، والجهر بالسوء، والفرح الذي هو السرور مطلوب لا شيء فيه، وأما المذموم فهو الفرح بالطغيان والعدوان وإهلاك الحرث والنسل، فهو فرح قاصر على نفس الإنسان، لا يفرح سواه به، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِی قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ لِیُفۡسِدَ فِیهَا وَیُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَیۡهِمۡۖ وَءَاتَیۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَاۤ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوۤأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُو۟لِی ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَرِحِینَ﴾ [القصص: ٧٦].
أما الجهر بالسوء فهو أمر ذميم في التربية وفي المجتمع وفي العلاقات الدولية وفي الحكم بين الناس؛ حيث يتحول المنكر إلى معروف يرضاه الكافة، وتشيع الفاحشة والبذاءة في الناس، ويتحول المعروف إلى منكر ويختل الميزان ويختلط الأمر حتى على الحكماء، ولا يبقى للناس أصول يرجعون إليها في تعاملاتهم.
وقد بين النبي الكريم ﷺ ذلك في سنته الشريفة، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: السَّام عَلَيْكَ يًا مُحَمد، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَعَلَيْكَ، فَقَالَتْ عَائِشَةَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَعَلِمْتُ كَرَاهِيَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِذَلِكَ فَسَكَتُّ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّأمُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: «عَلَيْكَ» ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَعَلِمْتُ كَرَاهِيَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ الثَّالِثُ، فَقَالَ: السَّأمُ عَلَيْكَ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: وَعَلَيْكَ السَّأمُ وَغَضَبُ اللَّهِ وَلَعْنَتُهُ إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَتُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا لَمْ يُحَيِّهِ اللَّهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ قَالُوا قَوْلًا فَرَدَدْنَا عَلَيْهِمْ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ حُسَّدٌ، وَهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى السَّلَامِ، وَعَلَى آمِينَ» [هذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (۱/۲۸۸) حديث (٥٧٤)، وأصل الحديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب "الأدب" باب "الرفق في الأمر كله" حديث (٦٠٢٤)، وفي باب "لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا" حديث (٦٠٣٠)، وفي كتاب "الدعوات" باب "قول النبي: يستجاب لنا في اليهود ولا يستجاب لهم فينا" حديث (٦٤٠١)، ومسلم في كتاب "السلام" باب "النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم" حديث (٢١٦٥)].
أما من ظُلم فإن الجهر بالسوء منه نوع من أنواع القصاص الذي به الحياة، فهو ليس سيئا بالحقيقة، إنما سمي بذلك لصورته فقط ﴿وَجَزَٰۤؤُا۟ سَیِّئَةࣲ سَیِّئَةࣱ مِّثۡلُهَاۖ﴾ [الشورى: ٤٠]، والعقاب الرادع عن الجريمة ليس سيئة إلا في الصورة دون الحقيقة.
وجماع ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِیتَاۤئِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
إن البعد عن الصفات التي لا يحبها الله يحول الإنسان إلى عبدٍ رباني يصلح به السلوك الفردي والاجتماعي، ويختتم النص بأن جماع الأخلاق الإنسانية يكمن في امتثال أمر الله بالعدل والإحسان والانتهاء عما نهى عنه من فحشاء ومنكر وبغي.
تخريب الممتلكات العامة هي ظاهرة مؤسفة ومرض اجتماعي خطير.
قضية الجوار ليست قضية هامشية، بل هي مرآة إيماننا، ومقياس تحضُّرنا.
الانحراف الفكري ظاهرة مروعة قوضت سلام العالم، ومزقت الوحدة الداخلية للأمة.