Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثقافة الفلوونسر وصراع القيم.. قراءة في مخاطر التأثير الرقمي على الأبناء

الكاتب

هيئة التحرير

ثقافة الفلوونسر وصراع القيم.. قراءة في مخاطر التأثير الرقمي على الأبناء

لماذا أصبح بعض الأطفال يحلمون بالشهرة السريعة أكثر من صناعة الإنجاز؟ وكيف يمكن لثقافة المؤثرين أن تعيد تشكيل القيم والهوية لدى الأبناء دون أن ننتبه؟

ليست المشكلة في وجود المؤثرين، بل في غياب الوعي الذي يميز بين القدوة الحقيقية والاستعراض العابر؛ فحماية الأبناء تبدأ بتربية تبني العقل، لا مجرد مراقبة الشاشة.

صعود ظاهرة الفلوونسر

"الفلوونسر" (Fluencer) هو مصطلح يطلق على المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يروجون لأنماط حياة معينة، غالبًا ما تكون مبنية على الإبهار المادي، والاستهلاك الظاهر، والاستعراض بالجسد والمال والسفر، هؤلاء المؤثرون أصبحوا قدوات أسرع من أي وقت مضى لملايين الأطفال والمراهقين، متجاوزين في تأثيرهم تأثير الأسرة والمدرسة، هذه الظاهرة تهدد بتشكيل هوية الأبناء وفق قيم سطحية ومادية [طرابيشي، هدى، "المؤثرون الرقميون وتشكيل الوعي الجمعي العربي"، مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠٢٣، ص ٤٥-٤٧].

صعود ثقافة الفلوونسر وتأثيرها على الأبناء

لم يعد الطفل اليوم يريد أن يصبح "طبيبًا" أو "مهندسًا" فقط، بل إن حلم الكثيرين منهم أصبح أن يكون "مؤثرًا" أو "يوتيوبر" مشهورًا، والأسباب ليست معقدة؛ فالمحتوى الذي يقدمه هؤلاء المؤثرون يغرق في التبسيط، ويبتعد عن تعقيدات الواقع، ويقدم صورة مثالية خادعة للحياة، فالمؤثر يظهر دائمًا في أفضل صوره، وأجمل ملابسه، وأفخم سياراته، في حين يبدأ الطفل الذي يقضي ساعات في متابعة هذا المحتوى في بناء تصور بأن هذه هي "الحياة الطبيعية" أو "الحياة التي يستحقها".

هذا التأثير ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تخطيط مدروس؛ إذ تنفق شركات التسويق المليارات على "التسويق عبر المؤثرين" لأنها تدرك أن الطفل لا يثق في الإعلان التقليدي، بقدر ما يثق في "صديقه" المفضل على يوتيوب [عبد اللطيف، سامر، "تسويق المؤثرين: استراتيجيات التأثير في العصر الرقمي"، دار الفكر المعاصر، ٢٠٢٢، ص ١١٢].

القيم المغلوطة التي يروج لها المؤثرون

برغم تنوع محتوى المؤثرين، إلا أن العديد منهم يروجون ضمنيًا أو صراحة لقيم تتعارض مع التربية السليمة:

  • قيمة "الاستهلاك كمصدر للسعادة": تُصوَّر السعادة على أنها في اقتناء المنتج الجديد (هاتف، حذاء، سيارة). الطفل يتعلم أن "ما يملكه" هو ما يحدد "قيمته".
  • قيمة "الاستعراض والتباهي": يتم تشجيع الطفل على أن حياته تستحق المتابعة فقط إذا كان يصورها ويظهرها للآخرين. الخصوصية تصبح شيئًا قديمًا، والتباهي هو الجديد.
  • تسطيح الإنجاز: يتم اختزال الإنجاز في عدد "اللايكات" والمتابعين، الجهد، والصبر، والفشل، والتعلم من التجارب (وهي قيم حقيقية) لا تظهر في هذا المحتوى.
  • الجمال المصطنع: يتم الترويج لصورة جسدية غير واقعية، تعتمد على الفلاتر والتعديلات الرقمية، مما يسهم في ظهور مشكلات تتعلق بصورة الجسد وتقدير الذات لدى المراهقين [اللحام، رانيا، "الأطفال والشاشات: الإدمان الرقمي واضطرابات الصورة الذهنية"، منشورات جامعة القديس يوسف، ٢٠٢١، ص ٨٨-٩٠].

التأثير النفسي والسلوكي على الأبناء

تربط الأبحاث النفسية بين متابعة هذا النوع من المحتوى وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين المراهقين، فالطفل يقارن حياته الواقعية العادية (بما فيها من إخفاقات ولحظات ملل) بـ "النسخة المثالية" لحياة المؤثر. وهذه المقارنة غير العادلة تولد شعورًا دائمًا بالنقص، والرغبة في تقليد أنماط حياة غير قابلة للتحقق، مما قد يدفع الطفل للتصرف بطرق خطيرة؛ (كالاستدانة لشراء منتجات، أو تقليد تحديات خطيرة على الإنترنت) [يونيسف، "تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للمراهقين"، تقرير إقليمي، ٢٠٢٣، ص ٣٣].

استراتيجيات الحماية والتحصين الأسري

لحماية الأبناء من هذا التيار، يحتاج الآباء إلى استراتيجية متعددة المحاور:

  • التربية الإعلامية النقدية (Media Literacy): هي السلاح الأهم هو الوعي: علّم طفلك أن يسأل: "لماذا يروج هذا المؤثر لهذا المنتج؟ ومن يدفع له؟ وما الذي لا يظهره من حياته؟"، ودربه على أن يدرك أن "ما يراه" على الشاشة ليس سوى جزء من ألف جزء من الحقيقة، غالبًا ما يكون مزيفًا أو مُعدَّلًا، أو منتقى بعناية.
  • بناء قدوات حقيقية قريبة: شجع طفلك على التعرف على نماذج حقيقية في حياته (أب، أم، معلم، جار ناجح)؛ شخصيات لها إنجازات حقيقية واقعية، مرت بصعوبات وتغلبت عليها، لا مجرد "شخصيات ورقية" تظهر في فيديوهات قصيرة.
  • تحديد وقت التعرض للمحتوى، مع تنويع المصادر: لا تمنع طفلك من متابعة المؤثرين؛ (لأن المنع قد يولد رغبة أكبر)؛ لكن نظم ذلك بتحديد وقت مناسب، واحرص على تخصيص وقت كافٍ للأنشطة الواقعية: كالرياضة، والقراءة، ولقاء الأصدقاء في الواقع.
  • التحليل معًا (Co-viewing): أحيانًا، شاهد مع طفلك محتوى مؤثرًا معينًا، ثم علق عليه بطريقة غير مباشرة، مثل أن تقول: "هذا الفيديو يظهر جانبًا واحدًا فقط من الحياة، أليس كذلك؟"؛ فمثل هذا الأسلوب أبلغ أثرًا من خطبة مباشرة عن التأثير السلبي [طرابيشي، مرجع سابق، ص ١١٢-١١٥].

دور التربية الإعلامية في بناء الوعي النقدي

تتحمل المدرسة جزءًا كبيرًا من المسؤولية؛ لذا ينبغي إدماج "التربية الإعلامية" كمادة أساسية في المناهج، ومن أيرز أهدافها: تمييز الإعلان عن المحتوى الترفيهي، وفهم آليات التسويق عبر المؤثرين، وتحليل الصور والفيديوهات لاكتشاف التلاعب الرقمي، وبناء تقدير الذات على أسس غير مادية (مثل: المهارات، والقيم الشخصية، لا المظهر أو الممتلكات)، وقد أظهرت المدارس التي طبقت "برامج المواطنة الرقمية" انخفاضًا في معدلات التنمر الإلكتروني والسلوك الاستهلاكي المقلد [اليونسكو، "التربية الإعلامية والمعلوماتية: منهجيات وتطبيقات"، ٢٠٢١، ص ٦٧].

الدروس المستفادة

  • لا يمكن حماية الأبناء من ثقافة المؤثرين بالحرمان، بل بالتمكين النقدي.
  • التربية الإعلامية ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية الهوية والقيم.
  • بناء الثقة بالنفس والوعي الداخلي هو الدرع الحقيقي في مواجهة الاستعراض الخارجي.
  • الحوار الهادف والمستمر خيرٌ من ألف كلمة توجيهية جافة.

سؤال وجواب

س: كيف أشرح لطفلي أن المؤثر الذي يتابعه ليس نموذجًا يُحتذى به، دون أن أبدو متسلطًا أو جاحدًا؟

ج: لا تهاجم المؤثر بشكل مباشر، فبدلًا من قول: "هذا الشخص كذاب"، قل: "هو يقدم محتوى ترفيهيًا، لكن الحياة الحقيقية مليئة بالتحديات التي لا يُظهرها، هل تعتقد أن كل لحظات حياته بهذا البريق؟".

س: كان طفلي يريد شراء منتج معين؛ لأن مؤثرًا مشهورًا أعلن عنه، فكيف أتصرف؟

ج: لا ترفض الطلب رفضًا قاطعًا، بل حوّله إلى "درس تحليلي"، اسأله: " لماذا اختار هذا المؤثر تحديدًا هذا المنتج دون غيره؟  ثم اشرح له مفهوم "التسويق عبر المؤثرين"، فذلك يساعد على بناء وعيه تجاه الاعلانات المستقبلية.

س: ما أولى علامات تأثر طفلي بثقافة الاستهلاك والاستعراض بشكل سلبي؟

ج: من أبرز العلامات: التركيز المتزايد على المظهر والماركات، وتكرار الشعور بالحزن أو الغضب؛ لأنه "لا يملك" مثل ما يملكه أقرانه، أو ما يراه لدى المؤثرين، إضافة إلى الرغبة الملحة في تصوير كل شيء ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي.

الخلاصة

في عالم يزداد فيه تشابك الواقعي بالرقمي، أصبح "التفكير النقدي" السلاح الأهم لحماية أبنائنا من ثقافة الاستهلاك والاستعراض التي يروج لها الفلوونسرز (المؤثرون)، وهي ليست معركة ضد التكنولوجيا، بل معركة من أجل الوعي، فأسرة واعية، ومدرسة تعلم التفكير لا الحفظ، ومجتمع يقدر الجوهر قبل المظهر، هي الضمان الحقيقي لتنشئة جيل لا يستهلكه المؤثرون، بل يصنع هو تأثيره الخاص في العالم، مستندًا إلى قيم أصيلة وإنجازات حقيقية.

موضوعات ذات صلة

تسري القيم في كل آيات القرآن الكريم

شاهد خطر إدمان السوشيال ميديا

لم يعد الإبداع رفاهية، بل أصبح ضرورة للنجاح والتقدم.

التفكير الإبداعي شكّل ركيزة في بناء الحضارة الإسلامية

موضوعات مختارة