Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

غزوة المريسيع دروس الإتحاد وترسيخ القيم

الكاتب

هيئة التحرير

غزوة المريسيع دروس الإتحاد وترسيخ القيم

الغزوات النبوية محطات فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث لم تكن مجرد معارك عسكرية، بل كانت مدارس تربوية وسياسية وتشريعية، تجلت فيها حكمة القيادة، ونزلت فيها تشريعات السماء لتنظيم المجتمع وصيانة الأعراض وكشف الدسائس، وتعد هذه الغزوة نموذجاً حياً لهذه المعاني مجتمعة.

توقيت غزو المريسيع وسببها

كانت هذه الغزوة من النتائج المباشرة لغزوة الأحزاب؛ لأن رجوع الأحزاب خاسرين كان فيه تحفيز للمسلمين على أن يتجهوا لهؤلاء الأعداء، ويتوغلوا إلى هذه الأعماق البعيدة في الطريق إلى مكة، حتى يصلوا إلى بني المصطلق على مقربة من قريش، وكانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن إسحاق،‏ وكَانَتْ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ الَّتِي كَانَ فِيهَا قِصَّةُ الْإِفْكِ وَنُزُولُ بَرَاءَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ، هُمْ بَنُو جُذَيْمَةَ بْنِ كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فَجُذَيْمَةُ هُوَ الْمُصْطَلِقُ وَهُوَ مُفْتَعِلٌ مِنْ الصّلْقِ وَهُوَ رَفْعُ الصّوْتِ، وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث بُرَيْدَة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر، فأتاهم، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر‏.‏ وقد كان من خبرها أن رسول الله بلغه أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق يجمع الجموع للحربة، فخرج له في جيش كبير بلغ عدده ألف مقاتل بين راكب وراجل، وقد أراد الرسول أن يهاجمهم قبل أن يهاجموه حتى يلقي الرعب في قلوبهم [الروض الأنف للسهيلي: ٧/١٨ – ط دار إحياء التراث العربي].

المسير لغزوة بني المصطلق ووقائع النصر

وبعد أن تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر ندب الصحابة، وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل‏:‏ أبا ذر، وقيل‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي. وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينًا؛ ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي، فألقي المسلمون عليه القبض وقتلوه‏.‏ ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عينه، خافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب.

وانتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المُرَيْسِيع ـ بالضم فالفتح مصغرًا، اسم لماء من مياههم في ناحية قُدَيْد إلى الساحل ـ خَرَجَ إلَيْهِمْ حَتّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْمُرَيْسِيعُ، مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ إلَى السّاحِلِ، فتهيأوا للقتال‏، وَصَفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر، ولواء الأنصار لسعد بن عبادة. فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون، فَهَزَمَ اللهُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، ولما وصل المسلمون إلى بني المصطلق وأصبحوا أمامهم وجها لوجه، عرض الرسول الإسلام، فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فلم يتركوا الرجل من النساء عدوهم مجالا للهرب، بل قتلوا منهم عشرة وأسروا باقيهم مع النساء والذرية واستاقوا الإبل والشياه، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة آلاف. ونَفَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فأفاءهم عَلَيْهِ، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، قتله رجل من الأنصار ظناً منه أنه من العدو‏.‏

السيدة جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها وبركة زواجها على قومها

وكان من جملة السبي‏:‏ جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت ابن قيس، فكاتبها، فـأدي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجهـا. وكان من الأسرى بريرة بنت الحارث سيد بني المصطلق، وكان معها من نساء بني المصطلق مائتا أسيرة، وزعت على المسلمين، وقد تزوج الرسول ﷺ من بريرة وسماها جويرية؛ فلما علم المسلمون بزواج الرسول ﷺ من بني المصطلق أرادوا أن يكرموا جميع نساء القبيلة من أجل هذه المصاهرة الكريمة فقالوا: هؤلاء أصهار رسول الله ﷺ ولا ينبغي أسرهم في أيدينا، ومنوا عليهم بالعتق، فأعـتق المسلـمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا، وقـالـوا‏:‏ أصهـار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها. وترتب على هذا التكريم العظيم وهذه المعاملة الحسنة، أن أسلم بنو المصطلق عن آخرهم وأصبحوا قوة تنشر الإسلام وتدافع عنه وتحميه، بعد أن كانوا قوة تناوئ الإسلام وتحاربه وتعاديه [القول المبين في سيرة سيد المرسلين، للدكتور محمد الطيب النجار: ٢٩٣ - فهرست الهيئة المصرية العامة لدار الكتب].

آفة النفاق وإشعال الفتنة

وكان يمكن أن تنتهي هذه الغزوة بهذه النتيجة الطيبة المباركة، إلا أن حادثين خطيرين عكرا هذا الصفاء، وأشعلا فتنة عمياء كادت تعصف بالمسلمين وتهددهم بالدمار والانهيار، لولا لطف الله وحكمة رسول الله ﷺ. فأما أولهما فهو ما وقع من عبد الله بن أبي زعيم المنافقين، وكان مع المسلمين يتظاهر بالإخلاص والإيمان هو ومن على شاكلته من المنافقين، ويحلفون أغلظ الأيمان يتخذون منها ستارا يخفون وراءه حقيقتهم، فإذا عصفت الأخطار انكشف هذا الستار وظهر مكرهم وغدرهم. وقد حدث أن أجيرًا لعمر بن الخطاب اختصم مع رجل من حلفاء الخزرج فضربه حتى سال دمه، فاستصرخ الخزرجي بقومه، واستصرخ الأجير بالمهاجرين. يقول الخزرجي يا معشر الأنصار. ويقول أجير عمر : يا معشر المهاجرين، فأقبل الذعر بين الفريقين وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» ثم قال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» [البخاري: ٤٩٠٥، ومسلم: ٢٥٨٤]، ثم أنهى هذا الخصام بحكمته، فرجع المتخاصمان أخوين متحابين [القول المبين في سيرة سيد المرسلين، للدكتور محمد الطيب النجار: ٢٩٣ - فهرست الهيئة المصرية العامة لدار الكتب].

فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ وَرَدَتْ وَارِدَةُ النّاسِ وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُودُ فَرَسَهُ فَازْدَحَمَ جَهْجَاهٌ وَسِنَانُ بْنُ وَبَرٍ الْجُهَنِيّ حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَصَرَخَ جَهْجَاهٌ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَغَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ غُلَامٌ حَدَثٌ فَقَالَ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، قَدْ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاَللهِ مَا أَعُدّنَا وَجَلَابِيبَ قُرَيْشٍ إلّا كَمَا قَالَ الْأَوّلُ سَمّنْ كَلْبَك يَأْكُلْك، أَمَا وَاَللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ.

ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوّلُوا إلَى غَيْرِ دَارِكُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَمَشَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَدُوّهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَقَالَ مُرْ بِهِ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ«فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذَا تَحَدّثَ النّاسُ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ لَا وَلَكِنْ أَذّنْ بِالرّحِيلِ» وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْتَحِلُ فِيهَا، فارتحل النَّاس. [الروض الأنف: ٧/١٩ - ٢٠].

ولم يكن الوقت مناسبا، إذ كان الحر شديدًا ويصعب الرّحيل فيه، وقد جاء أسيد بن حضير وسأل رسول الله عن سبب الارتحال في هذا الوقت؟ فقال: أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» [نور اليقين في سيرة سيد المرسلين: ص١٣٩، والقول المبين في سيرة سيد المرسلين، للدكتور محمد الطيب النجار: ٢٩٣ - فهرست الهيئة المصرية العامة لدار الكتب].

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا اسْتَقَلّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَارَ لَقِيَهُ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ فَحَيّاهُ بِتَحِيّةِ النّبُوّةِ وَسَلّمَ عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ يَا نَبِيّ اللهِ وَاَللهِ لَقَدْ رُحْت فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْت تَرُوحُ فِي مِثْلِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ«أَوَمَا بَلَغَك مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ؟» قَالَ وَأَيّ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ» قَالَ وَمَا قَالَ؟ قَالَ: «زَعَمَ أَنّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ» قَالَ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ وَاَللهِ تُخْرِجُهُ مِنْهَا إنْ شِئْت، هُوَ وَاَللهِ الذّلِيلُ وَأَنْت الْعَزِيزُ، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اُرْفُقْ بِهِ فَوَاَللهِ لَقَدْ جَاءَنَا اللهُ بِك، وَإِنّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الْحَرَزَ لِيُتَوّجُوهُ فَإِنّهُ لَيَرَى أَنّك قَدْ استلبته ملكا [الروض الأنف: ٧/٢١].

انقضاء الفتنة ونزول الوحي

وواصلت هذه الأنباء إلى ابن أُبي، فأسرع إلى الرسول ينفي ما نسب عنه ويحلف بالله ما قاله ولا تكلم به، ولكن رسول الله أمضى قراره بالرحيل، وسار في طريق عودته ومعه المسلمون حتى أجهدهم المسير، وأنساهم التعب حديث ابن أُبي، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ومعهم ما حملوا من غنائم بني المصطلق وأسراهم وسبيهم ومعهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد القوم وزعيمهم، وفي هذه الأثناء نزلت سورة المنافقون تفضح أكاذيب ابن أُبي، ومَن على شاكلته وتظهر نواياهم الخبيثة للرسول ﷺ وأنهم يتظاهرون بالإسلام، وهم في واقع الأمر أبعد الناس عنه، وهم يحلفون الأيمان. وَقَدْ مَشَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَلَغَهُ أَنّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَدْ بَلَغَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ فَحَلَفَ بِاَللهِ مَا قُلْت مَا قَالَ وَلَا تَكَلّمْت بِهِ - وَكَانَ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا - فَقَالَ مَنْ حَضَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللهِ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ قَدْ أَوْهَمَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ الرّجُلُ حَدَبًا عَلَى ابْنِ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ ودفعا عَنهُ. [الروض الأنف: ٧/٢٠].

عاقبة الحلم

وكان للناس عجبا أن يتفجر الهدى والإيمان من صخرة النفاق والطغيان، وأن يخرج من صلب عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ولد يسموا بإيمانه إلى مستوى الأبرار والصديقين. ومن آيات هذا الإيمان الكامل موقفه حينما علم أن هناك تفكيرًا في قتل أبيه بما ظهر من نفاقه وسوء أخلاقه. فلقد ذهب - وكان اسمه عبد الله بن عبد الله بن أبي - إلى رسول الله وقال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل عبد الله ابن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من أحد أبر بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنا بكافر فأدخل النار.

ويا له من موقف رائع تتمثل في قوة العقيدة وسمو التفكير، وكيف يتغلبان على العاطفة والوجدان، ويا لها من محنة عصيبة وامتحان رهيب قدرهما الله على هذا الابن البار، فاجتاز المحنة ونجح في الاختبار.

وكانت إجابة الرسول بعد ذلك هي المثل الأعلى في العفو والصفح الجميل، وهي النبراس الذي يضيء طرق الخير ويهدي إلى سواء السبيل، وهي خير مكافأة لكل مؤمن يرتفع بإخلاصه إلى هذا المستوى الكريم.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ : أَنّ عَبْدَ اللّهِ أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ بَلَغَنِي أَنّك تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُبَيّ فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ فَإِنْ كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ فَأَنَا أَحْمِلُ إلَيْك رَأْسَهُ فَوَاَللّهِ لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرّ بِوَالِدِهِ مِنّي ، وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلُهُ فَلَا تَدْعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ يَمْشِي فِي النّاسِ فَأَقْتُلُهُ فَأَقْتُلُ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرِ فَأَدْخُلُ النّارَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:  «بَلْ نَتَرَفّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا» [الروض الأنف للسهيلي: ٧/٢٣].

وعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن أُبي ابن سلول أتى رسول الله صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ- فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ- فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلا فَمُرْنِي به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لَقَدْ عَلِمَتِ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ بِهَا رَجُلٌ أَبَرُّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلا تَدَعْنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«بَلْ نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتُهُ مَا بَقِيَ معنا»، وجعل بعد ذلك إِذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ، كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الَّذِينَ يُعَاتِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ، وَيُعَنِّفُونَهُ وَيَتَوَعَّدُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ: «كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ، لأُرْعِدَتْ لَهُ آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُهُ» قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ وَاللَّهِ علمت، لأمر رسول الله أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي [تاريخ الطبري: ٢/٦٠٨].

وهكذا أحسن الرسول إلى من أساء إليه، وترفق بهذا الذي ألب أهل المدينة عليه وعلى أصحابه وعفا عنه، فكان رفقه وعفوه أبعد أثر من عقوبته لو أنه أنزلها به، فقد كان عبد الله بن أُبي بعد ذلك يدين بالجميل لسيدنا رسول الله وكان إذا جد الجد لا يستطيع أن يرفع رأسه أمرًا أو ناهيا متحكما في أحد من المسلمين، لأنهم جميعا كانوا يشعرون بأن حياته هبة من سيدنا رسول الله وكان قومه كثيرًا ما يشعرونه بهذه المكرمة التي تفضل بها النبي عليه.


مراجع الاستزادة:

  • السيرة النبوية لابن هشام - تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي.
  • تاريخ الطبري - الناشر: دار التراث – بيروت.
  • الروض الأنف للسهيلي - بتحقيق: عمر عبد السلام السلامي - ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • نور اليقين في سيرة سيد المرسلين لمحمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ الخضري - الناشر: دار الفيحاء – دمشق.
  • القول المبين في سيرة سيد المرسلين، للدكتور محمد الطيب النجار: ٢٩٣ - فهرست الهيئة المصرية العامة لدار الكتب.

الخلاصة

انطلقت غزوة المريسيع كضربة استباقية مظفرة ضد بني المصطلق، تكللت بنصر وزواج نبوي مبارك بأم المؤمنين جويرية رضي الله عنها، وأثمر بإسلام قومها وعتق رقابهم، وشهدت الغزوة محاولة المنافقين إشعال الفتنة بين المهاجرين والأنصار، إلا أن حكمة النبي وأدت الخلاف وعفت عن رأس النفاق عبد الله بن أبيّ رغم عداوته، لتنتهي الأحداث بتثبيت الصف الداخلي وفضح المنافقين بالوحي، وتجلي عظمة العفو الجناب النبوي المعظم الذي حوَّل المحن إلى منح، والمخاطر إلى مكاسب للإسلام.

موضوعات ذات صلة

دراسة عن الآية الكريمة بوصفها نصًا مركزيًا يجمع بين بعدين: البعد التكريمي الشخصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم

شعبان المبارك شهر الأسرار والأنوار، حيث تُرفع فيه الأعمال إلى رب العزة وتتسع فيه دائرة المغفرة

تُعد حادثة تحويل القبلة في السنة الثانية للهجرة انعطافة تاريخية كبرى جسدت استقلال الشخصية الإسلامية وتمايزها العقدي