من أهم القيم التي
تتجلى لنا من الحدَثَيْنِ العظيمين ما يلي:
أ- قيمة حب الوطن
والدفاع عنه:
محبة الوطن قيمة
متأصلة في الفطرة الإنسانية، وتظهر جلية في المواقف العصيبة التي تمر بها الأوطان
والشعوب، ورغم اختلاف الزمان والمكان والظروف بين الهجرة النبوية وثورة الثلاثين
من يونيو إلا أنهما يحملان دروسًا عميقةً في حب الوطن والتضحية من أجله.
فلم تكن الهجرة تخليًا عن الوطن وتركه، بل كانت
تعبيرًا صادقًا عن هذا الحب الممزوج بالتضحية من أجل العقيدة، وظهر ذلك واضحًا عند
خروج الرسول –صلى الله عليه وسلم– من وطنه وتركه لبلده، فقال مخاطبًا إياها: «والله
إنك لأحب البلاد إلى الله، وأحب البلاد إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» [أخبار
مكة وما جاء فيها من الأثار للأزرق الغساني] هذا القول يعبر عن عاطفة جيّاشة تجاه
الوطن، ويبين أن الهجرة كانت اضطرارية وليست اختيارية.
وفي المدينة المنورة قامت الدولة الإسلامية على
أسس قوية ودعائم متينة، هي بناء المسجد، وتحقيق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكتابة
الوثيقة والتي كانت بهدف الدفاع المشترك عن الوطن وحماية أبنائه من كل اعتداء خارجيّ
أو تهديد داخلّيّ.
وتعتبر ثورة الثلاثين تجسيدًا لحب الوطن والدفاع
عنه، وحماية مقدراته ومنجزاته، واستعادة مكانته وريادته، إذ نزل المصريون إلى
الميادين دفاعًا عن هوية بلادهم ومستقبلها بعد فترة شهدت فيها البلاد تحديات كبيرة
وتهديدًا لكيان الدولة المصرية.
لقد رأى المصريون
أن بلادهم تتعرض لخطر حقيقي يهدد نسيجها الاجتماعي ومؤسساتها، فتزلوا إلى الميادين
–تحميهم قواتهم المسلحة الباسلة– منددين بالوضع الراهن ومطالبين بالتغيير.
وهذا الحراك الشعبي يؤكد أن حب الوطن ليس مجرد
شعار؛ بل هو فطرة إنسانية جمعت بين الشعب المصري وجيشه القوي وشرطته الأبية لحماية
البلاد من الانهيار والفوضى، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء والتنمية في مختلف
القطاعات سعيًا نحو تحقيق الاستقرار والرخاء والسلام والأمن.
ب- قيمة الوَحدَة
والاصطفاف:
الاتحاد قوة
والفرقة ضعف، ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالاجتماع وعدم الاختلاف حتى لا تذهب
ريحهم، ومن هذه النصوص قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: ٩٢]، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: ٤٦]، {إِنَّ
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ} [الأنعام: ١٥٩]،
وعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ
شُرَيْحٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلى الله عَلَيه وسَلم- يَقُولُ:
«سَيَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ،
أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلى الله عَلَيه وسَلم- وَأَمْرُهُمْ
جَمِيعٌ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ،
وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْتَكِضُ» [رواه ابن حبان].
وتظهر هذه القيمة
وتتجسد فعليًا في الهجرة النبوية المشرفة عن طريق المؤاخاة التي عقدها الرسول –صلى
الله عليه وسلم– بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار، فلقد صهرت هذه الأخوة المسلمين في بوتقة واحدة،
وربطتهم بحبل الله المتين، وخلصت نفوسهم من شهوات النفس، وأزاحت من حياتهم وساوس الهوى
والشيطان، وشعر كل مسلم بأخوته للآخرين بلا فرق بين حر ومولى، أو غني وفقير، أو كبير
وصغير، أو مهاجري وأنصاري، وصار الجميع جنودًا لله تعالى، يضحون بكل ما يملكون في صدق
وإخلاص.
لقد أقاموا بجهدهم وجهادهم
دولة الإسلام الأولى، في سموها ورفعتها، وربانيتها، وأصبحوا مثالًا يفتخر المسلمون
بهم في كل مكان، وصدق قول الله فيهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ
شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ
بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ
مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:٢٩].
وقد شهدت ثورة
الثلاثين من يونيو وحدة وطنية واسعة بين أطياف الشعب المصري المختلفة التي اجتمعت
على قلب رجل واحد، لتحقيق المصلحة العامة للوطن، بغض النظر عن الانتماءات السياسية
أو الفكرية أو الدينية، ولولا أن منّ الله تعالى على مصر الحبيبة بهذه الوحدة وذلك
الاصطفاف الشعبي لما كانت لمصر دولة لها وزن أو ثقل.
ج- قيمة الدولة:
إن الشريعة مبناها وأساسها
على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها، فكل
مسألة خرجت عن العدل إلى الظلم، وعن الرحمة إلى القسوة، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن
الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه،
وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهداه الذي اهتدى به الأولون،
وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، فالشريعة قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح،
فكل خير في الوجود فإنما مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه إضاعتها
[إعلام الموقعين عن رب العالمين].
ولا يمكن أن تتحقق
مقاصد الاسلام دون وجود دولة تقوم على أساس المواطنة المتساوية والعيش المشترك، فالمواطنون
في الدولة سواء في الحقوق والواجبات لا تفرقة بينهم لأي سبب من الأسباب.
وهذا ما قام به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
منذ دخل المدينة، فقام بتأسيس دولة لها نظامها وكيانها وشخصيتها التي تحفظ لكل
رعاياها حقهم طالما أدوا ما عليهم من واجب، وبذلك تكون الهجرة النبوية قد أُسست
لأول دولة إسلامية تقوم على مبادئ العدل والمساواة، والتعايش السلمي المشترك
والتكامل الاجتماعي، وتنظم العلاقات بين مكونات
المجتمع المختلفة.
وقد هدفت ثورة
الثلاثين من يونيو إلى الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها وإعادة بناء الدولة
الحديثة على أسس قوية من الوحدة والعدالة والاستقرار، وتحقيق السلام العادل
والشامل في الداخل والخارج، فلا فرق بين فصيل وآخر إلا باحترامه للدستور والقانون،
وأداء ما عليه من واجب تجاه وطنه.
د- قيمة احترام
الدستور والقانون:
يشكل احترام
الدستور والقانون مبدأً أساسيًا في بناء الدول والمجتمعات المستقرة ويظهر ذلك جليًا
في الهجرة النبوية وثورة الثلاثين من يونيو.
فلم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال مكاني، بل
كانت تأسيسًا لدولة جديدة ذات نظام سياسي واجتماعي واقتصادي، ووضع أسس لدستور يحكم
العلاقات بين مكونات المجتمع الجديد في المدينة المنورة، فخرجت إلى النور صحيفة
المدينة (وثيقة المدينة)، وهي أول دستور مكتوب في الإسلام وضعه رسول الله –صلى
الله عليه وسلم– يتضمن المبادئ التي قامت عليها أول دولة في الإسلام، وفيها من الإنسانية
والعدالة الاجتماعية والتسامح الديني والتعاون على مصلحة المجتمع ما يجدر بكل طالب
أن يرجع إليه ويتفهمه ويحفظ مبادئه، ومن المبادئ العامة التي تضمنتها هذه الوثيقة التاريخية
الخالدة:
١ - وَحدَة الأمة المسلمة
من غير تفرقةٍ بينها.
٢ - تساوي أبناء الأمة
في الحقوق والكرامة.
٣ - تكاتف الأمة دون
الظلم والإثم والعدوان.
٤ - اشتراك الأمة في
تقرير العلاقات مع أعدائها، وَفقَ التعايش السلمي.
٥ - تأسيس المجتمع على
أحدث النظم وأهداها وأقومها.
٦ - مكافحة الخارجين
على الدولة ونظامها العام، ووجوب الامتناع عن نصرتهم.
٧ - حماية من أراد العيش
مع المسلمين مسالمًا متعاونًا، والامتناع عن ظلمهم والبغي عليهم.
٨- لغير المسلمين دينهم
وأموالهم، لا يجبرون على دين المسلمين ولا تؤخذ منهم أموالهم.
٩ - على غير المسلمين
أن يسهموا في نفقات الدولة كما يسهم المسلمون.
١٠ - على غير المسلمين
أن يتعاونوا معهم لدَرْء الخطر عن كيان الدولة ضد أي عدوان.
١١ - وعليهم أن يشتركوا
في نفقات القتال ما دامت الدولة في حالة حرب.
١٢ - حرية الانتقال
داخل الدولة وخارجها مصونة بحماية الدولة.
وهذه المبادئ تحميها
قوتان: قوة معنوية، وهي إيمان الشعب بالله ومراقبته له، ورعاية الله لمن عاهد ووفّى،
وقوة مادية، وهي رئاسة الدولة التي يمثلها الرسول -صلى الله عليه وسلم.
ويعد احترام
القوانين المستمدة من الوحي الإلهي جزء من الإيمان بالله ورسوله –صلى الله عليه
وسلم– تلك القوانين التي تنظم جوانب الحياة المختلفة من العبادات والمعاملات إلى
الأحكام القضائية والعقوبات، وتتطلب وجود حاكم ودولة لتنفيذها وتطبيقها، فضلاً عن
حمايتها والدفاع عنها.
وكان من أبرز أهداف ثورة يونيو استعادة
الاستقرار، واحترام سيادة القانون والدستور بعد فترة من الاضطرابات والاعتداء
الصارخ على سيادة الدستور والقانون والتلاعب في البنود الرئيسة للدستور الذي
ارتضاه المصريون لأنفسهم حاكمًا وضابطًا.
وجاء الدستور الجديد لعام ٢٠١٤م ليؤكد على مبادئ
حقوق الإنسان والحريات الأساسية ويمنحها أعلى مستوى من الحماية كوثيقة دستورية
تعلو على أي تشريعات بشرية أخرى، كما أصبحت سيادة القانون ركيزة أساسية لتحقيق
دولة العدل والاستقرار وضمان حقوق المواطنين على قدم المساواة، وتوفير تكافؤ الفرص،
ومكافحة الإرهاب مع الحفاظ على حقوق الانسان.