Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

زرادشت: أصل التسمية والهوية الحضارية

الكاتب

هيئة التحرير

زرادشت: أصل التسمية والهوية الحضارية

تحوَّل اسم زرادشت من "زاراثُشترا" إلى "زراسترو" عبر المراحل اللغوية المختلفة، مؤكدًا استقرار نطق الاسم في التدوينات الإسلامية على القراءة البهلوية بالتاء المفتوحة.

اسم زرادشت في المصادر البهلوية والإسلامية

في محراب تاريخ الرسالات والأمم، يقف اسم زرادشت محطةً دالةً على الهوية الفارسية القديمة، وتجذّر الفكر الروحاني في بيئتها، إن التسمية في حد ذاتها، كاشفةٌ عن حِقبٍ لغوية وتاريخية مُتعاقبة، حيث ينطق اسم زرادشت [أجمعت المصادر التي أرَّخت للزرادشتية على أن والد زرادشت هو بورا شاسب (Pourushasp)، وأمه (Dughdo)، وبالفارسية الحديثة دغدوية؛ أما لقب الأسرة فهو إسبتيما (Spitema). ويُقرأ في المصادر الإسلامية أسقيمان بمعنى أبيض، من الأصل الفارسي القديم سبيت والحديث شبيذ، ولا يزال الاسم يُستعمل بنفس معناه القديم في الفارسية الحالية. في هذا انظر: (Zoroster - Jackson p.١٦)، و(الملل والنحل)، ج (١)، الشهرستاني، ص ٢٣٦، و(تجديد التاريخ)، عمر فروخ، ص ٤٨] في اللغة الفارسية القديمة بـ “زاراثُشترا”، ثم يعتريه التحوير في مراحله المتوسطة ليصبح “زاراتهسترا”. وقد استقر نطقُه في اللغة البهلوية، وهي الفارسية الوسيطة، مقترنًا بلمسةٍ صوتية هي الهمزة، التي تُعد سِمةً دالةً على نمط الأسماء البهلوية. ثم يَتَلَقَّفُه اليونان ليُصبح “زراسترو”، وبنظرنا المُدقّق [(ويَسألونك عن ذي القرنين)، أبو الكلام آزاد، ص ١٤٤.]، نجد أن الحروف الأخيرة فيه تُنطق منصوبةً تقريبًا، الأمر الذي يفسر كتابة الألف في اللاتينية الحديثة بشكلٍ يُوحي بالصوت المَنصوب. هذه التحولات لم تمنع المؤلفات الفارسية من عرض اسمه بقراءاتٍ وصور تهجئات متنوعة، إلا أن الجامع بينها ظل متفقًا مع القراءة البهلوية بالتاء المفتوحة، وهو ما تابعته المؤلفات الإسلامية [انظر: (مروج الذهب)، ج (٢)، المسعودي، ص ١٢٧] في تدوينها التاريخي، محافظةً على نطق الاسم بالتاء المفتوحة.

معاني زرادشت بين الدلالة المادية والسمو الروحي

إن محاولة القطع بمعنى الاسم الثابت، عبر موازنة دلالاته في الفارسية الحديثة والقديمة، لهو مَسعىً صعب، ولكنه يُفضي بنا إلى استنتاجات مُهمة، فالثابت أن الكلمة الأخيرة من الاسم، وهي أُشترا (Ustra) أو إسترا أو أوستر، تحمل معنى الجمل. وهذه الكلمة ما زالت تحتفظ بدلالتها في الفارسية المعاصرة، وإن تغير نطقها قليلًا. وتكمن الإشكالية اللغوية في الجزء الأول، Zarath، خاصةً مع وجود الثاء اللثوية. لولا هذه الثاء، لَانْجَرَّ الفكر إلى ربط المقطع بـ زرا التي تعني الذهب، ليُصار إلى ترجمة الاسم كاملًا بمعنى “صاحب الجمل الذهب” أو “مالك جَمل الذهب” [مقدمة الفنديداد، د. زادَاوُد الجلبي، ص ١٣.]

غير أن الاحتمال الأقوى يظل بعيدًا عن هذا المعنى المادي، فالكلمة زرا في هيئتها البهلوية ظلت تتقلّب بين مفاهيم متعددة، فلم تستقر على دلالةٍ واحدة، تراوحت بين “أصفر” وتارة “عجوز”. وحينئذٍ يُترجم المركب إلى “صاحب الجمل الأصفر” أو “الجمل العجوز”. وإذا ما قفز الذهن إلى معنى السريع [١٠٤ history of Persia.) Sykes p] لصار المعنى “صاحب الجمل السريع”.

الأكثر تعقيدًا أن الشق الأول من الاسم، Zarath، اكتسب معانيَ أخرى نتيجة الغموض الذي اكتنفه وتعدد قراءاته. فظهرت دلالات تربطه بالفعل المضارع “يُعذِّب” أو “يُعاكِس”، ومن هنا جاءت ترجمة “مُعذِّب الجمل” أو “مُعاكس الجمل” [Zoroaster Jackson p. ١٤]

 وفي سياق آخر، وردت الكلمة بمعنى “يَسوسُ، يُعالج، يُمسِك، ويَستعمل”. وبناءً عليه، توزّع معنى المركب بين عدة مفاهيم، وأصوبها “سائس الجمل أو الجمَّال” [The heritage of Persia-Richard p. ١٠٤].

هذا التنوع الدلالي للاسم يُشير إلى عمق الشخصية المرتبطة به، فهي شخصية جمعت بين التجذّر في البيئة البدوية الرعوية (الجمل) والاقتران بسمات الجلال أو الحكمة (الذهب، الأصفر، العجوز، السائس).

هذا الانتقال اللفظي والدلالي لم يتوقف عند الفرس، بل تجاوزهم إلى الشعوب المجاورة، حيث عُرف باسم “الجمل الأحمر”، و”الجمل الكبير”، ثم ارتقى إلى الدلالات الروحية كـ “النور الذهبي”، و”النجم الساطع”، و”مملكة الذهب”. أما لدى اليونانيين، فقد استقر على معنى “النجم الحي” [Zoroaster Jackson p. ١٤]، وهو أبعد التفسيرات عن دلالة الاسم الأصلية في لغته الأولى، ما يدل على سعي الحضارات الأخرى لصبغ الاسم بصبغة المُلهم والنبي العظيم.

الموطن الآري ومَكمن رسالة زرادشت

يكاد الباحثون يُجمعون على أن موطن زرادشت هو إيران الشمالية، وتحديدًا مقاطعة أذربيجان التي كانت مستقرًا لقبيلة ميديا (Madia) التي ينتسب إليها. وقد أطلقت النصوص المُقدسة، متمثلةً في كتاب الـ أفِستا [العالم بين يديك، جوزيف رعد، ص ٧٢٩.] اسم إيريانا فيجا (Airyana Vaeja) على مجموع المناطق التي استوطنتها القبائل المنحدرة من الأصول الآرية.

ويصف النص المقدس هذه المنطقة في خطابٍ إلهي لزرادشت: “لقد جعلت كل مكانٍ خلقتُهُ محطَّ إعجاب أبنائه وافتخارهم، حتى ولو خلا من كل البهجة والسرور... يا زرادشت، لو لم أجعل إيريانا فيجا (Airyana Vaeja) أول مكانٍ يُعجِب أبناءه، لاتجه الناس بأجمعهم إلى إيريانا فيجا، وهي أفضل المناطق التي خلقتها أنا الله” [Avesta Vendided, vol. ١ p.٣ ].

وحددها القزويني [آثار البلاد وأخبار العباد، القزويني، ص ٢٣٣.] جغرافيًا: "ما بين نهر بَلْخ إلى مُنتهى أذربيجان وأرمينيا إلى القادسية وإلى بحر فارس"، واصفًا إياها بأنها "صَفوة الأراضي وأشرفها؛ لتوسُّطها في قلب الأقاليم، وبُعدها عما يتأذَّى به أهل المشرق والمغرب والجنوب والشمال".

أما وصف أهلها فيرسم صورةً لمجتمعٍ متوازن، حيث يُقال عنهم: “أصحاب العقول الصحيحة والآراء الراجحة، والأبدان السليمة والشمائل الظريفة، والبراعة في كل صناعة؛ فلذلك تراهم أحسن الناس وجوهًا وأصحّهم أبدانًا، وأحسنهم مَلبوسًا، وأعذبهم أخلاقًا، وأعرفهم بتدبير الأمور”، هذا الوصف يؤسس لفكرة أن الرسالة لم تنبت إلا في بيئةٍ مؤهلةٍ بالمدنية والرقي الفكري.

إن كلمة (إير) التي اشتُقَّ منها اسم المنطقة، دارت حول معانٍ سامية مثل الطهر والطهارة، والشرف والسمو والمجد، لكونها اسمًا جامعًا للخير والفضل والصلاح في الفارسية القديمة، ومن هذه الكلمة أُطلق على رئيس بيت النار اسم إيريذ أي "رئيس الخيار الفاضلين"، والذي عُرِّب لاحقًا ليصبح هيربَذ [التنبيه والإشراف، المسعودي، ص ١٣٤.].  وعندما تجتمع كلمة (إير) مع باقي الاسم، يصير المركب يعني "وطن الخاضعين أو المُطيعين"، حيث تفسر كلمة إيريا في الفارسية القديمة بمعنى "المُتديِّن والمُطيع والخاضع" [كتاب تنسر، ص ٥٣.]

هذا الانحدار الطبيعي للاسم من معانٍ تدور حول الخير والطهارة والصلاح والتقوى والطاعة يُشير إلى أن اضطراب دلالات مُفرداته لا يُضعف من معناه، فالطهارة والفضل تكمن في طاعة الله والخضوع لأحكامه، ومَن اجتمعت فيه تلك الخصائص، عُدَّ مُتدينًا وقريبًا من الحق تعالى.

الموقف العقدي الإسلامي من زرادشت

يتفق الإسلام مع أن أصول رسالة زرادشت كانت تتجه نحو السمو الروحي وتُعلي من قيم الطهر، والصلاح، والخضوع لأحكام الله، وهي مفاهيم تتوافق مع الأصول التوحيدية لجميع الرسالات، كما يتفق الإسلام على أهمية الموطن الحضاري والعقول الراجحة كبيئة ضرورية لاستقبال الوحي ونشر الحق.

لكن الموقف الإسلامي يظل مُعلَّقاً بخصوص القطع بـ نبوة زرادشت لغياب النص القرآني أو النبوي الحاسم. وهنا، يأتي التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي الرسالة الخاتمة والناسخة لكل الشرائع السابقة، وهي وحدها المنهج الإلهي الكامل الذي ارتضاه الله للناس إلى قيام الساعة، ولا دين بعده.، قال تعالى: {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ} [آل عمران: ١٩].

وعلى الرغم من هذا التباين العقدي، فإن الإسلام يُرسخ مبادئ التعايش السلمي كأصل إنساني. فهو يوجب العدل والإحسان والبر في معاملة المخالفين، ويرسخ مبدأ حرية الاعتقاد، قال تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة: ٢٥٦] ويدعو إلى الحوار البنّاء، مؤكداً أن الاختلاف في الأصول لا يُبرر أبدًا الصراع أو التصادم الحضاري.

الخلاصة

تحوُّل اسم زرادشت من "زاراثُشترا" في الفارسية القديمة إلى "زراسترو" لدى اليونان، مُبرزًا استقراره في التدوينات الإسلامية على القراءة البهلوية، فالتسمية في جوهرها تكشف عن الهوية الفارسية القديمة وتُشير إلى تجذُّر الفكر الروحاني فيها عبر الحقب اللغوية المتعاقبة.

موضوعات ذات صلة

تلقى زرادشت الوحي عبر المخاطبات السبع على مدى عشر سنوات.

زرادشت نشأ في قلب آذربيجان الآرية، ليقضي ثلاثين عامًا بين التكوين العلمي ومقاومة فساد عصره.

هي ديانة يعتنقها غالبية سكان الهند، وقد عُرفت سابقًا بـ "البرهمية" نسبة إلى الإله "براهما"، وقد تطورت على مر القرون.

موضوعات مختارة