ينتمي زرادشت بإجماع الثِقات من المؤرخين إلى
قبيلة ماداي أو ميديا، كبرى القبائل الآرية. ثم نُسب لاحقًا إلى
قبيلة پارسا (Parsa) أو پارسيس (Persis) التي كانت مَهد الأسرة الألِخانيَّة. وعلى هذا فزرادشت ميديّ
الأصل وآريُّ الجنس.
بالرغم
من الجدل حول تحديد تاريخ ميلاد زرادشت (الذي تراوح بين ٦٠٠٠ ق.م و٦٠٠ ق.م) (١٤) [History of Zoroastrianism Dhalla, p١١١.].
والذي لا يجوز قبوله لتطرفه وبُعده عن فترة حكم الملك كُشتاسب، إلا أن
المؤرخين المعاصرين للزرادشتية، عبر تتبعهم لحكم كُشتاسب، خلصوا إلى تقويمٍ جديد
يُفيد بأن زرادشت وُلد بالتحديد في اليوم التاسع من شهر خرداد، الموافق الثلاثين
من مايو لسنة ٦٦٠ ق.م. ورغم أن هذه الدقة مُتناهية يصعب إثباتها بمصادر
تاريخية موثوق بها [تجديد التاريخ، عمر فروخ، ص ٥٠]. إلا
أنها تضبط بشكل عام الإطار الزمني لعصر بعثته. أما مكان ميلاده، فيُجمع الجميع على
أنه وُلد في الناحية الشمالية من إيران، أذربيجان، بالقرب من بحيرة أورميا (Uria)،
وتحديدًا على شاطئ نهر داريز أو أراس [نهر آراس أو الرس، كما يقول
القزويني، من أنهار آذربيجان، وهو نهر عظيم شديد جري الماء، وفي أرضه حجارة لا
تجري السفن فيه، وله أجراف هائلة وحجارة كبيرة. انظر في ذلك: (آثار البلاد وأخبار
العباد)، القزويني، ص ٢٨٥]، الذي وُصف في الأفستا بـ رئيس
الأنهار، وفي الكتب المتأخرة بـ النهر المُقدَّس [(Avesta-Vendided, vol١, (١٣٧].
وقد حفل ميلاده بمجموعة من الظواهر
الخارقة للعادة التي صاغها الخيال الشعبي، والتي تُصنَّف كأساطير شعبية لتعظيم
شأنه [محاضرات
في تاريخ المذاهب والأديان، عبد العزيز الثعالبي، ص ٥٨.].
وما يهمنا منها هو ما ارتبط بلحظة الميلاد، حيث تروي المصادر البهلوية أنه قبيل
خروجه للحياة، انبثق نورٌ إلهيٌ شديد اللمعان من بيت بوراشاسب، وخرج
الطفل زرادشت إلى الدنيا وهو يضحك بملء فيه [History
of Zoroastrianism Dhalla, p١٣٢.].
كما رصدت نصوص الفنديداد
محاولات الشيطان أهريمان للقضاء عليه، حيث قال الشيطان عند ميلاده: “لقد
وُلد، يا حسرتاه، زرادشت الطاهر في بيت بوراشاسب! كيف السبيل إلى هلاكه وموته؟ إنه
السلاح الذي يضربنا بقوة، إنه مُصيبتنا الكُبرى! ستزول من الأرض عبادة الشياطين،
سيختفي الكذب والزور من بين الناس” [(Avesta Vendidad p vol. (١٤٣].
بدأت رحلة تكوينه العلمية في سن السابعة، حيث
أُرسِل للدراسة على يد غورو بورجين كُرُوس، الشيخ الحكيم من طائفة المجوس.
أمضى زرادشت ثمانية أعوام، وفي الخامسة عشر دخل زرادشت رسميًا يدرس فيها الفارسية،
وعقيدة قومZoroastrianismه، وآداب عصره،
إضافة إلى تعلّم المهن الضرورية كعلاج المرضى والزراعة، حيث حَذِقَ فيها جميعًا
لحاجة الناس إليها.
عند بلوغه في دين آبائه، وتم شد الحبل
المُقدَّس (كوستي) (٢٢) [History of Dhalla, p. ٣١٣].حول
وسطه، هذا الطقس، الذي كان وثنيًا في الأصل، تحوّل في سياق رسالة زرادشت ليُشير
إلى أن سن الخامسة عشر هي سن التكليف، وهو ما يتطابق مع مفهوم البلوغ
والتكليف في الشرائع السماوية. وقد توعدت نصوص الـ أفِستا [Avesta Vendidad vol. ١) p. ١٣٢).] من تجاوز هذه السن دون
التزام بالحزام بالعقوبة الشديدة، عادّةً إياه ناقص الإيمان.
لقد
نشأ زرادشت في مجتمع مُتديّن، ما جعله يتشرب أخلاقيات الدين ومُثله العليا، وكانت
صفته المُميِّزة هي التدين على بقايا دين الآباء. وُصف في شبابه بالصفات
الحميدة كـ رقة الفؤاد، العطف، الرحمة، والكرم [History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٣١٤]، وهي صفات مألوفة في زمانه، إلا أنها تجلّت على
صفحة وجهه بـ بهاء وإشراق، وقد شهد المعاصرون [History
of Zoroastrianism Dhalla, p. ٣١٤]
بتفرده، فكان ينثر بذور الخير والسعادة، ولا يحتمل مُعاناة الفقراء والمساكين، بل
كانت له آذان مُرهَفَة تسمع تنهدات الضعفاء وآهات المكروبين. كما كان لا
يُطيق إيلام الحيوانات والطيور، ساعيًا لمعالجة الجريح وإنقاذ المُتألّم.