Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

زرادشت: التكوين، العزلة، والبعثة

الكاتب

هيئة التحرير

زرادشت: التكوين، العزلة، والبعثة

زرادشت نشأ في قلب آذربيجان الآرية، ليقضي ثلاثين عامًا بين التكوين العلمي ومقاومة فساد عصره، لينتهي به المطاف في عزلة جبل سابلان، اصطُفي رسولًا بعد لقاء فوهو مانو، حيث تلقى علم الدين وبُعث بشريعةٍ جديدة من أمام عرش الرحمن في سنة ٦٣٠ ق.م.

التكوين العلمي والاجتماعي لـ زرادشت

ينتمي زرادشت بإجماع الثِقات من المؤرخين إلى قبيلة ماداي أو ميديا، كبرى القبائل الآرية. ثم نُسب لاحقًا إلى قبيلة پارسا (Parsa) أو پارسيس (Persis) التي كانت مَهد الأسرة الألِخانيَّة. وعلى هذا فزرادشت ميديّ الأصل وآريُّ الجنس.

بالرغم من الجدل حول تحديد تاريخ ميلاد زرادشت (الذي تراوح بين ٦٠٠٠ ق.م و٦٠٠ ق.م) (١٤) [History of Zoroastrianism Dhalla, p١١١.]. والذي لا يجوز قبوله لتطرفه وبُعده عن فترة حكم الملك كُشتاسب، إلا أن المؤرخين المعاصرين للزرادشتية، عبر تتبعهم لحكم كُشتاسب، خلصوا إلى تقويمٍ جديد يُفيد بأن زرادشت وُلد بالتحديد في اليوم التاسع من شهر خرداد، الموافق الثلاثين من مايو لسنة ٦٦٠ ق.م. ورغم أن هذه الدقة مُتناهية يصعب إثباتها بمصادر تاريخية موثوق بها [تجديد التاريخ، عمر فروخ، ص ٥٠]. إلا أنها تضبط بشكل عام الإطار الزمني لعصر بعثته. أما مكان ميلاده، فيُجمع الجميع على أنه وُلد في الناحية الشمالية من إيران، أذربيجان، بالقرب من بحيرة أورميا (Uria)، وتحديدًا على شاطئ نهر داريز أو أراس [نهر آراس أو الرس، كما يقول القزويني، من أنهار آذربيجان، وهو نهر عظيم شديد جري الماء، وفي أرضه حجارة لا تجري السفن فيه، وله أجراف هائلة وحجارة كبيرة. انظر في ذلك: (آثار البلاد وأخبار العباد)، القزويني، ص ٢٨٥]، الذي وُصف في الأفستا بـ رئيس الأنهار، وفي الكتب المتأخرة بـ النهر المُقدَّس [(Avesta-Vendided, vol١, (١٣٧].

وقد حفل ميلاده بمجموعة من الظواهر الخارقة للعادة التي صاغها الخيال الشعبي، والتي تُصنَّف كأساطير شعبية لتعظيم شأنه [محاضرات في تاريخ المذاهب والأديان، عبد العزيز الثعالبي، ص ٥٨.]. وما يهمنا منها هو ما ارتبط بلحظة الميلاد، حيث تروي المصادر البهلوية أنه قبيل خروجه للحياة، انبثق نورٌ إلهيٌ شديد اللمعان من بيت بوراشاسب، وخرج الطفل زرادشت إلى الدنيا وهو يضحك بملء فيه [History of Zoroastrianism Dhalla, p١٣٢.].

كما رصدت نصوص الفنديداد محاولات الشيطان أهريمان للقضاء عليه، حيث قال الشيطان عند ميلاده: “لقد وُلد، يا حسرتاه، زرادشت الطاهر في بيت بوراشاسب! كيف السبيل إلى هلاكه وموته؟ إنه السلاح الذي يضربنا بقوة، إنه مُصيبتنا الكُبرى! ستزول من الأرض عبادة الشياطين، سيختفي الكذب والزور من بين الناس” [(Avesta Vendidad p vol. (١٤٣].

بدأت رحلة تكوينه العلمية في سن السابعة، حيث أُرسِل للدراسة على يد غورو بورجين كُرُوس، الشيخ الحكيم من طائفة المجوس. أمضى زرادشت ثمانية أعوام، وفي الخامسة عشر دخل زرادشت رسميًا يدرس فيها الفارسية، وعقيدة قومZoroastrianismه، وآداب عصره، إضافة إلى تعلّم المهن الضرورية كعلاج المرضى والزراعة، حيث حَذِقَ فيها جميعًا لحاجة الناس إليها.

عند بلوغه في دين آبائه، وتم شد الحبل المُقدَّس (كوستي) (٢٢) [History of  Dhalla, p. ٣١٣].حول وسطه، هذا الطقس، الذي كان وثنيًا في الأصل، تحوّل في سياق رسالة زرادشت ليُشير إلى أن سن الخامسة عشر هي سن التكليف، وهو ما يتطابق مع مفهوم البلوغ والتكليف في الشرائع السماوية. وقد توعدت نصوص الـ أفِستا [Avesta Vendidad vol. ١) p. ١٣٢).] من تجاوز هذه السن دون التزام بالحزام بالعقوبة الشديدة، عادّةً إياه ناقص الإيمان.

لقد نشأ زرادشت في مجتمع مُتديّن، ما جعله يتشرب أخلاقيات الدين ومُثله العليا، وكانت صفته المُميِّزة هي التدين على بقايا دين الآباء. وُصف في شبابه بالصفات الحميدة كـ رقة الفؤاد، العطف، الرحمة، والكرم [History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٣١٤]، وهي صفات مألوفة في زمانه، إلا أنها تجلّت على صفحة وجهه بـ بهاء وإشراق، وقد شهد المعاصرون [History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٣١٤] بتفرده، فكان ينثر بذور الخير والسعادة، ولا يحتمل مُعاناة الفقراء والمساكين، بل كانت له آذان مُرهَفَة تسمع تنهدات الضعفاء وآهات المكروبين. كما كان لا يُطيق إيلام الحيوانات والطيور، ساعيًا لمعالجة الجريح وإنقاذ المُتألّم.

زرادشت بين أزمة الجمود والبحث عن عقيدة

إن هذه النورانية الروحية كانت دافعه الأول للاستزادة من علم يسمو بروحه نحو الحقيقة المُطلَقة. بعد تخرجه، تنقل بين حكماء وعُلماء البلاد، وعرض عليهم ما أشكل عليه، ولكنه أدرك بنفسه جمود وركود الدين في زمانه، وأن علوم الدين باتت مشدودة إلى ماضٍ بعيد، أفقدها صلتها بالحاضر. زرادشت كان يتشوق إلى علمٍ حيٍّ يقود الحياة إلى الأمام، علم لا يَهرم بالزمن، ولا يُؤسَّس على الشك والجدل، بل هو العلم الإلهي وخبر السماء الذي يبحث عنه [History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٣١٤]، في هذه الأثناء، تطوع زرادشت بعلمه وخبرته في خدمة الجنود المُقاتِلين ضد غارات الطورانيين، فعالج الجرحى ورفع الروح المعنوية. وبعد انتهاء الحرب، واجهت البلاد مجاعة شديدة، فكرّس خمسة أعوام لخدمة الفقراء والمحتاجين. عاد بعدها وتزوج من الفتاة هانوية [تزوج زرادشت في حياته ثلاث نساء: أنجب من الأولى (هانوية) والثانية، ولم ينجب من الثالثة]، ولكنه لم يَمكُث معها طويلًا، مواصلًا عمله في تخفيف آلام الناس، مُتيقنًا أن أحزانهم لا نهاية لها [قصة العقائد بين السماء والأرض، سليمان مظهر، ص ٢٨٢-٢٨٣].

العزلة والاصطفاء الروحي عند زرادشت

لقد بلغ زرادشت درجة عالية من التدين، ولكنه رأى تحوّل الدين إلى طقوس عقيمة، وشيوع الإيمان بالخرافات وعبادة الأصنام والأوثان [History of Zoroastrianism Dhalla p. ٣١٠]  وحيثما اتجه، كان يُجابه بالآثار السلبية لبُعد الناس عن الحق، في ظلم الحكام وجورهم، وفي الجريمة والرذيلة، ففسدت الحياة وانحدر الإنسان إلى هاوية البؤس، ولم يعد يَنْتَشِلُه إلا هدايةٌ تأتيه من ذات منبع النور والخير.

إزاء هذه الحياة التي لا تُطاق، اتخذ زرادشت قرار الاعتزال والاعتكاف، مُوطِّنًا النفس على التأمل والعبادة في كهوف جبل سابلان  [يقول القزويني عن جبل سابلان: إنه من أعلى جبال الدنيا، يقع في منطقة آذربيجان، وهو الذي ذهب إليه زرادشت مُعتزِلًا عن الناس، ومنه أتاهم بكتاب أبَسْتا، ثم حكى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «مَن قرأ سبحان الله حين تُمْسُون وحين تُصْبِحُون إلى قوله "تخرجون" كتَب الله له من الحسنات بعدد كل ورقة ثلج تسقط على جبل سابلان»، وقيل: وما جبل سابلان يا رسول الله؟ قال: «جبل بين أرمينيا وأذربيجان، عليه عين من عيون الجنة، وفيه قبر من قبور الأنبياء»].  هذه الفترة من الخلوة والوحدة في حياة الرسل هي فترة الإعداد والتجرُّد، وفيها يَنقى القلب ويَتطهَّر لاستقبال وحي الله.

[ Zoroaster Jackson p. ٣٦, ٤٠]

استجاب زرادشت على الفور، فحمله الملاك أمام عرش الرحمن، وتركه محجوبًا عن الحق عز وجل بـ نور باهر، وهناك، قدَّم زرادشت فروض الإجلال والتعظيم، فأنبأه الحق باصطفائه رسولًا ونبيًا إلى خاصة قومه، وتلقَّى منه علم الدين، واستمع إلى الأمر الإلهي بـ إبلاغ قومه شريعته وبُشارته لهم بسعادة الدنيا والآخرة [History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٣١٤, ٤٥١].

تعتبر هذه الرواية هي الأقرب للمألوف في استقبال الرسل لوحيهم، حيث كان فوهو مانو هو ملاك الوحي لرسله، وتلقى زرادشت الرسالة محجوبًا بالنور الإلهي وبلا واسطة. ووفقًا للتقويم الزرادشتي، فقد اعتُبِر اليوم الخامس من شهر مايو سنة ٦٣٠ ق.م، وهو منتصف شهر أورتافاحستو [ History of Zoroastrianism Dhalla, p. ٣١٤, ٤٥١ ]، هو يوم بعثته واختياره رسولًا، وكان يبلغ من العمر ثلاثين عامًا ولا يزال مجوس الهند وإيران يُطلقون على تلك السنة التي أُرْسِل فيها نبيُّهم إلى مادا وفارس اسم "سنة الدين"[ الملل والنحل، ج  ١، الشهرستاني، ص ٢٣٧.].


الموقف العقدي الإسلامي من نبوة زرادشت

يتفق الإسلام مع أن قصة زرادشت تحوي مظاهر مشابهة لمسيرة الأنبياء، حيث تتضمن مراحل التكوين العلمي والخلقي، والجهاد ضد الفساد الاجتماعي، والاعتكاف والعزلة للتأمل، والاصطفاء الإلهي عبر ملاك الوحي فوهو مانو المماثل لجبريل عليه السلام في وظيفته، وتلقي "علم الدين" مباشرة، هذا التوافق يدعم المبدأ القرآني بأن الله أرسل رسلاً إلى كل أمة: {وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: ٢٤].

لكن الموقف الإسلامي يُؤكد على أن نبوة زرادشت تظل أمرًا مُعلَّقًا لغياب النص الشرعي القاطع، وهنا تبرز عقيدة الخاتمية؛ فالإسلام هو الرسالة الأتم والأكمل والناسخة لكل الشرائع والملل السابقة، وهو وحده المنهج الإلهي الوحيد المقبول بعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا دين بعده.

ومع التسليم بهذا النسخ العقدي، يوجب الإسلام التعايش الإنساني السلمي مع أتباع الديانات الأخرى، إنه يأمر بـ العدل والإحسان والبر في معاملة المخالفين، ويرفض الإكراه في الدين، مؤكدًا أن الاختلاف لا يُبيح الصراع، بل يجب اللجوء إلى الحوار البنّاء لقوله تعالى: {وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ} [النحل: ١٢٥].

الخلاصة

يتتبع هذا المقال المسار الروحي والفكري لزرادشت، من نشأته في قبائل ميديا إلى لحظة بعثته كرسول في سنة ٦٣٠ ق.م، مسلطًا الضوء على تكوينه العميق في العلوم والأخلاق، يوضح المقال كيف قادته أزمة الجمود العقدي والفساد الاجتماعي إلى الاعتكاف في جبل سابلان بحثًا عن اليقين، حيث كان اللقاء الفارق مع كبير الملائكة فوهو مانو، تُعد هذه الرواية الأقرب للمألوف في تاريخ النبوة، حيث استمد زرادشت "علم الدين" مباشرةً، ليُعلن بداية "سنة الدين" بعد خروجه من نور عرش الرحمن.

موضوعات ذات صلة

تحوَّل اسم زرادشت من "زاراثُشترا" إلى "زراسترو" عبر المراحل اللغوية المختلفة.

تلقى زرادشت الوحي عبر المخاطبات السبع على مدى عشر سنوات.

السيخية، كديانة نشأت في البنجاب، انتقلت من الفلسفة الروحية للمؤسس نانَك إلى العسكرة على يد الغورو جوبيند سينغ بتأسيس الخالصة.

موضوعات مختارة