Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الديانة الشنتوية بين ممارسة الطقوس وغياب المعتقد

الكاتب

هيئة التحرير

الديانة الشنتوية بين ممارسة الطقوس وغياب المعتقد

مما لا شك فيه أن هناك تناقضًا عميقًا في الوجدان الياباني المعاصر يتعلق بالكيفية التي يُمارَس بها الدين؛ فبينما يُمثِّل الضريح والمعبد مراكز حية للتواصل المباشر مع الآلهة، ويديرها رهبان وموظفون مُدرَّبون بعناية لتطبيق التعاليم، فإن الممارسة الدينية الجماهيرية تبدو مُنفصلةً عن الفهم العقائدي العميق.

التباين بين أماكن العبادة والانفصال العقدي في الديانة الشنتوية

يتضح هذا الانفصال في انتقاء المكان؛ فالمكان الشنتوي المُقدَّس غالبًا ما يُقام في مُرتفعات وجبال وأماكن تكثر فيها الغابات والأشجار الكثيفة، في حين يتم اختيار المعابد البوذية بالقرب من الشوارع الرئيسة وفي الأزقة وقرب المنازل وهذا نابعٌ كذلك من العلاقة المُعقَّدة بين الرهبان والمعتقَد والممارسة، إذ يُبيِّن العمل الحقلي أن الرهبان يُحكمون قبضتهم التامة على المعتقَد، وفي ذات الوقت لا يكترث اليابانيون من العامة لمعرفة وفهم خباياه، تبعًا لذلك، فهم لا يَفقهون المعاني المختبئة وراء الشنتوية والبوذية، كأديان لها ما يُمثِّلها من الرموز والممارسات؛ فهم لا يعرفون السبب الذي يؤدي بهم لصعود قمة أو اختراق غابة للوصول للضريح، أو معنى المسبحة (جوزو)، أو التصفيق أثناء مُناجاة كامي. [الحبيب، غنا بزية، وبدر الدين، حمدية. (٢٠١٩). الحياة الاجتماعية والدينية في اليابان قديمًا]

ولا يعتقد الكثير من اليابانيين بوجود كامي أو إله، لكنهم يخشعون في تأدية صلواتهم؛ ففي مقابلات عديدة أجريناها بعد إتمام اليابانيين صلواتهم في الأضرحة والمعابد، لم يعرف غالبيتهم لِمَن تم توجيه الصلاة أو الدعاء. لكن المعتقد في مخيلة الإنسان الياباني يرتبط بـ )التقاليد والتاريخ (، ولهذا فهم يتخلصون من حَرَج عدم معرفة المعاني بـ الاتكاء على التقاليد اليابانية، أو بالعودة لمعلومات تاريخية عبر الشبكة العنكبوتية. [Kimpara, K. (٢٠١٤) Religion and the Secular State in Japan] 

قيام الممارسة مقام المعتقد في الديانة الشنتوية

مفهوم التقليد مُتأتٍّ من اتباع أسلوب مُحدَّد؛ إنه يصبح تقليدًا نتيجة (التكرار / التدريب) المُستمرّ؛ ففي مقابلات عديدة مع يابانيين مُشاركين في طقس (فوكاغاوا هاتشيمان)، بيَّنوا أنهم يُشاركون في هذا الطقس كل عام، بعضهم تعلَّموا الممارسة بعد احتكاكهم بالمجتمع المحلي، والبعض الآخر تعلَّم ذلك من آبائهم. يجري ذلك على طقوس أخرى كثيرة، من بينها طقس وهيغان)، حيث يزور اليابانيون قبور موتاهم ويُصلُّون في المعابد، ولكن من النادر أن يعرف الممارسون معاني ممارساتهم. [كاظم: محمد باقر، مرجعيات الديانة الشنتوية في اليابان]

تبعًا لذلك، يُقدِّم اليابانيون للممارسات الدينية تأويلات غير دينية، لكنهم يُنفِّذون الأوامر بشكل مباشر، يُشبه ذلك ما يقوم به الروبوت الآلي، من دون الاكتراث للأصول المعنوية، فقد أوكل اليابانيون مُهمة (الاعتقاد) للرهبان، وأخذوا على عاتقهم تأدية (الممارسات والطقوس).

مفارقة الحرية والإلزام في الديانة الشنتوية

عدم اكتراث اليابانيين بالمعتقَد يُحيلهم نحو مُوازنة غريبة، تتمثل بمفهومي )الحرية والإلزام(؛ إنها تُمثِّل حرية المشاركة في الطقوس من عدمها، وحرية تأدية الصلوات من عدمها، والحرية في ممارسة أو عدم ممارسة الشنتوية والبوذية على حَدٍّ سواء، ولكن إذا ما قرَّر الفرد الياباني الإقدام على الممارسة، فإنه يصبح مُجبرًا على اتباع طريقة مُحدَّدة؛ فالزواج عند اليابانيين غير محكوم بأسلوب مُحدَّد، لكن ما أن يختار الياباني اتباع الطريقة الشنتوية، عليه الرضوخ تمامًا لسُلطة الضريح، سواء في ارتداء الزي التقليدي، أو مُباركة الرهبان لهذا الزواج أمام الملأ، وغيرها من الممارسات المذكورة في الزواج على الطريقة الشنتوية ، وهذا ينسحب على بقية الممارسات والطقوس، إذ العديد من اليابانيين لا يمارسون معظم الطقوس الدينية، لكنهم مُجبرون على اتباع أسلوب مُحدَّد إذا ما رغبوا في ممارسة طقس أو أصبحوا جزءًا من حفل تأبيني أو غير ذلك. [مانسون، مارك. (٢٠١٨). فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف ترجمة الحارث النبهان]

وهذا جزء لا يتجزأ من ثقافة الاحترام والأدب الرفيع الذي يتحلَّى به الإنسان الياباني؛ إنهم مُلتزمون بحدود قُصوى في احترام الآخر، يُظهرون للمُقابِل تواضعهم باستمرار، يتبيَّن ذلك من انحنائهم المُتكرِّر لبعضهم، فضلاً عن مُفردات الشكر والثناء المُتعدِّدة التي يُغدِق بها الياباني كل مَن يتواصل معه. تبعًا لذلك، فهم يشعرون بإلزام احترام المعبد والضريح، واتباع الوصايا والتعليمات التي تصدر عن إدارة المعابد والأضرحة، إنها وصايا يمكن للجميع الاطلاع عليها، سواء عبر مواقع الإنترنت الرسمية، أو عبر أوراق تُمثِّل دليلاً للزائرين يمكن الحصول عليها بالمجان. [كاظم: محمد باقر، مرجعيات الديانة الشنتوية في اليابان]

حاجز اللغة القديمة والطقوس في الديانة الشنتوية

وما يُجذِّر انفصال اليابانيين عن المُعتقَدات الشنتوية والبوذية عدم معرفتهم التامة بما يقرأه الرهبان الشنتويون والبوذيون من) نوريتو( أو) سوترا( أثناء الصلوات والطقوس؛ إنهم يستسلمون تمامًا لعدم معرفتهم ما يقوله الرهبان، إذ تَمَّت كتابة (نوريتو وسوترا) باللغة اليابانية القديمة، وهي بمثابة حروف صينية الأصل قديمة يصعب فهمها، يتبع ذلك عدم معرفة اليابانيين بمعنى أغلب الطقوس الدينية، هذا ما أجابنا به يابانيون عديدون، أكدوا جميعًا أن لا أحد يعرف معنى الطقوس الدينية، على الرغم من أن ممارستها مُرهِقة، تحتاج التزامًا واجتهادًا. [ابيناغا، سوبورو. (٢٠١٦). تاريخ الثقافة اليابانية ترجمة علاء زين العابدين]

ولكن الإرهاق والجهد المُسلَّط لمعرفة المعتقَد يمكن أن يكون مُضاعفًا، إذ يحتاج الفرد سنوات ليكون على دراية تامة بخبايا المعتقَد، ولاسيما وأن هذا المعتقَد يتطلب تعلُّم لغة جديدة، إنها اللغة اليابانية القديمة، علاوة على ذلك، ينشغل اليابانيون بالحياة الاقتصادية، فليس لديهم الوقت الكافي للتفكير بقضايا التاريخ والمُعتقَد، ولكنهم يُعوِّضون ذلك بـ التزامهم في الممارسة، التي تُكلِّفه دقائق معدودة كما في الصلاة، أو ساعات قليلة مُقسَّمة لأيام معدودة كما في الطقوس الدينية. لهذا، يمكن القول أن الرأسمالية تُلقي بأعبائها على صُنْع شكل ديني خالص.

ويُجسِّد انفصال اليابانيين من غير الرهبان عن المعتقَد واكتفاؤهم بالممارسة استحداث ممارسة لها ارتباطات مسيحية، تتمثل بـ رأس السنة الميلادية، فقد أُضيف لهذا اليوم ممارسات بوذية، من قبيل قرع الجرس ١٠٨ مرة، وهو اعتقاد بوذي قائم على التذكير بالملذات، وهذا ما يجهله العامة من اليابانيين، لكنهم على الرغم من ذلك يتجمَّعون لمُشاهدة الحدث والصلاة والاحتفال بالدخول في العام الجديد. [ مانسون، مارك. (٢٠١٨). فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف ترجمة الحارث النبهان]

أثر الديانة الشنتوية في الشخصية اليابانية

ولكن لو ذهبنا أكثر باتجاه الشخصية اليابانية، لوجدنا أنها شخصية مُنضبطة، يُنفِّذ الياباني ما يُؤمَر به، من دون التشكيك في نوايا الأمر أو الاستفسار عن السبب في سلوك سبيل دون غيره، ولهذا الأمر رصيد تاريخي طويل مبني على تلقِّي الأوامر الإلهية من الإمبراطور، ولهذا تجدهم في سوق العمل يُنفِّذون قوانين لا يعرفون دوافعها، ويُرجعون الكثير منها لـ إبداء الاحترام.

ولأن الممارسة يتم تعلُّمها عبر التدريب، يُشارِك اليابانيون أطفالهم في تأدية الممارسات والطقوس الدينية؛ ففي الصلاة الشنتوية والبوذية يصطحب الكثير من اليابانيين أبناءهم لتدريبهم على أداء الصلاة، أو تدريبهم على أداء طقس ولادة بوذا وطقس سيتسوبون وغيرها من الطقوس، يتم تكرار ذلك مرات عديدة، لتصبح الممارسة جزءًا لا يتجزأ من حياة الفرد الياباني، ولكن هذا التدريب لا يجري إطلاقًا على المعتقَد، فتكرار التدريب يكون من نصيب الممارسة حصرًا. Shaw, D. (٢٠٠٥). The Way I forward? - Shinto and a ٢١st Century Japanese Ecological Attitude] 

ويشترك في ذلك أيضًا نظام التعليم الياباني، الذي يضطلع بدور جوهري في تكوين شخصية الفرد الياباني، إذ يتم تدريب الأطفال على مُختلف الممارسات، مثل الالتزام بالطابور، تنظيم الملابس الشخصية، أسلوب التعامل مع الآخر، التدرب على أداء بعض الطقوس، وغيرها الكثير من الممارسات الاجتماعية، ومن بين كل هذه الممارسات التي يتدرب عليها الفرد الياباني منذ نُعومة أظفاره، فإنه لا يتدرب إطلاقًا على معرفة المعاني الجوهرية والمعتقَدات الدينية.

بمعنى أن الفرد الياباني يتدرب على الممارسة، وتكرار هذا التدريب يجعل من الممارسة أسلوب حياة نمطي، ليس هنالك من داعٍ لمعرفة معناه الحقيقي، ما دام خاضعًا لمفهوم التكرار الطقوسي، لتصبح ثنائية الممارسة والمعتقَد مبنية على ممارسة مأمور بها من قبل مُهَيمِن فعلي على كل تكرار/تدريب في سياق الممارسات والطقوس الدينية، ألا وهو الراهب ومؤسسته الدينية. [كاظم: محمد باقر، مرجعيات الديانة الشنتوية في اليابان]

الموقف الإسلامي من ظاهرة "انفصال الممارسة عن المعتقد"

تُعتبر هذه الظاهرة نقيضاً لجوهر العبادة الصحيحة، فالإسلام يربط العبادة (الممارسة) ارتباطاً وثيقاً بـ العلم والمعرفة العقديّة (المعتقد)، حيث يجب أن تكون العبادة قائمة على اليقين والإخلاص لله وحده، ومُصاحبة بالفهم الواعي لما يُمارس، إذ أن الإخلاص يقتضي معرفة المعبود وصفاته. العبادة في الإسلام ليست مجرد تكرار آلي للطقوس أو أسلوب حياة نمطي يُفرض بالتدريب، بل هي فعل قلب وعقل قبل أن يكون فعل جسد. كما أن مفهوم إلزام الفرد بأسلوب محدد (في الزواج أو الطقوس) بمجرد اختياره الممارسة، يشبه إلى حد ما الجانب التشريعي في الإسلام، لكنه يختلف جذرياً في مصدر الإلزام؛ ففي الإسلام هو تشريع إلهي واضح، بينما في الشنتوية يرجع للإلزام الطقسي والاجتماعي.

وفي الوقت ذاته، يُشدد الإسلام على أهمية الأخلاق الاجتماعية المذكورة، مثل الانضباط، واحترام الآخر، والالتزام بالوصايا، وهي قيم مشتركة تحظى بتقدير كبير في الشريعة الإسلامية.

ومع هذا التباين العقدي الجذري، فإن الإسلام يُرسخ مبادئ التعايش السلمي والإنساني:

١- الاحترام والحقوق: يوجب الإسلام العدل والإحسان والبر في التعامل مع المخالفين في العقيدة، وحفظ حقوقهم وكرامتهم. {لَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: ٨] 

٢- لا إكراه في الدين: يُرسخ القرآن مبدأ حرية الاعتقاد: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة: ٢٥٦] 

٣- الحوار والتفاهم: يأمر الإسلام باللجوء إلى الحوار بالتي هي أحسن كوسيلة للتعامل مع الآخرين، مؤكداً أن الاختلاف العقدي لا يُبيح التصادم أو الصراع الحضاري. {وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [العنكبوت: ٤٦]، مع التأكيد على أن الإسلام هو الدين الخاتم والناسخ لكل ما سبقه، وهو رسالة الله النهائية إلى البشرية.

الخلاصة

تتميز الحالة الدينية في اليابان بانفصال واضح بين الرهبان المُحتكرين للمعتقد والعامة المُكتفين بالممارسة، حيث يتخلص اليابانيون من حرج الجهل بالمعاني الدينية عبر الاتكاء على التقاليد والتاريخ. إن سُلطة "التكرار والتدريب" هي المحور الذي يجعل من الممارسة أسلوب حياة نمطي مُنضبط، في غياب الفهم لخبايا المعتقدات المُكتوبة بلغة قديمة مُعقَّدة، وتظهر مفارقة "الحرية والإلزام"؛ فالفرد حرّ في عدم الممارسة، لكنه مُجبر على اتباع أسلوب مُحدَّد إن قررها، هذا الانضباط المفرط متجذر في الرصيد التاريخي لتلقي الأوامر، وهو ما تُعززه الرأسمالية ونظام التعليم، مُحوِّلاً الممارسة الدينية إلى فعل ميكانيكي مأمور به.

موضوعات ذات صلة

الشنتو، "طريق الآلهة"، هي ديانة اليابان الأولى وتقوم على عبادة الكامي (الروحانية المقدسة في الطبيعة).

مما لا شك فيه أن هناك تناقضًا عميقًا في الوجدان الياباني المعاصر يتعلق بالكيفية التي يُمارَس بها الدين.

تحولت الشنتوية من عقيدة طبيعية قائمة على عبادة الكامي إلى أيديولوجيا دولة مُسيّسة (نظام التينو) لخدمة تبجيل الإمبراطور.

موضوعات مختارة