Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم الديانة الجينية في الهند وسيرة المؤسس مهافيرا

الكاتب

هيئة التحرير

مفهوم الديانة الجينية في الهند وسيرة المؤسس مهافيرا

تُعد الجينية ديانة وضعية هندية قديمة، تتمحور فلسفتها حول الزهد المتشدد ورياضات النسك الشاقة بغية التحرر من التناسخ، وقد تمحورت حول شخصية مهافيرا الذي اختار طريق النسك القاسي للوصول إلى النجاة المزعومة.

مدخل إلى ماهية الديانة الجينية وتصنيفاتها

إن البحث في الأديان يقتضي منا أولًا فهم كينونتها؛ فالدين في جوهره هو اعتقاد بقداسة ذات معينة، أو هو مجموع السلوكيات التي تبرهن على خضوع الإنسان لتلك الذات في تمازج فريد بين الذل والحب، والرغبة والرهبة، ولا يقتصر الدين على المشاعر القلبية، بل يمتد ليشمل كافة العبادات والطقوس التي يتقرب بها الناس إلى معبوداتهم.

ويمكننا تقسيم الأديان بناءً على مصادرها إلى ثلاثة مستويات رئيسة:

  • الأديان السماوية الصحيحة: وتتمثل في الإسلام، الدين الخاتم الذي حفظه الله.
  • الأديان ذات الأصل السماوي: وهي التي اعتراها التحريف أو النسخ بمرور الزمن، كالشرائع اليهودية والنصرانية.
  • الأديان الوضعية: وهي التي لا تمت للسماء بصلة في أصلها، بل هي من وضع البشر وتصوراتهم، ومنها الهندوسية والبوذية والجينية وعموم الوثنيات المنتشرة في العالم [كتاب دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية د. سعود الخلف، ص ١٢-١٣].

مفهوم الديانة الجينية

تعتبر الجينية من أدق الفلسفات الهندية التي تعاملت مع مفهوم الانتصار على الذات.

  • الجينية لغة: تشير في المعاجم اللغوية إلى معنى المنتصر أو الغالب [مقارنة الأديان للدكتور طارق السعدي، ج ١، ص ٢٣٣]، وتُرد التسمية إلى كلمة جينا، وهي ليست اسمًا لعلَم، بل هي صفة تعني الظاهر أو الغالب [أديان الهند الكبرى، أحمد شلبي، ط ٨، ص ١١٤].
  • الجينية اصطلاحًا: هي ديانة فلسفية صارمة تقوم بنيتها الأساسية على احترام الحياة وتقديسها إلى أبعد الحدود [انظر: قاموس المذهب والأديان، حسين علي حمد، ط١، ص ٧٥]، تُعرف الجينية أيضًا بـ جاين دارما، وهي واحدة من الديانات الدارمية التي نشأت في أحضان الهند القديمة، متأثرة بتعاليم الحكيم ماها فيرا

تتميز الجينية بكونها ثورة روحية تحررت من سلطة الكتب المقدسة الهندوسية (الفيدات)، وتقوم فلسفتها على الخوف الوجودي من تكرار المولد أو ما يسمى بـ (التناسخ)، لذا، تدعو الجينية إلى التحرر من كل قيود الحياة المادية والعيش بعيدًا عن المعايير الأخلاقية التقليدية كالعيب والإثم، أو حتى مفاهيم الخير والشر بصورتها النمطية، ويصل الجيني إلى غايته عبر رياضات بدنية قاسية (رهيبة) وتأملات نفسية عميقة جدًا، هدفها النهائي هو إخماد شعلة الحياة في النفس البشرية لتتوقف دورة التناسخ [الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، مانع الجهني، ط٥،ج ٢، ص ٧٤١]

المسميات المختلفة للديانة الجينية وأصولها الاشتقاقية

للديانة الجينية مسميات عدة تعكس تنوع مدارسها وانتشارها، ومنها: الجانتية، الجاينية، الجانستية، الجائية، وجاين دارما، والجينز، والمدرسة الذرية، واليانية، كما تُعرف باسم نغانتا، ومعناها (المستقلون عن كل ارتباط).

وبالرغم من كثرة هذه الأسماء، إلا أنها تعود في جوهرها إلى أصل واحد وهو جينا دهارما، ومنه اشتقت كل تلك التنويعات اللفظية.

مؤسس الديانة الجينية أبرز رجالها

لقد أثار تحديد مؤسس الجينية جدلًا واسعًا بين الباحثين في نشأة الأديان، وهذا التباين في الآراء يعود لكونها ديانة وضعية نابعة من الفكر البشري المتراكم.

يرى فريق من المؤرخين أن الجينية لم يؤسسها فرد واحد، بل هي ثمرة جهود أربعة وعشرين مرشدًا يُطلق عليهم اسم تير شنكر (Tirthankaras)، وهم الرسل الذين يعتقد فيهم الجينيون الألوهية الكاملة [فصول في أديان الهند، محمد الأعظمي، ط ١، ص ١٥٢].

قائمة الـ (٢٤) مرشدًا (تير شنكر) كما يعتقد الجينيون:

 ١- رشبو ديو (Rashabhdew)، ٢- أحت ناث (Ajatnath)، ٣- شبونات (Shanbhunath)، ٤- تندان (Nanadan)، ٥- سمت ناث (Samatinath)، ٦- بدم (Padam)، ٧- سبارش نات (Saparishnath)، ٨-جندرا (Chandra)، ٩- سبدي ناث (Sabadhinath)، ١٠- شيتل ناث (Sheetalnath)، ١١- شريانس (Shariyans)، ١٢- شري باسوديو (Shri Basodew)، ١٣- شري بعمل ناث (Shri Bimal Nath)، ١٤- اننت ناث (Anant Nathjee)، ١٥- شري درهام ناث (Shri Dharamnath)، ١٦- شانتي ناث (Shanti Nath)، ١٧- كنت ناث (Kanthnath)، ١٨- أرانات (Arahnath)، ١٩- مالي ناث (Mali Nath)، ٢٠- مني سوامي (Muni Swami)، ٢١- نامي ناث (Nami Nath)، ٢٢- بنام ناث (Yanam Nath)، ٢٣- بارس ناث (Paras Nath)، ٢٤- مها بيرا أو فرد همانا (Mahabir): وهو خاتم التير شنكر، والرسول الأخير الذي تكتمل به الألوهية في معتقدهم [المرجع السابق، ص ١٥٤].

ويرى المحققون أن مها بيرا هو المؤسس الحقيقي للجينية بشكلها الحالي، حيث جدد أصولها ونشر عقيدتها، معتمدًا في البداية على مبادئ بارسوانات، لكنه أضاف إليها نظامًا رهبانيًا متشددًا جدًّا، وحث على الرياضات الشاقة، وبسبب قوة شخصيته وإلهامه، اشتهرت الطريقة باسمه ونُسبت الديانة إليه حصرًا [انظر: أديان الهند الكبرى، أحمد شلبي، مكتبة النهضة، ط٥، ص ١١٠].

سيرة فردهمانا (مهافيرا) الميلاد والنشأة الملكية

١. المولد والنشأة: ولد فردهمانا عام ٥٩٩ ق.م في مدينة فيسالي عاصمة مملكة موجاده (ولاية بيهار حاليًا)، وتحكي الأساطير أن والدته الملكة تريسالا رأت خمسة عشر حلمًا قبل ولادته، شملت رؤية فيل أبيض، ثور أبيض، أسد أبيض، بدرًا، شمسًا مضيئة، سمكتين، وبحيرة لوتس، وصولًا إلى رؤية عرش عظيم يجلس عليه ملك يحكم المعمورة. فسر الحكماء هذه الأحلام بأن المولود سيكون إما ملكًا فاتحًا أو قديسًا عظيمًا.

٢. لقب مهافيرا: تلقى فردهمانا تربية ملكية، وتعلم فنون الحرب والفروسية، وفي إحدى المرات، وبينما كان يلعب مع أقرانه، هجم فيل هائج ففر الجميع إلا هو؛ حيث ثبت في مكانه وقبض على الفيل وأعاده لمكانه، فلقبه الناس مها فيرا (المها: الكبير، فيرا: البطل).

٣. رحلة الزهد والتحول: عند بلوغه الثانية عشرة، أُلبس الجبة المقدسة على الطريقة الهندوسية، لكنه بدأ يشعر بالنفور من كبرياء القساوسة (البراهمة)، تزوج بيوسادا وعاش حياة هادئة لعشر سنوات، لكنه كان يضمر رغبة عارمة في النسك، بعد وفاة والديه (اللذين أزهقا روحيهما بجوع متعمد تأثرًا بالتقاليد الجينية)، طلب من أخيه الملك الإذن بالزهد، وافق الأخ بشرط تأجيل الأمر سنتين.

بعد انقضاء المدة، خرج مهافيرا من قصره، خلع ملابس الملوك، ولبس ملابس القساوسة الفقراء، ثم في خطوة جذرية، خلع جميع ملابسه لقتل إحساس الحياء في نفسه، وظل يتجول عاريًا، لا يبيت في قرية أكثر من ليلة كي لا تنشأ له روابط اجتماعية، وأمضى اثني عشر عامًا في صيام وصمت مطلق [انظر: التفكير الديني في العالم قبل الإسلام، رؤوف شلبي، ص ٣٠٥-٣٠٧].

حادثة الراعي وإعلان الدعوة:

 خلال ترحاله، التقى براعي غنم طلب منه حراسة الغنم فوافق مهافيرا بصمت، أكل ذئب خروفًا في غياب الراعي، فغضب الراعي وضرب مهافيرا بشدة، ولما وجده صامدًا لا يدافع عن نفسه، قال له: (لا بد أنك رجل مقدس)، بعد هذه الرحلة الطويلة، نال درجة المرشد (ترتنكارا)، وبدأ يبشر بدعوته التي لاقت استجابة واسعة من الملوك والأمراء الذين وجدوا فيها متنَفسًا من سلطة البراهمة.

النهاية (النرفانا):

 في سن الثانية والسبعين، توفي مهافيرا (رقد رقدته الأخيرة) متحررًا من قيود الحياة، فيما يعرف بـ (النرفانا) [انظر: دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، محمد الأعظمي، ط٢، ٦٣٢/٤]، وحُرق جسده في مدينة بافا، التي أصبحت كعبة الجينيين [موسوعة الأديان، محمد العربي، ص ١٥٤-١٥٦]. وتذكر الروايات أنه ظل يلقي مواعظه لستة أيام متواصلة قبل موته، ثم اختفى فجأة في الليلة السابعة دون أن يراه أحد [فصول في أديان الهند، محمد الأعظمي، ص ١٥٢].

تحليل سيرة فردهمانا (مهافيرا) والمنهج

يتضح من سيرة فرد همانا عدة ركائز شكلت وجدان الجينية:

١. التمرد الطبقي: رفض الرفاهية الملكية وثار على نظام الطبقات، وإن عاد أتباعه لاحقًا للانقسام لطبقات.

٢. الشجاعة البدنية: لقب بالبطل لمواجهته الفيل، وهي شجاعة سخرها لاحقًا لمواجهة أهواء النفس.

٣. التقديس السلبي: نال لقب المقدس بسبب استسلامه للضرب (اللاعنف السلبي).

٤. التجرد المطلق: اعتبر العُري التام وسيلة للوصول للكمال الروحي.

٥. الرياضات الشاقة: اعتمد على إهلاك الجسد بالصوم والتعذيب كوسيلة لتطهير الروح.

موقف الإسلام من الديانة الجينية وسيرة مؤسسها

عند عرض معتقدات الجينية على ميزان الإسلام، نجد فوارق جوهرية وأصولية:

١. التوحيد مقابل التعدد: الإسلام يقوم على لا إله إلا الله، بينما الجينية تؤله البشر (التير شنكر) وتجعلهم معبودات من دون الله.

٢. الفطرة والحياء: الإسلام دين الفطرة، وقد أمر بستر العورات والحياء، بينما تعتبر الجينية العُري كمالًا، وهذا تصادم صريح مع ما جبل الله عليه الخلق.

٣. الوسطية مقابل الرهبانية: وفي مراسيل طاووس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا رَهْبانِيَّةَ فِي الإِسْلامِ وَلَا سِيَاحَةَ» [المسند:٣/٨٢]، وفي المعنى مراسيل أخر متعددة.. فالإسلام يحرم تعذيب الجسد أو الانقطاع الكلي عن الدنيا، بينما الجينية تقوم على رياضات بدنية رهيبة وإهلاك النفس بالجوع.

٤. عقيدة الآخرة: الإسلام يقرر أن الإنسان يموت مرة واحدة ثم يُبعث للحساب (جنة أو نار)، بينما الجينية تؤمن بـ التناسخ وتكرار المولد، وهو معتقد باطل يصادم نصوص القرآن والسنة.

٥. مصدر التشريع: الإسلام دين سماوي منزّل من خالق الكون، بينما الجينية ديانة وضعية من صنع البشر وأفكارهم، وهي تخبطات فكرية لا تستند إلى وحي صحيح.

الخلاصة

تعتبر الجينية نموذجًا حيًا للأديان الوضعية التي نشأت كرد فعل اجتماعي وسياسي في الهند القديمة، وقد تمحورت حول شخصية مهافيرا الذي اختار طريق النسك القاسي للوصول إلى النجاة المزعومة، وبالرغم مما تضمنته من دعوات لاحترام الحياة، إلا أنها سقطت في الغلو والرهبانية المبتدعة ومصادمة الفطرة الإنسانية في الستر والحياء، إن دراسة الجينية توضح لنا عظمة الإسلام الذي وازن بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، وحفظ كرامة الإنسان دون الحاجة إلى تعذيب نفسه أو تأليه غيره من البشر.

موضوعات ذات صلة

الانقسامات الجوهرية في الديانة الجينية بعد وفاة مؤسسها مهافيرا، أحد أهم أسباب نشوء فرقتي الديجامبرا والسويتامبرا، وطوائفهما المتعددة.

العلاقة التاريخية والعقدية بين الجينية والهندوسية، توضح كيف تحولت الهندوسية إلى مزيج من المعتقدات المتداخلة بفعل تأثرها بتعاليم مهافيرا.

تؤمن السيخية بالتوحيد الخالص (إله واحد خالد) مع مبدأ الحلول في الكائنات، وتعتبر الخلاص غايتها عبر التأمل الروحي وذِكر الاسم الإلهي.

موضوعات مختارة