Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تداخل العقائد بين الديانة الجينية والديانة الهندوسية

الكاتب

هيئة التحرير

تداخل العقائد بين الديانة الجينية والديانة الهندوسية

العلاقة التاريخية والعقدية بين الجينية والهندوسية، توضح كيف تحولت الهندوسية إلى مزيج من المعتقدات المتداخلة بفعل تأثرها بتعاليم مهافيرا، وتداخل قضايا التناسخ، الكارما، الأهميسا، والرهبانية، وبروز نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما.

التداخل الحضاري بين الديانة الجينية والديانة الهندوسية ونشأة المنظومة الهندوسية المختلطة

لكل أمة عقيدة رئيسة تؤمن بها وتسير وفق نهجها، غير أن الديانة الهندوسية تُمثل حالة استثنائية؛ فهي ديانة لا تتقيد بعقيدة رئيسة محددة أو مؤسس واحد، مما جعلها تتأثر بعمق بأديان الهند الأخرى ولا سيما الديانة الجينية، إن هذا التأثر لم يكن عارضًا، بل كان نتيجة مراحل تاريخية بدأت باختلاط الحضارة الهندية القديمة بالحضارة الآرية.

ويجزم علماء الأديان بأن الآريين في أصولهم الأولى لم يعرفوا عبادة الأصنام، ولكن إثر اختلاطهم بأهل الهند بدأوا بنحت التماثيل محاكاةً لهم، فظهر دين جديد عُرف بالهندوسية، وهو مزيج تارةً يغلب فيه آلهة الآريين (إندرا، وارون، أغني) على آلهة الهند (براهما، فشنو، سيفا)، وتارةً يحدث العكس، وبمجيء مها فيرا قبل الميلاد بخمسة قرون، تأثرت الهندوسية بتعاليمه تأثيرًا قويًا، فأصبحت مزيجًا من معتقدات الآريين، وخرافات أهل الهند، وطقوس الجينية، مما جعل العلاقة بينهما علاقة تداخل بنيوي لا يمكن الفكاك منه [أنظر: دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، محمد ضياء الأعظمي، ط ٤، ص ٦٠٠-٦٧٢].

فلسفة بناء المعابد عند الجينية والهندوسية ورمزية التماثيل العارية

يُعد بناء المعابد ونحت الأصنام من أوضح صور التأثر الهندوسي بالجينية؛ فالديانة الجينية عندما نحتت أصنامًا لمرشديها الـ (٢٤) (التير شنكر) الذين قدستهم، كثرت لديها التماثيل بشكل لافت، ومع مرور الزمن، حذت الهندوسية حذوها، فبنت التماثيل والأصنام العارية والمحلاة بأنواع الحلي والمزينة بالألوان الجذابة [المرجع السابق].

إن المتأمل في المعابد الهندوسية ومعابد الجينية يجد خليطًا من التماثيل للديانات الرئيسة، حيث تنشغل كل مجموعة بمعبودها دون إنكار من طرف على آخر، مما يكرس فكرة التداخل العقدي، وقد وصل التأثر إلى حد محاكاة التفاصيل الدقيقة في نحت الجسد وتصوير القديسين في وضعيات الزهد المطلق التي اشتهرت بها الجينية، مما حول المعبد من مجرد مكان للعبادة إلى متحف يعكس أثر فلسفة مهافيرا في الفن المعماري والديني الهندوسي.

معتقد التناسخ (أواكمن) عند الجينية والهندوسية وأسرار تكرار المولد

يُعد التناسخ -أو ما يُعرف بالهندية بـ (أواكمن awagamana)- الركيزة الأساسية التي تجمع بين الديانتين، وهو انتقال الروح بعد خروجها من جسم إلى جسم آخر (إنسان، حيوان، أو حشرة) تبعًا للأعمال، ويرجع سبب هذا التكرار للمولد في الفكر الهندي إلى أمرين:

 الأول: أن الروح تخرج محملة بأهواء وشهوات مادية لم تتحقق بعد. الثاني: وجود ديون وتبعات أخلاقية تجاه الآخرين لا بد من أدائها [انظر: تاريخ الإسلام في الهند، عبد المنعم النمر، ط ١، ص ٧٦].

ورغم الاتفاق على المبدأ، تختلف الهندوسية في تفاصيلها؛ فهي تعتقد أن الروح تظل تولد حتى تطهر تمامًا وتتحد بـ براهما، وإذا أخطأ الإنسان هدفه، تختار روحه من بين (١٧٤,٠٠٠) جسم من أجسام المواشي والطيور قبل العودة للإنسان [ دراسات في الأديان، الأعظمي، ص ٦٢٢].

أما الجينية، فتؤمن بوجود الروح وجودًا ذاتيًا مستقلًا، وتنتهي دوراتها التناسخية بالزهد المطلق؛ فإذا تطهرت الروح وصلت لدرجة النجاة، وحينها يباح للشخص الانتحار بالجوع لإنهاء حياته، ولذا وُصفت الجينية بالانتحارية [انظر: تاريخ الإسلام في الهند، عبد المنعم النمر، ط ١، ص ٧٦].

قانون الكارما في الجينية والهندوسية بين القضاء الإلهي والكينونة المادية

الكارما في اللغة تعني العمل.

 وفي الاصطلاح: هي قانون الجزاء الذي يقرر أن الإنسان سيجازى على أعماله في دورات حياته المتلاحقة.

وللكارما في الهند ثلاثة أحوال: تسير الحياة الحاضرة، ويمكن دفع نتائجها السابقة بالعلم، وتؤثر في المستقبل [ دراسات في الأديان، الأعظمي، ص ٦٣٢].

وتتفق الديانتان على أن الخلاص من الكارما يتم بالتقشف والتطهر، وهو ما يسميه الجينيون النجاة والهندوس النرفانا [موسوعة الأديان والمعتقدات القديمة، سعدون الساموك، ج ٢، ص ١٠٩].

لكنهما تختلفان في الجوهر؛ فالهندوسية ترى الكارما أمرًا اعتباريًا يحقق قانون الجزاء تحت مشيئة وقدر براهما [مقارنة الأديان، أحمد شلبي، ص ١١٢].

 أما الجينية، فترى الكارما كائنًا ماديًا حقيقيًا يخالط الروح ويمسك بأهدابها، ولا سبيل لتحرير الروح منه إلا بشدة الحرمان والتقشف، كما تعتقد الجينية أن الكارما وحدها هي التي تقضي وتقدر شقاء الإنسان أو سعادته، بعيدًا عن أي تدبير إلهي [عبد المنعم النمر، ص ٧٦].

عقيدة الأهميسا (اللاعنف) وتحول الموقف من ذبح الأبقار

الأهميسا هي الامتناع التام عن إيذاء الكائنات الحية (اللاعنف) مهما صغر شأنها [قصة الحضارة، ول ديورانت، ج ١، ص ٦٠].

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الحضارة الهندية قديمًا (قبل غلبة الجينية) كانت تمارس ذبح البقرة إكرامًا للضيف، وكان يُسمى (غودهن – Godhn) أي مُميت البقرة [الهند القديمة، محمد الندوي، ص ١٤٤].

لقد كانت تعليمات الفيدا تصرح بذبح الخيل والجاموس والبقر، حتى جاءت الجينية فحرمت ذبح أي كائن أو حتى قتل الجراثيم الهوائية، فتأثرت الهندوسية بهذا المبدأ المتشدد وحرمت ذبح الأبقار، واليوم يفتخر الهندوس بشعار أهنسا برمود هرما (أفضل الدين ترك الإيذاء) [فصول في أديان الهند، الأعظمي، ص ١٦٢-١٦٣]، وتضع المعابد شعارات مثل أهميسا هي الدين الأعلى، ويرددون قصائد الشاعر هيما كاندرا التي تصف الأهميسا بأنها النهر والرحيق الذي يشفي الكائنات من عذاب العودة السرمدية للحياة [فكر الهند، ألبير تويتزر، ص ٧٤].

الرهبانية والزي السماوي في الجينية والهندوسية

حثت الجينية على ترك العلائق الدنيوية والسيطرة التامة على الحواس، فتأثر بها النساك الهندوس واعتنقوا حياة الرهبانية [فصول في أديان الهند، الأعظمي، ص ٦٦٣]، وتتمثل مظاهر هذه الرهبانية في الصيام الطويل، والقيام بأعمال مضنية للجسم، أو غرز مسامير في الجسد، أو الانقطاع عن النوم لمدد طويلة موسوعة الأديان والمعتقدات القديمة، سعدون الساموك، ج ٢، ص ١٠٤].

أما فكرة العُري، فهي لم تكن موجودة أصلًا في الهندوسية، بل انتقلت إليها من الجينية التي تزعم أن العري دليل النقاء، وأن من يرى فيه عارًا لن ينال النجاة، متخذين من الهواء لباسًا، وبناءً عليه، بدأ نساك الهندوس يتعرون طوال حياتهم ويطوفون الشوارع في احتفالاتهم، وهو ما منعتهم منه الحكومة الهندية لاحقًا في المناطق الحضرية وسمحت به في الصحاري والغابات [فصول في أديان الهند، الأعظمي، ص ٦٧٣]. إن هذا الزي السماوي يمثل ذروة التأثر الجيني الذي صادم الفطرة الإنسانية في سعيها للستر.

نقاط الانفصال والمنظور النقدي للعلاقة بين الجينية والهندوسية

رغم هذا التداخل العميق بين الجينية الهندوسية إلا أنهما تخالفا وافترقا في نقاط جوهرية مَثلت ثورة اجتماعية، أهمها: إنكار النظام الطبقي الصارم؛ حيث قسم الجينيون الناس وفق قدراتهم على تحمل الزهد لا وفق أجناسهم، كما دعت الجينية لمقاومة استبداد الكهان البراهمة، ورفضت احتكارهم للغة السنسكريتية المعقدة المليئة بالألغاز، ودعت لنبذ الخرافات والأساطير الواردة في كتب الفيدا [مقارنة الأديان، أحمد شلبي، ص ١١٠].

المنظور الإسلامي لمبادئ الجينية والهندوسية

يُقدم الإسلام رؤية واضحة وشاملة تصحح المفاهيم التي قامت عليها المنظومات الوضعية في الهند، حيث يرتكز الموقف الإسلامي على أصول التوحيد والفطرة والعدل:

  • إبطال عقيدة التناسخ والكارما: يرفض الإسلام عقيدة انتقال الروح بين الأجساد (التناسخ)، مؤكدًا أن الإنسان له حياة واحدة ثم موت فبعث وحساب، قال تعالى في محكم التنزيل: {كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} [البقرة: ٢٨] . أما الكارما كقانون جزاء مادي مستقل، فيقابلها في الإسلام مفهوم العدل الإلهي المرتبط بمشيئة الله وقدره، فالمجازي هو الخالق سبحانه وليس كائنًا ماديًا يخالط الروح [انظر: العقيدة في الله، عمر الأشقر، دار النفائس، ص ٩٥].
  • نقد الرهبانية وتعذيب الذات: ينهى الإسلام عن الرهبانية المبتدعة التي تقوم على حرمان النفس من الطيبات أو إيذاء الجسد بالمسامير والجوع المتعمد لنيل النجاة. فالإسلام دين الوسطية، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [صحيح البخاري، كتاب النكاح، رقم ٥٠٦٣].
  • مبدأ الأهميسا وميزان الرحمة: بينما تتطرف الجينية في تحريم ذبح أي كائن حتى لو كان ضارًا، يوازن الإسلام بين الرحمة بالحيوان وبين تسخيره لمصلحة الإنسان، فذبح الأنعام في الإسلام عبادة مشروطة بالإحسان، لقوله  -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» [صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح، رقم ١٩٥٥].
  • الفطرة الإنسانية ومسألة العري: يرفض الإسلام دعوى العري كطريق للنقاء (الزي السماوي)، بل اعتبر الستر من أصل الفطرة ومن أولى نعم الله على الإنسان، قال تعالى: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: ٢٦]، فالعري في المنظور الإسلامي انتكاس عن الفطرة السوية.
  • وحدة المصدر وحفظ النص: يُرجع الإسلام التخبط في الهندوسية والجينية إلى ضياع الوحي الأصلي والاعتماد على الوضع البشري، بينما يظل القرآن الكريم هو المرجع المعصوم الذي لم ينله التحريف، مما يمنع انقسام الأمة حول الأصول الجوهرية للدين [انظر: دراسات في الأديان، محمد الأعظمي، ص ٧٠٢].

الخلاصة

 يتضح من هذه الدراسة أن الجينية كانت المحرك الأساسي لكثير من التحولات في الديانة الهندوسية، خاصة في مجالات بناء المعابد، تحريم ذبح الأبقار، والرهبانية المتشددة، وإن كان بينهما خلاف في بعض التفاصيل، إلا أن العلاقة تظل تداخلية بامتياز، مما يثبت أن هذه المنظومات -باعتبارها وضعية- تظل تتبادل التأثر والتأثير بعيدًا عن ثبات الوحي السماوي، وهذا التأثير لم يتوقف عند الهندوسية، بل امتد ليشمل البوذية، مما يجعل الجينية حجر الزاوية في فهم معتقدات الشرق الأدنى.

موضوعات ذات صلة

تُعد الجينية ديانة وضعية هندية قديمة، تتمحور فلسفتها حول الزهد المتشدد ورياضات النسك الشاقة بغية التحرر من التناسخ.

الانقسامات الجوهرية في الديانة الجينية بعد وفاة مؤسسها مهافيرا، أحد أهم أسباب نشوء فرقتي الديجامبرا والسويتامبرا، وطوائفهما المتعددة.

ديانة يعتنقها غالبية سكان الهند، وقد عُرفت سابقًا بـ "البرهمية" نسبة إلى الإله "براهما"، وقد تطورت على مر القرون.

موضوعات مختارة