Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

القهر الروحي وعقيدة العواطف في الديانة الجينية

الكاتب

هيئة التحرير

القهر الروحي وعقيدة العواطف في الديانة الجينية

تبين عقيدة قهر العواطف في الديانة الجينية وفلسفة الجمود الوجداني التي تنشدها، والارتباط الوثيق بين قتل المشاعر والوصول لمرحلة العري والانتحار المقدس، وغير ذلك من مظاهر التناقض السلوكي بين الإسراف في رعاية الحيوان والجمادات وبين إهمال المعاناة البشرية.

فلسفة الجمود الوجداني في العقيدة الجينية

إن الولوج إلى عالم المعتقد الجيني يكشف لنا عن نسق غريب في التعامل مع الكينونة الإنسانية؛ إذ فرضت هذه الديانة على أتباعها قهر عواطفهم قسرًا، ليس من باب التهذيب الأخلاقي فحسب، بل رغبةً في بلوغ حالة من الجمود الوجداني التام، إن الجيني يسعى جاهدًا لتنتفي عنه الغرائز والرغبات، فلا يفرق في شعوره بين خير أو شر، ولا يستقر في قلبه حب أو كره، بل يستوي عنده الفرح والحزن في بوتقة واحدة من العدم الشعوري، إن الغاية القصوى هنا هي ألا يشعر المرء بألم ولا يتلذذ بمتعة، فإذا استوت لديه المتناقضات، زعموا أنه قد نال الحبور والسرور الحقيقي الذي لا تكدره صروف الدهر، إنها محاولة مستميتة لاقتلاع المشاعر من جذورها حتى يصبح الراهب كيانًا جامدًا لا يحرك ساكنًا تجاه مبهجات الحياة أو منغصاتها.

سيكولوجيا العري في الديانة الجينية

وعلامة التحقق بهذا الجمود الشعوري عند الجينيين هي التخلص مما يستره؛ إذ يعتقدون أن شعور الإنسان بالحياء أو الخجل ما هو إلا دليل قاطع على بقاء التعلق بالدنيا وعوالقها؛ ومن هنا، يرى الجينيون أن قمة قتل العواطف والانتصار على النفس تتمثل في الوصول إلى مرحلة العري التام، إن التجريد من الثياب عندهم ليس مجرد طقس، بل هو إعلان عن موت الحياء الإنساني الذي يعتبرونه عاطفة دنيوية تشد الروح إلى الأرض، فإذا استطاع الناسك أن يمشي بين الناس عاريًا دون أن يطرف له جفن خجلًا، فقد بلغ ذروة الجمود المنشود، ويؤكد الدكتور محمد العربي في هذا السياق أنه يجب على الناسك الجيني اتباع نظام صارم من النسك والتقشف يقهر كل المشاعر؛ بحيث لا يكترث لبرد أو حر، ويستوي عنده الجوع والشبع، والعطش والارتواء، في انفصال كامل عن احتياجات الجسد ومطالبه الفطرية [انظر: موسوعة الأديان السماوية والوضعية، محمد العربي، ص١٦٨].

الانتحار المقدس (الجوع) في الطقوس الجينية

ويعد الانتحار في الفلسفة الجينية واحدًا من أقوى الأدلة البرهانية على أن الراهب أو الراهبة قد قطعا كل صلة تربطهما بالحياة الفانية، إن التخلص من المادية الجسدية يُنظر إليه بوصفه العقبة الأخيرة التي تحول بين الروح وبين النجاة المطلقة، وأفضل صور الانتحار عندهم هو ما يتم عبر الجوع المقدس أو التجويع الإرادي المخطط له؛ لكي تنتصر الروح في معركتها النهائية على إرادة الحياة العمياء.

إن الانتحار بهذا المعنى هو فعل تحريري يوقف الأعمال التي قد تلحق الضرر بالكائنات ذوات الأرواح، وينقذ الجيني من سجن الحياة ليطلقه في فضاء العالم الحر المطلق [انظر: الأديان الوضعية في مصادرها المقدسة، إبراهيم محمد إبراهيم، ص١٢٤؛ والموسوعة الدينية الميسرة، ممدوح الزوبي، ص١٤٥].

طقوس تحريم الزراعة وغلو اللاهيمسا في العقيدة الجينية

ومن العجب العجاب في هذا المعتقد أنهم يُحرمون اللذة الحسية والارتباط بالأشياء الخارجية لدرجة تصل إلى تحريم مهنة الزراعة؛ بدعوى أن حرث الأرض يمزق تربتها ويسحق الحشرات والديدان الكامنة فيها. كما يرفضون تناول العسل باعتباره مادةً تمثل حياة النحل، ويلزمون السالك بتصفية الماء قبل شربه بخشية مفرطة من قتل أي كائن مجهري قد يعيش فيه، ويمتد هذا الغلو ليشمل تغطية الأنف بلفافة قماشية كي لا يستنشق أحياءً عالقة في الهواء، وحمل مكنسة لكنس الأرض قبل الخطو عليها خوفًا من دهس كائن حي، بل إنهم يحيطون المصابيح بستائر واقية لكي لا تجذب النار الحشرات فتقتلها، إنها حياة تقوم على وسواس قسري من الإيذاء، يستهلك جهد الإنسان ويخرجه عن طوره الطبيعي الذي أراده الله له كخليفة في الأرض.

التناقض في الجينية بين تقديس الحيوان والجماد وإهمال المعاناة الإنسانية

بينما تشتد الجينية في تحريم ذبح الحيوانات وأكلها، وتصل بها الرقة إلى إقامة المستشفيات والمصحات الفاخرة للحيوانات الهرمة أو المصابة، نجدها في المقابل تتبنى موقفًا سلبيًا تجاه المعاناة البشرية، إنها مفارقة مؤلمة أن ترى الملايين من البشر يموتون جوعًا ومرضًا في الشوارع، بينما لا تحرك الجينية ساكنًا لإنقاذهم، في حين تنفق الملايين والمليارات على تشييد المعابد الضخمة وصناعة التماثيل والنصب من أجود وأغلى الخامات العالمية [انظر: موسوعة الأديان القديمة معتقدات آسيوية، كامل سعفان، مدينة مصر، ط١، ص١٩٤]، إن هذا التناقض يكشف عن خلل في ترتيب الأولويات؛ حيث قُدِّس الحيوان والجماد، وأُهمل الإنسان الذي هو أكرم مخلوق عند الله.

المنظور الإسلامي لتهذيب العواطف وتحريم القهر والجمود

إن الإسلام العظيم قد جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويهذب العواطف لا ليقتلها؛ فالإنسان بغير عاطفة هو جماد، وبغير ضابط لعاطفته هو حيوان، لذا جاء المنهج الرباني وسطًا عدلًا:

أ- فطرة المشاعر: الإسلام يقر بوجود المشاعر ويجعل منها طريقًا للعبادة؛ فالحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، والحزن على المصاب رحمة، قال - صلى الله عليه وسلم - حين بكى على ولده إبراهيم: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا» [رواه البخاري:١٣٠٣].

ب- كرامة الجسد والستر: يرفض الإسلام دعوى العري للوصول للكمال، بل جعل الستر والحياء زينة الإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» [رواه البخاري:٦١١٧]، فالحياء دليل الإيمان وليس دليلًا على التعلق بالدنيا كما تزعم الجينية.

 جـ- حرمة الانتحار: الإسلام يقدس الحياة ويحرم قتل النفس مهما كانت الأسباب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾ [النساء: ٢٩]، ويعتبر الانتحار كبيرة توجب الوعيد، بينما تراه الجينية قمة النجاة.

 د- عمارة الأرض: الإسلام أباح الزراعة والصيد والانتفاع بالطيبات في حدود العدل، يقول تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنشَأَ جَنَّٰتࣲ مَّعۡرُوشَٰتࣲ وَغَیۡرَ مَعۡرُوشَٰتࣲ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّیۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهࣰا وَغَیۡرَ مُتَشَٰبِهࣲۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦۤ إِذَاۤ أَثۡمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ یَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ * وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ} [الأنعام: ١٤١-١٤٢]، وجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، لكنه لم يجعل من ذلك قيدًا يشل حركة الإنسان أو يمنعه من عمارة الكون.

هـ- أولوية الإنسان: الإسلام جعل حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  - صلى الله عليه وسلم -  يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا»، وجعل إطعام المسكين ومداواة المريض من أسمى القربات، يقول المولى عز وجل: {مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ} [المائدة: ٣٢]، رافضًا تقديم الحجر والحيوان على كرامة الإنسان.

الخلاصة

إن عقيدة العواطف في الجينية هي محاولة لسلخ الإنسان عن بشريته وإدخاله في نفق مظلم من الجمود والعدمية، إن قهر المشاعر والوصول للعري وإباحة الانتحار كلها مظاهر تعكس تخبط العقل البشري حين يبتعد عن نور الوحي، ويظل الإسلام هو الدين الذي وازن بين الروح والجسد، وبين العاطفة والعقل، ليحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة دون إفراط أو تفريط، ودون أن يطالب المرء بأن يكون جمادًا لكي ينال رضا الخالق تبارك وتعالى.

موضوعات ذات صلة

تُعد الجينية ديانة وضعية هندية قديمة، تتمحور فلسفتها حول الزهد المتشدد ورياضات النسك الشاقة بغية التحرر من التناسخ.

الانقسامات الجوهرية في الديانة الجينية بعد وفاة مؤسسها مهافيرا، أحد أهم أسباب نشوء فرقتي الديجامبرا والسويتامبرا.

العلاقة التاريخية والعقدية بين الجينية والهندوسية، توضح كيف تحولت الهندوسية إلى مزيج من المعتقدات المتداخلة.

موضوعات مختارة