وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تمثل الديانة البوذية منظومة من التصورات الفلسفية والاعتقادية التي تبلورت عن تعاليم بوذا، وتقوم في جوهرها على رؤية مفادها: أن الوجود الإنساني في هذه الحياة الدنيا محكوم بالشر والمعاناة، وأن الخلاص من هذا الكدر يكمن في التلاشي ضمن الوحدة الكلية التي يُطلق عليها (النِّرْفَانا)، ويتحقق ذلك المسلك عبر الزهد المتجرد ومغالبة الأهواء والنزعات الحسية، كما أنها تؤمن بمبدأ التناسخ، في حين تنفي الجوانب الروحية والبعث والحساب [انظر: مقارنة الأديان المعتقدات والأديان وفق منهج القرآن، سعدون الساموك، ص ٨٥]. وفي المقابل، تظهر الديانة الجينية كجملة من المفاهيم الفلسفية والدينية المنبثقة عن تعاليم فَرْدَهْمَانَا، وتتفق في أساسها على أن عيش الإنسان في هذا العالم مليء بالشرور والآلام، وأن سبيل النجاة منها يكون عبر نهج الزهد الصارم والتقشف الحاد، تطلعًا للانعتاق من أسر هذا العالم [انظر: تيارات الفلسفة الشرقية، محمد سليمان حسن، ص ١٦٧].
وتلتقي البوذية مع الجينية في الإيمان بعقيدة تناسخ الأرواح، ومقتضى ذلك أن الإنسان بعد مفارقته للحياة تنتقل روحه لتستقر في كائن آخر، فتكون في مرتبة أسمى إن كان المرء صالحًا تقيًا، وفي مرتبة أدنى إن كان طالحًا شقيًا، إلا أن هاتين الديانتين تختلفان عن الهندوسية في تبرير هذا الاعتقاد، وبالأخص فيما يتعلق بآثاره على البناء الاجتماعي ونظام الطبقات، الذي يزعم أن ما يقدمه المرء في حياته السابقة من خير أو شر يحدد بالضرورة انتقال طبقتهم الاجتماعية إلى مستوى أعلى أو أسفل [انظر: الديانات الوضعية الحية في الشرقين الأدنى والأقصى، محمد العربي، ص ٨٥].
ويظهر تباين بين المسلكين في مسألة تناسخ أرواح القديسين؛ فأرواح القديسين لدى الجينيين لا تخضع للتناسخ، وهم في منزلة فوق الجميع؛ لأن سائر الخلق لديهم يمرون بدورة التناسخ دون بلوغ رتبة (القديس - العارف)، بخلاف الحال عند قديسي البوذية، فهم لا يتحررون من التناسخ إلا بعد تخطي عوائق محددة كالشك، والنزوع الحسي، والجهالة والغطرسة، والوهم والارتباط الحرفي بالطقوس، وسوء الإدارة. فمتى استطاع البوذي تجاوز هذه العقبات نال رتبة القديس (أَرْهَات) الصديق المستحق وهو الذي تجاوز العوائق، واتبع الطرق، وبلغ أبواب النيرفانا. [انظر: الفلسفة في الهند قطاعاتها الهندوكية والإسلامية، علي زيغور، ص ٢٨٠].
ويمكن إجمال فلسفة بوذا في قيمتي (السلام والمحبـة)، والمقصود بهما إفشاء السلام لكل الموجودات وحب فعل الخير، فعلى البوذي قهر غضبه بالرحمة، ودفع السيئة بالتي هي أحسن ومقابلة البغضاء بالحب، إذ يستحيل محو الكراهية بمثلها، ومن جملة وصايا بوذا: الامتناع عن قتل أي كائن حي، وعدم السرقة أو استباحة ما لم يُمنح لك، والصدق التام وتجنب الكذب، والابتعاد عن الأيمان الملوثة بالدنس، وعدم تعاطي المسكرات أو المخدرات في أي حين [قصة الديانات، سليمان مظهر، ص ١٤٠].
ويتطابق هذا مع مبدأ (اللاعنف) تجاه الإنسان وكافة الكائنات الحية، وهو المبدأ المعروف بـ (الأَهِيْمسا) في العقيدة الجينية، والذي يرتكز على خمسة عهود وهي: ترك قتل ذي روح، وتجنب الكذب، وعدم أخذ مال الغير بغير حق، وصيانة العفة، والإعراض عن الملاذ الخارجية بشتى صورها [قصة الحضارة، الهند وجيرانها، ول ديورانت، ٣/ ٦٠].
وتُصنف الجينية والبوذية ضمن النحل الإلحادية نظرًا لرفضهما فكرة الآلهة؛ ظنًّا منهم أن القول بوجود إله أو آلهة قد يؤدى إلى وجود طبقة من الكهنة يتحكمون في الناس ويستبدلون بهم، ويحتكرون الوساطة بين الناس والآلهة، ولهذا ألغى "مهاويرا" فكرة الألوهية من أساسها وهو يعتقد أنه لا يوجد روح أكبر وأعظم يُرد إليه خلق هذا الكون، وإنما كل ما في الكون من إنسان أو حيوان إنما يتكون من جسم وروح، فالروح خالدة مستقلة يجري عليها التناسخ من جسم إلى جسم، بيد أن الأتباع سلكوا مسارًا مغايرًا بعد رحيل المؤسسين؛ إذ أسبغ البوذيون صفة الألوهية على بوذا لاعتقادهم بأنه كيان لاهوتي نزل إلى الأرض ليخلص البشرية من الشرور المحيطة بها [مفهوم الألوهية عند الجينية عرض ونقد ص١١٣-١١٤ بحث منشور بحولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية المجلد الرابع من العدد الخامس والثلاثين، أديان الهند الكبرى الهندوسية الجينية البوذية، أحمد شلبي، ص ١٦١-١٦٣].
أما الجينيون، فلما أحسوا بوجود فجوة كبرى في معتقدهم جراء إنكار فَرْدَهْمَانَا لإله يكتمل به نسق الدين، قاموا بتأليهه، بل وجعلوا من الجيناوات الأربعة والعشرين أربابًا لهم، ويبدو أنهم تأثروا في ذلك بالمناخ الفكري الهندي الذي ينزع غالبًا نحو تعدد الآلهة، كما أن شيمة المسالمة والملاينة لديهم قادتهم لاحقًا للاعتراف بآلهة الهندوس وإجلالها، وإن لم يبلغوا بها حد التقديس البرهمي، وأكدوا على ضرورة احترام براهمة الهندوس بوصفهم فئة ذات شأن في المنظومة الهندوسية [تيارات الفلسفة الشرقية، محمد سليمان حسن، ص ١٦٩].
لم يعتنِ بوذا بجوانب الميتافيزيقا أو الدين التقليدي، بل انصب اهتمامه الكلي على الأخلاق وجوهر الذات البشرية، فاهتم بسلوكيات الفرد، واعتبر الميتافيزيقا مجرد أساطير خرافية، مؤكدًا أن قداسة الإنسان لا تنبع من الغيبيات أو الطقوس، بل من ضبط الذات ونكرانها عبر رؤية النفس في الآخرين والتحرر من الأنانية.
أما في الديانة الجينية، فإن الحقيقة على المستوى المعرفي الميتافيزيقي تعد مطلقة ومنزهة عن الخطأ، وهي حكر على الطائفة الجينية، وثمة تمايز في تصور العالم ومعرفته بين الجينية والبوذية؛ فالمعرفة بالعالم في المنظور البوذي تستند إلى أربع حقائق أساسية: حتمية وجود الألم، وعلة الألم وهي الشهوات، وقابلية هذه العلة للمحو، والطريق لإزالة الألم عبر القول والمسلك والتأمل الصحيح [انظر: تيارات الفلسفة الشرقية، محمد سليمان حسن، ص ١٦٨-١٧٣].
أما المعرفة في النسق الجيني فترتكز على خمس حقائق: (ماتي) العلم العادي، و(شروتي) المعرفة الرمزية، و(أنادهي) الإدراك المباشر، و(مانا هياريايا) معرفة الأفكار، و(كفالا) المعرفة الكاملة، والغاية القصوى للعلم الحق هي الإلمام بالعالمين المادي والروحي، وهو ما يستلزم طهارة الروح ونفاذ البصيرة [انظر: تيارات الفلسفة الشرقية، محمد سليمان حسن، ص ١٦٢-١٦٣].
ويوجد تماثل لافت بين مَهَافِيرا وبوذا في النشأة والنزعة الفلسفية؛ فقد نبت كلاهما كأمير هندوسي من طبقة الكشترية، وتزوجا وعاشا في رغد، قبل أن يقررا هجر البيوت والعيش كرهبان متسولين، بعدما رصد كل منهما ثغرات في الهندوسية، وفيما يخص الفلسفة، فقد سار كلاهما على نهج البرهمية في الاعتقاد بالكارما والتناسخ والنيرفانا والرهبانية، واعتزال العلائق الدنيوية [دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، محمد الأعظمي، ص ٦٧٠]، مع الاشتراك في الإيمان والولاء، والرهبة من سخط الآلهة، والعناية بالحج، وتلاوة الأسفار المقدسة، مع رفض الميراث الفيدي وتقديس الطبقات، وهم كالبوذيين ينقسمون لمرتبتي الكهنوت والعلمانيين، غير أنهما افترقا في رسم ضوابط السلوك القويم؛ فسلك بوذا (الطريق الوسط) القائم على الاعتدال، بينما آثر مَهَافِيرا مسلك تعذيب الذات، معتقدًا أن الإجهاد البدني والتجويع يقودان الإنسان لبلوغ الحياة الفاضلة [أنظر: موسوعة الأديان القديمة، كامل سعفان، ص ١٩٥].
إننا ونحن نستعرض هذه التجارب الإنسانية في البحث عن السكينة، لا يسعنا إلا أن نرى عظمة الوحي المحمدي الذي جمع بين الروح والمادة في توازن فريد، فالإسلام أقر قيم السلام والرحمة والزهد، ولكنه رفض رهبانية الابتداع وتعذيب الجسد، قال تعالى: {وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ } [الحديد: ٢٧] .
وبينما تنشد البوذية والجينية العدم أو التلاشي في النيرفانا، ينشد المسلم البقاء في جنات النعيم بالقرب من ربه، إن التناسخ فكرة تتصادم مع صريح القرآن الذي يقرر وحدة الموت والحياة: {كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} [البقرة: ٢٨] ، أما الأخلاق التي نادى بها بوذا، فقد جاء نبينا -صلى الله عليه وسلم- ليتممها ويربطها بخالقها، فقال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [مسند أحمد٨٩٥٢]، فالحق أن تلك الفلسفات والديانات الوضعية لن يجد فيها الإنسان راحة أو سعادة حقيقية؛ وذلك لأنها تفتقد أبسط مقومات تلك الراحة أو السعادة وهو التوازن بين الروح والمادة (البدن)، ذلك التوازن الذي راعاه الإسلام؛ وبالتالي فلن يجد باحث عن الحق والنور ضالته إلا في الإسلام حيث الرحمةُ للعالمين، واستقامةُ الروح والبدن معًا.
إن تأمل الديانتين الجينية والبوذية يضعنا أمام جهود مضنية للروح البشرية في سعيها للانعتاق من قيود المادة وآلام الوجود، وهي تجربة قامت أساسًا كرد فعل ضد الانغلاق الطبقي، لكنها غرفت من مشكاة الفكر البشري القاصر الذي انتهى بتأليه الأشخاص وعبادة الذات في صور شتى، ورغم ما تحمله هذه المنظومات من بريق أخلاقي في الأهيمسا واللاعنف، إلا أنها بقيت محاصرة في أفق العدمية وافتقاد نور النبوة الذي يبني الأرض ولا يفر منها، مما يؤكد أن الإسلام هو السفينة الجامعة التي تجمع بين تبتل الروح وعمران الحياة، إن الوعي الأزهري يدعونا لاحترام المشترك الإنساني في القيم، مع التمسك بالفرائد العقدية التي تجعل الإنسان عبدًا لله وحده، لا أسيرًا لفلسفة أو وثن، وهو الملاذ الأخير لسلام البشرية ونجاتها.
تُعد الجينية ديانة وضعية هندية قديمة، تتمحور فلسفتها حول الزهد المتشدد ورياضات النسك الشاقة بغية التحرر من التناسخ.
نشأت البوذية في آسيا نسبةً إلى مؤسسها بوذا، الذي يعني اسمه المستنير أو العالم.
العلاقة التاريخية والعقدية بين الجينية والهندوسية، توضح كيف تحولت الهندوسية إلى مزيج من المعتقدات المتداخلة بفعل تأثرها بتعاليم مهافيرا.