يشكل فهم مفهوم "الدين" مدخلًا أساسيًّا لدراسة أي
معتقد أو نظام عقدي؛ إذ يحدد هذا الفهم طبيعة العلاقة بين الإنسان وما يعبده،
ويكشف عن الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة، وفي سياق دراسة ديانة
"فودون" في جمهورية بنين، يقتضي الأمر الوقوف أولًا على المعاني
اللغوية والاصطلاحية لكلمة "الدين"، قبل الانتقال إلى تحليل مدى انطباق
هذه المعاني على المعتقدات الفودونية.
أولًا: معنى الدين في اللغة:
لفظة "الدين" من الألفاظ ذات الثراء الدلالي في اللغة
العربية، فهي مشتقة من الفعل الثلاثي (دان)، وتدور معانيه على ثلاثة أصول تكاد
تكون متلازمة، ويختلف المعنى باختلاف تعدية الفعل [ينظر: لسان العرب لابن منظور،
(١٣/ ١٦٩-١٧١)].
فإذا تعدى الفعل "دانه" بنفسه، كان معناه: ملكه، وساسه،
ودبره، وقهره، وحاسبه، وجازاه وكافأه، فالدين في هذا الاستعمال يدور على معنى
الملك والتصرف، بما هو من شأن الملوك من السياسة والتدبير والحكم والقهر والمحاسبة
والمجازاة؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾ [الفاتحة: ٤]، أي: يوم المحاسبة والجزاء.
وفي الحديث عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ» [رواه الترمذي]، أي:
حكمها وضبطها وحاسبها.
وإذا تعدى الفعل باللام، فقيل: "دان له"، صار معناه: خضع له
وأطاعه، فالدين هنا هو الخضوع والطاعة، والعبادة والورع [ينظر: الدين للدكتور محمد عبد الله
دراز، (ص: ٤١-٤٣)].
وإذا تعدى الفعل بالباء، فقيل: "دان به"، أصبح معناه: اتخذه
دينًا ومذهبًا، واعتاده، وتخلق به، واعتقده. فالدين – على هذا – هو المذهب
والطريقة التي يسير عليها المرء نظريّا أو عمليّا، فالمذهب العملي لكل امرئ هو
عادته وديدنه وسيرته، والمذهب النظري هو عقيدته ورأيه الذي يعتنقه [ينظر: المصدر السابق].
ومن هنا يمكن القول: إن المادة كلها تدور على معنى لزوم الانقياد،
وتشير إلى علاقة بين طرفين يُعظم أحدهما الآخر ويخضع له، ويبدو واضحًا أن
التعريف اللغوي هنا أوسع وأشمل في المعنى من التعريف الاصطلاحي، ويُفهم من خلال
هذه المعاني اللغوية للدين أنه يقهر أتباعه ويسوسهم وفق تعاليمه وشرائعه، كما
يتضمن خضوع العابد للمعبود وذلته له [ينظر: دراسات في الأديان، ص: ١١)].
ثانيًا: الدين في الاصطلاح:
لقد تضاربت آراء الباحثين في تعريف كلمة الدين اصطلاحًا؛ حيث عرفه كل
منهم حسب مشربه، وما يرى أنه من أهم سمات الدين.
فأكثر المسلمين يعرّفون الدين بأنه: "وضع إلهي سائق لذوي العقول
السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل" [الدين، د. محمد عبد
الله دراز، (ص: ٤٤)]، ويلاحظ في هذا التعريف قصره على الدين الحق
الذي ارتضاه الله لذوي العقول السليمة من الناس، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الرعد: ١٩]، وقال: ﴿وَمَا
یَعۡقِلُهَاۤ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]،
ومنهم من عرفه بأنه: "الشرع الإلهي المتلقى عن طريق الوحي" [دراسات في الأديان،
(ص: ١١)].
ويُفهم من هذا التعريف أن غير الشرائع السماوية من الأديان التي لا
تتلقى بالوحي لا يُسمى دينًا، وهذا غير صحيح في نظري؛ لأن كل ما يتخذه الناس
ويعتنقونه ويتعبدون به، فهو دين، سواء كان حقًا أو باطلًا، والمعتمد في ذلك قوله
تعالى: ﴿وَمَن یَبۡتَغِ غَیۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِینࣰا فَلَن
یُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِینَ ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿لَكُمۡ
دِینُكُمۡ وَلِیَ دِینِ﴾ [الكافرون: ٦]، وقوله تعالى في شأن المشركين: ﴿بَلۡ
قَالُوۤا۟ إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ
ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]،
والمراد بالأمة هنا: الملة والدين [ينظر: تفسير الطبري، (٢٠/ ٥٦٩)؛ وتفسير ابن كثير، (٧/
٢٠٧)]؛ فسمى الله ما عليه المشركون في الجاهلية من
الوثنية دينًا.
أما عند الغربيين، فقد أورد لهم الشيخ الدكتور محمد
عبد الله دراز – رحمه الله – تعريفات عديدة، كلها لا تسلم من النقد؛ لكونها غير
جامعة ولا مانعة في تحديد الحد [ينظر: الدين، د. محمد
عبد الله دراز، (ص: ٥ وما بعدها)]، فعلى سبيل المثال، ما ذكره الفيلسوف
"كانت" (Emanuel Kant) (١٧٢٤-١٨٠٤م) من أن
الدين: "هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية" [موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة، (١/ ٤٤٧)]، فنجد
أنه يُركز على الجوانب الأخلاقية فحسب، بينما غيره يُركز في تعريفه على جوانب
التفكر والتأمل، كما يقول "روبرت سبنسر" (Robert Spencer) (١٩٦٢م): "الإيمان
بقوة لا يُمكن تصوّر نهايتها الزمانية ولا المكانية، هو العنصر الرئيسي في الدين"،
ويقول "إميل دوركايم" (Émile Durkheim) (١٨٥٨-١٩١٧م): "الدين
مجموعة متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلقة بالأشياء المقدسة، اعتقادات
وأعمال تضم أتباعها في وحدة معنوية تُسمى الملة" [دراسات في المذاهب الفكرية
المعاصرة، (ص: ٢٣)].
ويلاحظ في هذا التعريف الأخير أنه جامع للتصور الأولي للظاهرة
الدينية، من غير تقييده بالشرائع السماوية.
ولعل مما يمكن الاستئناس به من التعريفات لكلمة (الدين) وتطمئن إليه
النفوس، ما عبر به عن الدين بأنه: "هو اعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي
يدل على الخضوع لتلك الذات ذلًا وحبّا، رغبة ورهبة" [دراسات
في الأديان، (ص: ١٢)]، وعند إمعان النظر في هذا التعريف، قد يجد الكل بغيته
فيه؛ لشموله للمعبود، سواء كان معبودًا حقًا وهو الله سبحانه، أو معبودًا باطلًا
وهو ما سوى الله مما يعتنقه الناس ويتعبدون له. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ
بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ
ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِیُّ ٱلۡكَبِیرُ﴾ [الحج: ٦٢] ، ولم
يُغفل التعريف إثبات قصد العابد من العبادة، وهو إما رغبة أو رهبة، أو رغبة ورهبة
معًا.