هذا المطلب يُقرب إلينا اشتقاقات ومفاهيم مصطلح (فودون) ومدلولاتها.
ولكن قبل الولوج في تفاصيل هذا، ينبغي أن نعرف أن كتابة (فودون) تتم بطرق
مختلفة، وهي مؤدية لمضمون واحد، فيكتب هكذا: (Vaudou) أو (Vodoun) أو (Vodou) أو (Vaudu) أو (Vodu).
أولًا: قبيلة فون (FON): هي قبيلة مشهورة في وسط جنوب بنين
تعيش في مدينتي أبومي وألادا، وهي ثانوية للغة الفرنسية التي تعتبر اللغة الرسمية
في الدولة، تفرعت من قبيلة أجا (Adja) التي تعد من القبائل البارزة في جنوب
بنين، وأصلهم من تادو (Tado)
في جنوب شرق دولة توجو
[ينظر: Le
concept de sacre dans la culture vodoun du people ewe (Togo) par Kossi Ekoue، ص: ١٩]
ثانيًا: قبيلة إيوي (EWE): هي من قبائل دولة توجو في المنطقة
الجنوبية لدولة بنين، وتُعرف أيضًا بأجا تادو (Adja-tado) أو أجا
إيوي (Adja ewe)،
يرجع أصلها إلى مملكة يوربا بمدينة أويو من الجنوب الغربي في نيجيريا، وتعتبر
منطقة تادو المدينة الأولى التي سكنها شعب (إيوي) ومنها انتشر في كل مكان داخل
توجو وغانا عبر بنين [ينظر: المصدر نفسه، (ص: ١٣)].
والآن نأتي إلى الارتباك الدلالي والتعقيد الاشتقاقي والمعنوي حول
مصطلح فودون، ومن خلال البحث والحرص على إثبات الحقائق العلمية لمعنى فودون
ومدلولاته، أدركت أن كلمة فودون لا تملك تعريفًا ثابتًا؛ لكثرة التعاريف الواردة
في معناه، ولأن الكل يُثبته حسب مشربه، وما يؤديه إليه هواه.
في تحديد معنى فودون ومدلولاته:
يرى بعض الباحثين أن اسم "فودون" (Vo-doun) مركب
من كلمتين: الأولى: "فو" (Veau) وتعني (العجل)، والأخيرة: "دون" (D'or) وتعني
(الذهب). هكذا نرى أن كلمة (فودون) مشتقة من مصطلح "العجل الذهبي" (Veau d'or) باللغة
الفرنسية، ولأجل الاختصار والتخفيف في النطق انسجامًا مع لغة (فون) (Fon) صارت
"فودون"
(Vodoun) بزيادة "النون" في آخر الكلمة [ينظر: Le Vodun ne fait pas rever, De Roger
Gbegnonvi، ص: ٦٨].
ولنا أن نسأل: ما علاقة (فودون) الذي يُعتبر ديانة لقوم لغتهم
الأفريقية – باللغة الفرنسية ودور "العجل الذهبي" (Veau d'or) فيها؟
الجواب: أن هذا من خيانة المبشرين البنينيين أنفسهم، الذين كانوا روادًا
لديانة النصرانية في ثلاثينيات القرن العشرين، وعملوا على إغراق دين آبائهم
وأجدادهم في اختلاطه بالدين النصراني، وصبغوا معتقدات فودون الوثنية بمفاهيمهم
ومعارفهم المغرية؛ ليتمكنوا من المهمة الموكولة إليهم في تنصير البلاد كلها دون
معارضة من بني قومهم. فقال هؤلاء الكهنة المتشبعون بالفلسفات الكنسية: إن (فودون)
مذكور في الكتاب المقدس – العهد القديم – في الفصل ٣٢ من سفر الخروج باسم
"العجل الذهبي" (Veau D'or)، وقدموا هذه الفلسفة وروّجوها للناس، شارحين
ومدافعين عن ديانة مخلوطة بالفلسفة الوثنية في ثوب ديانة توحيدية سماوية؛ لتحقيق
أهداف انتشار النصرانية [ينظر: المصدر نفسه، (ص: ٦٨)، بتصرف].
ويقول السيد شَيبيمْي جاك أَهْوَعَسُو (Ahouanssou Djak Tchekpemi)
وهو معلم فرنسي في المدارس الحكومية والأهلية، وصحافي وناشط ثقافي،
وباحث اجتماعي في الأنثروبولوجيا – مؤكدًا ومؤيدًا لما سبق مع الزيادة: «مفهوم
فودون مستمد من عبارة (العجل الذهبي) المستخدم في الكتاب المقدس، وتُرجم له من
التجسد الإلهي؛ أي: عقيدة الاتحاد [والمراد بها عند النصارى: أن الله - تبارك
وتعالى - اتخذ جسد المسيح صورة، وحل بين الناس بصورة إنسان هو المسيح، تعالى الله
عما يقولون علوّا كبيرًا، ويقول الرجل نفسه: فودون: هو إله، إنها روح، شيء لا
نراه. إنها روح تعيش في العالم. وهذا كله هو تجسيد كل شيء، روح الحياة. كل من يموت
يُصبح فودون، وبالتالي أي مظهر من مظاهر القوة التي لا يمكن تعريفها هي (فودون) [ينظر: دراسات في
الأديان، (ص: ٢٩٦)].
ويقول السيد أرمياء سوغلو (Jérémie Soglo) – وهو مرشد سياحي
من قبيلة الرئيس السابق للدولة نيسيفو سوغلو (Nicephore soglo) – ما
نصه: «إن أصل كلمة فودون تعني: (يا دوبو وي بو جي فو دون) (Vodon Bodje hwe Dopo Yeh) وهي
لغة فون (Fon)،
وترجمته بالعربية: (نقصت روح واستقلت هنالك) فهي كناية عن الموت، إذا فارقت الروح
الجسد، فإذا تركت الروح الجسد، فإن الشخص المعني قد مات، فيدل ذلك على نقصانه من
الأسرة، فصارت هذه الروح مستقلة في عالم آخر غير مرئي، فكأنه مجرد تغيير حالة إلى
حالة أخرى ليتم تكريمها فيما بعد بأنواع الطقوس. فبكل اختصار شديد، أنه لما جاء
المستعمرون صَعُبَت عليهم الجملة نطقًا، فجنحوا إلى الاختصار والتخفيف، فاقتصروا
على آخر العبارة الذي هو (فودون) (Vodoun) بمعنى: (كُن مستقلًا هنالك بالسلام).
وقيل: أصل كلمة فودون: (فو دو دون يحيوي) (Yehwe
don do Vo) يعني
(كُن بالسلام هنالك يا روح نقية) [ينظر: Le
Vodun ne fait pas rever, De Roger Gbegnonvi، ص: ٧٠].
وجاء في كتاب "المفهوم المقدس في ثقافة ديانة فودون" أن كلمة فودون مركبة من كلمتين: (فو) (Vo) والتي
تعني: "فارغة أو غير مرئية"، و(دون) (Doun) تعني:
البلد. ليصبح المعنى الحقيقي لها: (عالَم أو بلد فراغ غير مرئي).
Le concept : de sacre dans la culture vodoun du people ewe
(Togo) par Kossi Ekoue،
الاعتراضات الواردة والنقد:
بعد استعراض البعض من المدلولات في تحديد أصل المعنى لكلمة فودون
ومفاهيمها، نقف على كل واحد منها بشيء من التحليل والنقد.
الاعتراض الأول: سبق الاعتراض على
التعريفين الأولين في أن فودون مستمد من الكتاب المقدس (العهد القديم)، وهذا صنيع
المبشرين البنينيين بأمر من أساقفتهم، وانتحل ذلك إلى العجل الذهبي كما ورد ذلك في
سفر الخروج المزعوم، وهذا منهم إغراء لأهل فودون وتحكم؛ ليتمكنوا من تنصيرهم. وليس
عجبًا، فإن اليهود والنصارى أهل للخيانة والظلم، ولا يدينون دين الحق، فقد تأثروا
بالوثنيات والفلسفات الوثنية في قديم الدهر.
ومن الأمثلة على أن النصارى قد أخذوا عقائد الوثنيين ممن قبلهم: عقيدة
التثليث المراد بها عند النصارى: أنه – تعالى – جوهر واحد وثلاثة أقانيم: أقنوم
الأب (يعنون به: ذات الباري عز اسمه)، وأقنوم الابن (أي: الكلمة)، وأقنوم روح
القدس (أي: الحياة). [ينظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص: ٢٨٢)]، وهي
الأساس للديانة المسيحية المعاصرة ومحورها، وهي مأخوذة من الوثنيين الشرقيين
القدماء، كما أنها قد وُجدت في مصر والهند والصين والأمم الغربية القديمة [ينظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، (ص: ٣١ فما بعده)].
على أن "بولس الرسول" [هو شاؤول الطرسوسي، أحد ألد أعداء المسيح - عليه السلام - كان يهوديّا
متعصبًا لليهودية، ولد وتربى في طرسوس التي كانت مركزًا للفلسفة وتنوع الثقافات
الوثنية، ينظر: دراسات في الأديان (ص: ٣٥٢)] هو
الذي تبنى فكرة التثليث وأدخلها في النصرانية، وليست منه العقيدة أصلًا كما يظن
البعض، ومن المؤكد أن النصرانية المحرفة استمدت فكرة الأقانيم الثلاثة من
الهندوسية، أو من العقيدة المصرية القديمة، فخرجت على الناس بمعتقد التثليث: الأب
والابن وروح القدس، وهذا هو التثليث الذي أخذته النصرانية بعد انحرافها من
الوثنيين.
أما عن دعوى التجسد الإلهي، فهو من تخرصات النصارى التي لا تستند إلى
مصدر علمي يُصار إليه؛ لأن ما بُني على باطل فهو باطل؛ إذ ما يزعمونه أنه كتاب
مقدس فليس بمقدس، فقد حرفوه وبدلوه وغيروه. قال الله تعالى: ﴿فَوَیۡلࣱ
لِّلَّذِینَ یَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ یَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ
عِندِ ٱللَّهِ لِیَشۡتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۖ فَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا
كَتَبَتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا یَكۡسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال
تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِیقࣰا یَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم
بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ
وَیَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَیَقُولُونَ
عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].
والحاصل أن أتباع فودون آنذاك – قد انخدعوا بانتحال ديانتهم إلى
الكتاب المقدس وإلى نبي الله موسى وهارون - عليهما السلام - في قصة العجل المزعومة،
ففرحوا بذلك الانتماء تشريفًا، على أنه يمكن اعتناق ديانة النصارى من غير الانسلاخ
من ديانتهم التقليدية (فودون)، غير أن هذا الامتزاج الديني لا يضر بالمبشرين
وأساقفتهم؛ لأنه صار لهم سجية وسلوكًا يتوارثه اللاحق عن السابق، جيلًا عن جيل.
ومما يؤكد لنا العلاقة الوطيدة والتشابه الكبير بين ديانة فودون
(الوثنية) والنصرانية، قصة إسلام عدي بن حاتم - رضي الله عنه - [هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج ابن امرئ القيس بن
عدي الطائي، أبو طريف، صحابي جليل، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في شعبان من سنة ٩هـ، مات - رضي الله عنه - بالكوفة سنة ٦٨هـ. ينظر:
الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، (٣/ ١٠٥٧)]؛ حيث
يقول: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ
هَذَا الْوَثَنَ» [رواه الترمذي]؛ وجه الاستشهاد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى
ما علقه الصحابي الجليل في عنقه من صليب متخذ من ذهب "وثنًا"؛ لما فيه
من رواسب الجاهلية وتشبه بالمشركين، فإذا كانت ديانة الفودوية تتمركز في تقديس
وتكريم أرواح الآباء والأجداد (الأسلاف) المتمثلة في الأشجار والأحجار والمعادن
وغيرها، فكذلك ديانة النصارى تتمركز في تقديس وتكريم روح نبي الله عيسى - عليه
السلام - المتمثل في الصليب. وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ
قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ
قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].