تتداخل الشعائر السرية لديانة ميثرا مع طقوسها القاسية، لتكشف كيف جسدت الوجبات المقدسة والاحتفالات الموسمية صراع النور والظلام في إرثٍ أسطوري غامض ما زال يثير فضول التاريخ.
تتداخل الشعائر السرية لديانة ميثرا مع طقوسها القاسية، لتكشف كيف جسدت الوجبات المقدسة والاحتفالات الموسمية صراع النور والظلام في إرثٍ أسطوري غامض ما زال يثير فضول التاريخ.
كان للميثرائيين عدد من الطقوس المتعددة، وكان لابد لمعتنق هذه الديانة حديثًا أن يجتاز مراسم ابتدائية قبل الدخول في مجموعاتهم السرية، وفي أحد التقارير ورد أن الكاهن كان يُوضع في حفرة في الأرض تُغطى بأغصان، ثم يُذبح ثور (رمز الخصوبة والحياة) فوقها لتغمر الدماء المراد رسامته، ليخرج "إلهيًّا" بعد انغماسه في حياة الثور، كما وردت وقائع تشير إلى وجود طقوس جنسية متنوعة [مدخل للعهد الجديد، جون درين، ص ٢٦ وما بعدها]. وللارتقاء لرتبة الكاهن، خضع المتدين لثمانين تجربة قاسية تشمل: سباحة نهر جليدي، المرور على النار، تسلق صخور عمودية، والامتناع عن الملابس الدافئة مهما كان الجو [انظر: أسرار الآلهة مينولوفسكي ص ٨٨].
تتلخص مهام الكهنة في المحافظة على "النار" التي لا تنطفئ أبدًا، وتشعل ثلاث مرات يوميًّا (الفجر، الظهر، المغرب)، وتبدأ مراحل التكريس بتجرد العبد من ملابسه والتطهر بالنار ليولد رمزيًّا مع أول ضوء للشمس، وتشمل العبادات اليومية صلوات تمتد لساعة تقريبًا، يرتدي فيها العبد غطاء رأس من اللباد يغطي الفم وهو ممسك بحزمة عصي [انظر: ديانات الأسرار والعبادات الغامضة في التاريخ، ص ٨٠-٨٧]، كما تضمنت الصلاة تقديس الشمس وارتداء الأحزمة، وأطلقوا على أنفسهم "المتحدين بمصافحة الأيدي" كرمز للترابط [ورثة الممالك المنسية ديانات آفلة في الشرق الأوسط، ص ٧٤ وما بعدها بتصرف يسير].
يشارك المتعبدون في "وجبة مقدسة" من الخبز والنبيذ الممزوج بالماء، ترمز لدم وجسد الثور المقدس وتضمن الحياة الأبدية، ويوجد في متحف "اللوفر" تمثال يصور هذا التناول، ويعتقدون أن التضحية بالثور عمل خلاق وفداء؛ حيث سيقوم ميثرا في نهاية العالم بتضحية نهائية ليعطي الناس "إكسير الخلود"، ويحتفلون بميلاد ميثرا "المخلص" المولود من أم عذراء، والذي صعد للسماء ووعد بالعودة يوم القيامة كديّان للبشرية، ويشترك هذا الطقس في جوهره مع "العشاء الرباني" في المسيحية [انظر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب ص ١٢٧ وما بعدها].
شُيدت "كنائس" ميثرا تحت الأرض أو في الكهوف والسراديب، وفسر العلماء ذلك بارتباطه بولادة ميثرا من الصخر، وكانت تُبنى حول نبع ماء (مثل غرفة لالش السرية) وتكتنفها السرية التامة؛ فلا يُسمح للغرباء بمعرفة التعاليم غير المكتوبة، وقد أثبت علماء الآثار وجود أيقونة "ميثرا يذبح الثور" كمركز فني وعقدي لهذه المعابد [انظر: موجز تاريخ الأديان ص ١٣٦ وما بعدها].
يحتفل الفارسيون بليلة ٢١ ديسمبر بعيد "يلدا" (كلمة سريانية تعني الميلاد)، وهو عيد ميلاد الشمس وانتصار ميثرا على الظلام "أهريمن"، حيث يسهرون حتى الصباح ويرتدون الملابس الزاهية [انظر: كربلاء بين الأسطورة والتاريخ: دراسة في الوعي الشعبي الإيراني، ص ٢٤٦ وما بعدها]، كما يحتفلون بعيد "المهرجان" في الاعتدال الخريفي تكريمًا لميثرا، حيث يلبس الملك تاجًا يمثله على الأرض. ومن الطقوس أيضًا شرب "الهوما" المسكر كقربان يبعث "التقى والاستقامة" في معتقدهم [موسوعة تاريخ الإمبراطورية الفارسية من قورش إلى الإسكندر المجلد الأول، ص ٢٢٦].
انتشرت الميثرائية كديانة "سرائرية" بين ضباط الجيش الروماني، مستمدة جذورها من أديان الخصوبة في الشرق الأدنى التي تعكس دورة الحياة والفصول، وقد ارتبطت احتفالاتها السنوية بانغماس الكهنة في طقوس جنسية، صارت لاحقًا ممارسات سرية في الميثرائية اليونانية [مدخل للعهد الجديد جون درين ترجمة إيهاب جوزيف، فينس نقولا، ص ٢٦ وما بعدها].
إن هذه الشعائر الميثرائية الموغلة في الغموض والشرك، من تقديس للنار وانغماس في الدماء واعتقاد في "إله مخلص" يمنح الخلود عبر وجبات سحرية، هي محض ضلالات وثنية اصطدمت مع نور الإسلام، فالإسلام جاء ببطلان هذه الأوهام، مؤكدًا أن العبادة خالصة لله، وأن الفداء الحقيقي هو العمل الصالح، والتقرب إلى الله لا يكون بالخمور أو الطقوس الجنسية السرية، بل بالطهور والعفة والتوحيد الخالص.
من مهد فارس إلى
قلاع روما، رحلة تاريخية تكشف أسرار ميثرا وتحلل أثرها في ميزان الإسلام .
لغزٌ شرقي طوع فيالق الروم؛ ميثرا الذي سكب أسرار فارس في قلب صلابة الغرب.
خيطٌ ذهبيّ يربط
تيجان الملوك بأسرار الأساطير؛ ميثرا حامي الأباطرة ورمز النور العابر للزمان.