تتجسد عبادة ميثرا كخيط ذهبي يربط عظمة الملوك الأخمينيين بوجدانية الأساطير، محولةً رمز النور والحقيقة إلى حامٍ روحيٍّ عابرٍ للأزمان سكن قلوب الأباطرة وشكّل هوية الإمبراطوريات.
تتجسد عبادة ميثرا كخيط ذهبي يربط عظمة الملوك الأخمينيين بوجدانية الأساطير، محولةً رمز النور والحقيقة إلى حامٍ روحيٍّ عابرٍ للأزمان سكن قلوب الأباطرة وشكّل هوية الإمبراطوريات.
كان "ميثرا" (أو ميهرا، مهرا، ميترا) إلهًا شعبيًّا هامًّا في تاريخ إيران، وكان الملوك الأخمينيون وهم سلالة حاكمة قديمة، تعود أصولها إلى جنوب غرب إيران، وكان مؤسسها "أخاماتش" في القرن السابع قبل الميلاد، وقد امتد حكمها في الفترة بين (٥٥٠-٣٣٠) ق.م، وحكمت هذه السلالة إيران التي كانت تعرف سابقًا باسم بارسا بلاد فارس حتى سقطت على يد الإسكندر المقدوني في ٣٣١ ق.م [انظر: تاريخ حضارة إيران وآسيا الصغرى في العصور القديمة ص ١١-١٣، ٢١ وما بعدها]؛ يتضرعون إليه كما ظهر في النقوش التي بقيت لهم، كما كان الملوك والعامة معًا يركبون أسماءهم من اسم "ميثرا" مثل "ميترادئيس". وقد صوّره فنان يوناني راكبًا على ظهر ثور يطعنه بخنجر في عنقه، وأضحت هذه الصورة الرمز الرسمي لذلك الدين [ انظر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب ص ١٢٥-١٢٦، الوثنية والأديان ص ٣٣، موسوعة الأديان والمعتقدات القديمة ج١ (العقائد) ص ١٧ ص ٧٧].
يعد ميثرا من الآلهة القديمة جدًّا للشعوب الآرية، وقد وضعه الأفيستا الكتاب المقدس للزرادشتية، وهي كلمة تمتد جذورها إلى اللغات الفارسية القديمة، ويذكر البعض أنها من اللغة البهلوية أو السنسكريتية القديمة، وتعني البناء أو الأساس القوي، وتشير المصادر التاريخية إلى أن اللغة التي كتبت بها الأفيستا هي اللغة الكاردخية القديمة، وكتبها الفرس البهلويون قبل الإسلام على اثنتي عشر ألف قطعة من جلود البقر, وقد أشار البعض إلى أكثر من ذلك، ومن الأقسام المشهورة من أفيستا "يسنا"، وهي على شكل أناشيد أو تراتيل، وهي - أيضًا - أدعية ومعلومات حول الدين، وهي أشهر أقسامه, وينسب أغلبها إلى زرادشت، ومنها "ونديداد" أي قانون ضد العفاريت, وهي حول الحلال والحرام، والطاهر والنجس، ومنها "أفيستاي بجوك"، وهي تتعلق بالأعياد والمراسم الدينية الزرادشتية [انظر: موسوعة الطلاب المختصرة للأديان ص ١٤٥-١٤٦]
بين "أهورا مزدا" و"أهريمن". وكان أتباع زرادشت الذي ولد في القرن السابع قبل الميلاد في إيران، وبدأ حياته الأولى في الزراعة ورعي الماشية وكان ميالًا إلى الفلسفة والتأمل العقلي، وقد نسجت أساطير متعلقة بولادة زرادشت منها أن أمه رأت في منامها أن شعاعًا من نور هبط من السماء, وسمعت صوتًا من هذا النور يقول لها: "هذا الطفل عندما يكبر سيصبح نبي أهورامزدا"، وأن كبير سحرة إيران رأى أن طفلًا سيولد، ويقضي على السحر وعبادة الأصنام، أرسله والده في السابعة من عمره إلى الحكيم الشهير بوزين كوروس، وظل معه ثمانية أعوام درس فيها عقيدة قومه، وبعد ذلك زعموا أن الملائكة لقنته الحكمة, وكشفت له عن حقيقة النار وكثيرًا من الأسرار المتعلقة بالحياة وأصلها، واتبع زرادشت هذه النصيحة ودعا المتعلمين من قومه، وبدأ بالملك الفارسي "كاشتاسب" وزوجته, وشرح لهما تعاليم دينه, ودعاهما إلى الإيمان به، وفي القصر الملكي قامت مناظرات بين زرادشت والكهنة والسحرة، واستفاد زرادشت منها لشرح أفكاره للحاضرين, ودعاهم إلى التخلي عن عبادة الأوثان والأصنام, فآمن به الملك وانتشرت دعوته, وأقبلت جموع الناس على زرادشت للإيمان بهذا الدين الجديد؛ لكن الكهنة تأمروا عليه, وكادوا له حتى انتهت حياة زرادشت, وهو في السابعة والسبعين من عمره، وانتقم الملك لمقتله بعد ذلك، ولم يقبل صلحًا ممن قتلوه حتى وعدوه باعتناق الزرادشتية [انظر: موسوعة الطلاب المختصرة للأديان ص ١٣٨-١٤٤ ] .
يعتقدون أن ميثرا مكلف بدفع الشر والسوء، ويعتبرونه رب الشمس وحاميًا للعهد، حتى صار حاميًا للأسرة الحاكمة في عهد أردشير الثاني.
راجت عبادة ميثرا في آسيا الصغرى بعد عهد الإسكندر، ثم انتقلت إلى اليونان وبلاد الروم في أيام بومبي، ووصل الأمر إلى أن أعلن الإمبراطور ديوكلثيان وسائر أباطرة الروم أن "مهرا" هو حامي دولة الروم؛ وذلك لأن أتباع هذا المذهب كانوا يعتبرون حكم الأباطرة تفويضًا من الإله، وانتشر المذهب لاحقًا في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا القديمة.
اختلف المؤرخون في نسب "ميثرا"؛ فمنهم من اعتبره أحد أبناء زرادشت، ومنهم من رأى ألوهيته تتلاشى في حقيقة ألوهية "أهورا مزدا"، ويروي الأفيستا أن ميثرا ولد إلهًا للنور والحقيقة يمثله قرص الشمس، واتخذ من جبل "هارا" مكانًا لمراقبة الشروق، وُصف بأنه الجندي الشهم القوي والمقاوم لقوى الشر، والإله المغذي للتربة عبر المطر والنبات، وتقول الأساطير عنه بصفات "القادر العليم الحي القيوم"، وإن كانت هذه الصفات قد صيغت في قالب خيالي أسطوري.
موقف الإسلام من ديانة ميثرا
من المنظور الإسلامي، تُصنف الميثرائية ضمن الديانات الوثنية التي تقوم على تأليه المخلوقات, وتجسيد الظواهر الطبيعية كالشمس والنور.
إن إعطاء صفات "الحي القيوم" أو "العليم" لغير الله - عز وجل - هو عين الشرك الذي حاربه الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِ ٱلَّیۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُوا۟ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَ̅ٱ̅سۡ̅جُ̅دُ̅و̅ا۟̅ ̅لِ̅لَّ̅هِ̅ ٱلَّذِی خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِیَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، فالإسلام جاء ليحرر البشرية من عبادة الأنداد والأرباب المصطنعة إلى عبادة رب العالمين وحده لا شريك له.
تعد الميثرائية ظاهرة دينية تاريخية, عكست حاجة الشعوب القديمة إلى رموز القوة والنور؛ لحماية عهودهم ونظمهم السياسية، ورغم انتشارها الواسع من الشرق إلى أقصى الغرب الأوروبي، إلا أنها ظلت أسيرة التصورات الأسطورية والوثنية. ويبقى الموقف الإسلامي ثابتًا في دعوته إلى التوحيد الخالص, ونبذ كل ما يُعبد من دون الله، مؤكدًا أن الصفات الإلهية المطلقة هي حق خالص للخالق سبحانه وتعالى.
من مهد فارس إلى
قلاع روما، رحلة تاريخية تكشف أسرار ميثرا وتحلل أثرها في ميزان الإسلام.
لغزٌ شرقي طوع فيالق الروم؛ ميثرا الذي سكب أسرار فارس في قلب صلابة الغرب.
بين وهج تيجان
الملوك وظلمة أساطير القدماء؛ يبرز ميثرا لغزًا تاريخيًّا شقّ طريقه من قلب فارس
ليحمي أباطرة روما.