Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإله الخالق (أونكولونكولو) في معتقد الزولو بين الأسطورة والرمزية الكونية

الكاتب

هيئة التحرير

الإله الخالق (أونكولونكولو) في معتقد الزولو بين الأسطورة والرمزية الكونية

بين أصل القصب وتسابيح الفطرة، تولد قصة الخلق لدى الزولو؛ رحلة في الوجدان الأفريقي تبحث عن وجه الله الواحد خلف ستائر الثقافة وتأويلات التاريخ.

مكانة الإله الخالق في الأديان الأفريقية

تحتل فكرة الإله الخالق مكانة مركزية في معظم الديانات الأفريقية التقليدية، وإن اختلفت أسماؤه وتفاصيل تمثله في الأساطير والطقوس، في ديانة الزولو، يظهر هذا المفهوم بوضوح في شخصية أونكولونكولو (Unkulunkulu)، الإله الأكبر الذي يُعتقد أنه خلق البشرية ومنحها الحياة [Mbiti, John S., Concepts of God in Africa, SPCK, ١٩٧٠, p. ٧٨]، وتكمن أهمية دراسة هذا المفهوم في كونه يشكل المدخل الرئيسي لفهم الرؤية الكونية الزولوية، وعلاقة الإنسان بالعالم المادي والروحي.

أونكولونكولو: الاسم والدلالات اللغوية

اسم أونكولونكولو (Unkulunkulu) مشتق من جذر لغوي زولوي يدل على القدم والعظمة والكبر، الترجمة الحرفية الأقرب هي "الأكبر" أو "العظيم الأقدم" أو "الجد الأكبر"، يحمل الاسم دلالة مزدوجة، فهو يشير من جهة إلى الخالق الأول الذي أوجد الوجود، ويشير من جهة أخرى إلى الجد الأول للبشرية، مما يخلق تداخلًا بين مفهوم الخلق ومفهوم الأبوة الأولى [Callaway, Henry, The Religious System of the Amazulu, Springvale, ١٨٧٠, p. ٣١-٣٣].

في بعض السياقات، يُستخدم الاسم بصيغة الجمع للإشارة إلى الآلهة البدائية أو الأسلاف المؤلهين، ولكن الاستخدام الأكثر شيوعًا يبقى للإله الخالق الواحد [Doke, Clement M., Textbook of Zulu Grammar, Longmans, Green and Co., ١٩٢٧, p. ٩٧].

قصة الخلق: من مستنقع القصب (أولانغا) إلى البشرية

تروي الأساطير الزولوية أن أونكولونكولو خُلق في مستنقع عظيم من القصب يُدعى أولانغا (Uhlanga) قبل أن يظهر على الأرض، من هذا المستنقع، خرج أونكولونكولو حاملًا معه البشر الأوائل وجميع الكائنات الحية، وفقًا للرواية التي جمعها المبشر هنري كالاواي في القرن التاسع عشر، فإن أونكولونكولو "انبثق من القصب" (Uvelaphe) وأصبح بذلك مصدر الوجود كله [Callaway, The Religious System of the Amazulu, p. ٤٥-٤٧].

تختلف التفاصيل بين الروايات المختلفة، فبعضها يصور أونكولونكولو وهو يخرج من القصب حاملًا الرجال والنساء بين يديه، وبعضها يصوره وهو يخلقهم من القصب نفسه. تتفق جميع الروايات على أن البشر لم يُخلقوا من العدم، بل خرجوا من عنصر طبيعي موجود سابقًا (القصب)، مما يعكس رؤية كونية لا تفصل بين الطبيعة وما فوق الطبيعة بشكل حاد.

تقول إحدى الروايات التقليدية: "كان أونكولونكولو هو أول إنسان، وهو الذي خلق جميع الناس، وهو الذي خلق جميع الأشياء: الجبال والأنهار والحيوانات، كل شيء أتى من أونكولونكولو" [مقتبس في: Berglund, Axel-Ivar, Zulu Thought-Patterns and Symbolism, Indiana University Press, ١٩٧٦, p. ٣٤].

أونكولونكولو وغيره من الآلهة: سوماندلا وأومفيلينقانجي

يظهر في المعتقد الزولوي أسماء إلهية أخرى تتداخل - أحيانًا - مع شخصية أونكولونكولو، وأهمها:

  • سوماندلا (uSomandla): اسم يعني حرفيًّا "الذي يمتلك القوة" أو "صاحب القدرة"، ويستخدم للإشارة إلى الكائن الأسمى بصفته مصدر القدرة والوجود كله. يعتبر سوماندلا وجهًا آخر للإله الخالق، لكنه يركز على صفة القدرة والقوة المطلقة [Berglund, Zulu Thought-Patterns, p. ٣٩].
  • أومفيلينقانجي (Umvelinqangi): يعني اسمه "الذي كان في البداية" أو "الموجود قبل كل شيء"، وهو إله السماء والرعد والزلازل، هناك خلط في بعض الروايات بين أونكولونكولو وأومفيلينقانجي، ويعتقد بعض الباحثين أن أومفيلينقانجي يمثل وجهًا قديمًا للإله السماوي، بينما يمثل أونكولونكولو الجانب الأرضي المرتبط بالخلق البشري [Hexham, Irvin, The Religion of the Zulu, in The Religions of South Africa, Routledge, ١٩٨١, p. ٦٧].

الجدل الأكاديمي حول أصالة الإيمان بإله السماء

يثير الباحثون جدلًا مهمًا حول ما إذا كان الإيمان بـ "إله السماء" (High God/Sky God) أصيلًا في ديانة الزولو قبل وصول الأوروبيين والمبشرين المسيحيين. يذهب الباحث إرفين هيكسهام (Irvin Hexham) في دراسة نشرها عام ١٩٨١ إلى أنه "لا يوجد دليل قاطع على الإيمان بإله سماوي في ديانة الزولو قبل قدوم الأوروبيين"، وأن مفهوم الإله الخالق الأعلى ربما يكون نتيجة للتأثير المسيحي المبكر [Hexham, The Religion of the Zulu, p. ٧٢].

لكن العديد من الباحثين الآخرين يختلفون مع هذا التحليل، الباحثة إيلين جنسن كريغي (Eileen Jensen Krige) تؤكد أن الإيمان بالكائن الأسمى كان موجودًا قبل الاحتكاك بالغربيين [Krige, Eileen Jensen, The Social System of the Zulus, Longmans, Green and Co., ١٩٣٦, p. ٢٨١]، كما يقدم أكسل إيفار بيرغلوند (Axel-Ivar Berglund) أدلة لغوية وعرقية على أن الإشارات إلى أونكولونكولو بصفته خالقًا تعود إلى ما قبل التبشير المسيحي [Berglund, Zulu Thought-Patterns, p. ٤٥-٤٨].

يرى الباحث الكيني جون إس. مبiti (John S. Mbiti) أن الإيمان بإله خالق أسمى هو عنصر مشترك بين جميع شعوب البانتو تقريبًا، ويستحيل تفسيره كله بالتأثير المسيحي المتأخر [Mbiti, Concepts of God in Africa, p. ٢٢-٢٥].

العلاقة بين أونكولونكولو وعالم الأرواح والأجداد

من السمات المهمة في الثيولوجيا الزولوية أن العلاقة مع أونكولونكولو ليست علاقة مباشرة يومية، لا يقدم الزولو القرابين لأونكولونكولو بشكل مباشر، ولا يبنون له المعابد، ولا يتوجهون إليه بالصلوات اليومية، العلاقة العملية في الدين الزولوي هي مع الأجداد (Amadlozi)، الذين يقومون بدور الوسطاء بين البشر والإله الأعلى [Berglund, Zulu Thought-Patterns, p. ٥٠].

يُفسر بعض الباحثين هذه الظاهرة بأن أونكولونكولو يُعتبر "إلهًا بعيدًا" (Deus Otiosus) بعد أن أكمل مهمة الخلق، تاركًا إدارة شؤون العالم اليومية للأرواح والأسلاف [Mbiti, Concepts of God in Africa, p. ١١٢]، هذا لا يعني إنكار وجوده أو ألوهيته، بل يعني أن وسيلة التواصل معه تكون عبر سلسلة من الوسطاء الروحيين، مما يفسر أهمية الأجداد والسانغوما في الحياة الدينية اليومية.

موقف الإسلام من مفهوم الإله الخالق في الديانات الوثنية

ينظر الإسلام إلى مفهوم الإله الخالق الموجود في ديانات أفريقيا التقليدية من منظورين متكاملين:

أولًا: تقرير الفطرة الإنسانية

يرى الإسلام أن الإيمان بوجود خالق للكون هو أمر فطري في النفس البشرية، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَیَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وجود اسم إله خالق في ديانة الزولو يمكن النظر إليه على أنه بقايا من هذه الفطرة التي لم تندثر تمامًا.

ثانيًا: نقد عناصر الشرك والوساطة

مع الإقرار بوجود فكرة الإله الخالق، ينتقد الإسلام بشدة عنصرين أساسيين في المعتقد الزولوي:

١.    الوساطة بين الله والإنسان: يعتبر الإسلام أن الأجداد أو أي بشر آخر لا يمكن أن يكونوا وسطاء بين الله وخلقه، فالعلاقة مع الله مباشرة دون حاجة إلى وسائط، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة: ١٨٦]. 

٢.     تقديس غير الله: تقديس الأجداد أو العرافين أو منحهم صفات إلهية يعتبره الإسلام شركًا ينافي التوحيد الخالص، يقول تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ﴾ [النساء: ٤٨]، من هذا المنطلق، فإن الدعوة الإسلامية في مواجهة الديانات الأفريقية التقليدية تسعى إلى تنقية مفهوم الإله الخالق من الشوائب الشركية، وإعادة توجيه العبادة إليه وحده، مع احترام ما تبقى من الفطرة الإنسانية السليمة.

الخلاصة

يمثل مفهوم أونكولونكولو في ديانة الزولو نموذجًا متميزًا للإله الخالق في سياق أفريقي تقليدي، تحمل شخصيته أبعادًا متعددة، فهو الخالق والجد الأول ومصدر الوجود، ورغم الجدل الأكاديمي حول أصالة الإيمان بإله السماء، فإن الأدلة تميل إلى وجود هذه الفكرة في صميم التراث الزولوي القديم، ويتميز هذا المفهوم بوجود فجوة بين الاعتقاد بوجود الإله الخالق وبين الممارسة الدينية اليومية التي تتجه نحو الأجداد كوسطاء، ومن منظور إسلامي يشكل هذا المفهوم أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في الدعوة إلى التوحيد الخالص، مع العمل على تصحيح عناصر الشرك والوساطة التي حرفت الفطرة الإنسانية السليمة.

موضوعات ذات صلة

شعب الزولو وتاريخهم العريق، وما هي أسرار ديانتهم التقليدية بين الإله أونكولونكولو وتقديس الأجداد.

بين صرير عظام العرافة وتراتيل الأجداد، تقبع حيرة الإنسان الأفريقي أمام لغز الغيب.

في ثقافة الزولو، لا يرحل الموتى بل يتحولون إلى رقيب غائب.

موضوعات مختارة