بين أصلٍ فصيحٍ موروث، وواقعٍ عاميٍّ مُتبدّل تتمايز ألسنة الشعوب العربية اليوم في نُطق حروفها الساكنة، وحركاتها المَدِّية، ومواضع نَبْرها.
بين أصلٍ فصيحٍ موروث، وواقعٍ عاميٍّ مُتبدّل تتمايز ألسنة الشعوب العربية اليوم في نُطق حروفها الساكنة، وحركاتها المَدِّية، ومواضع نَبْرها.
تكاد تنحصر عناصر اختلاف النطق بين شعوب البلاد العربية في زمننا فيما يلي:
على الرغم من أن القدماء من علماء العربية كالخليل وسيبويه، وابن جني، وغيرهم قد وصفوا لنا الأصوات الساكنة وصفًا دقيقًا من حيث المخرج والصفة، وعلى الرغم من توفر القراءات القرآنية عن طريق التلقي والمشافهة جيلًا بعد جيل، فقد تطورت بعض الأصوات الساكنة من حيث المخرج والصفة، واختلف هذا التطور بين بيئة وأخرى من البيئات العربية.
فالقاف التي وصفها القدماء بأنها صوت مجهور، نسمعها الآن من أفواه المجيدين للقراءات صوتًا مهموسًا، وانتقل مخرَج القاف في اللغة الدارجة إلى مخرج الهمزة في القاهرة وبعض المدن والقرى المصرية، وحُول إلى جيم في بعض المناطق الأخرى، كما انتقلت القاف إلى مخرَج الغين عند بعض أهل السودان، وبعض القبائل العربية في جنوب العراق، والكاف التي هي في النطق الصحيح صوتٌ شديدٌ، نسمعها في بعض اللهجات الحديثة صوتًا أميَلَ إلى الرخاوة (تش) كما هو الحال في بعض لهجات فلسطين، وسوريا، ومصر، وبعض دول الخليج.
والضاد التي حدد علماء اللغة القدامى مخرَجها بأنه من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، لا تكاد تجد لها ذكرًا في الأفواه إلا في ألسنة بعض العراقيين، وبعض البلاد العربية، وتنطَق نطقًا يشبه إلى حد ما الظاء.
والطاء ينطَق بها في معظم اللهجات الحديثة صوتًا مهموسًا، وقد وصفها القدماء بأنها مجهورة، وتنطق مجهورة في بعض مناطق اليمن نطقًا يشبه نطق الضاد عندنا فيقولون في (مطر): (مضر).
والجيم اختلف نطقها في اللهجات الحديثة اختلافًا واضحًا، فطورًا تنطَق نطقًا أميَلَ إلى الرخاوة، وطورًا تنطق كثيرة الرخاوة كتلك الجيم التي كثُر تعطيشها، كما في نطق المغاربة وبعض السوريين، وطورًا تنطق شديدةً كما في لهجة القاهرة وبعض المدن والقرى المصرية، بعد أن انتقل مخرجُها من وسَط اللسان مع ما يحاذيه من الحنَك الأعلى، كما وصفه القدماء إلى مخرج القاف والكاف، وهو أقصى اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى.
وأصوات الذال، والثاء، والظاء: يَنطِقُها كثير من المتعلمين زايًا، وسينًا، وزايًا مفخمة على الترتيب، فيقولون في (ذنب): (زنب)، ويقولون في (حديث): (حديس)، وفي (ظريف): (زريف) بتفخيم الزاي، كما أن الذال في اللغة الدارجة تنطَق دالًا، فيقال في (كذب): (كدب)، والثاء تنطَق تاء، فيقال في (ثعلب): (تعلب)، وتنطَق الظاء ضادًا في بعض الكلمات، وليست تلك الضاد التي كان ينطِق بها القدماء، وإنما الضاد التي يُنطَق بها الآن، فيقال في (الظهر): (الضهر).
أصوات اللين هي تلك التي سماها القدماء بالحركات حين تكون قصيرة (الفتحة والكسرة والضمة)، وسمَّوها بحروف المَد حين تكون طويلة (الألف والياء والواو)، وحديثًا يُجمع بين هذه وتلك فتسمَّى جميعًا أصواتَ اللين؛ لأن الفرق بين الفتحة وألف المد ليس إلا فرقًا في الكمية، وكذا الحال بين الكسرة وياء المد، وبين الضمة وواو المد، ويَنظر إليها المحدَثون من علماء الأصوات نظرةً واحدة؛ لأنها جميعًا تكون مجموعة من الأصوات اللغوية، وثيقة الاتصال بعضها ببعض.
وقد أُهمل أمرُ أصوات اللِّين العربية، فتُركت وشأنَها تتخِذ في الأفواه أشكالًا كثيرة، حتى كان ما نشاهده من فروق خطيرة بين البلاد العربية الشقيقة، وكأن القدماء قد ظنوا لخلو الرسم العربي من هذه الأصوات القصيرة أحيانًا أنها ليست عنصرًا من عناصر اللغة، فأهملوا أمرها على الرغم من أنها لكثرة شيوعها في الكلام والنطق أوضح، وأبرز في تكوين الفروق بين اللهجات.
فثمة فرق واضح بين من ينطِق بـ (الجامعة، والشهادة الثانوية، وفاطمة) بصوت اللين الطويل وهو الألف، ومن ينطِق بها بصوت لين قصير هو الفتحة، كما في نطق العامة في اللغة الدارجة .
وثمة فرق بين من ينطق بـ (عيسى، وموسى) بالفتح، ومن ينطق بهما بالإمالة؛ لذا ينبغي أن نُولِي أصواتَ اللين الطويلة والقصيرة عنايةً شديدة، وأن نضع لها مقاييس خاصة نتدرب عليها، ونتعودها، ولا نَحيد عنها مهما صادفنا في سبيل ذلك من عنَتٍ ومشقة.
لو استمعت إلى قاهري أو أحد أبناء الوجه البحري يقرأ قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَیۡلࣱ لِّكُلِّ هُمَزَةࣲ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، لرأيته يضغط في ﴿هُمَزَةࣲ لُّمَزَةٍ﴾ على مقطع معيَّن يخالف ما يَصنعه أحد أبناء الوجه القبلي عند نطقه لهذه الآية الكريمة.
وهذا مثَلٌ واضح يبيّن المقصود من اختلاف موضع النبر بين أبناء الدول العربية الشقيقة.
بعد أن وقفنا على الفروق تذكر هنا من الوسائل التي يمكن بها التغلب على الفروق الصوتية التي تجعل نطقنا مختلفًا ومتباينًا فنصل إلى وحدة في النطق ما يلي:
ولا يَظنُّ ظانٌّ أن تحقيق هذا الأمر سهلٌ ميسور، وإنما يحتاج إلى جُهد شاق، وزمن طويل، بل قد يتعذر تحقيقُه على الرغم من اتخاذ الوسائل السابقة، وبذل الجُهد الشاق [انظر: المقتضب في لهجات العرب، ص ٧٩ وما بعدها، في اللهجات العربية ص ٢٩ وما بعدها].
ما أبرز عناصر اختلاف النطق في البلاد العربية؟
تتمثل في اختلاف نطق بعض الحروف الساكنة والحركات المدية ومواضع النبر والتنغيم بين اللهجات العربية.
لماذا تختلف طرائق النطق بين الشعوب العربية؟
بسبب العوامل الجغرافية والتاريخية والاجتماعية وتأثر بعض المناطق بلغات وثقافات أخرى.
ما أهم عوامل توحيد النطق في البلاد العربية؟
القرآن الكريم واللغة العربية الفصحى والتعليم والإعلام والتواصل الثقافي بين الدول العربية.
هل تؤثر اللهجات على وحدة اللغة العربية؟
لا، فاللهجات تمثل تنوعًا صوتيًا داخل إطار اللغة العربية المشتركة التي تجمع جميع الناطقين بها.
ما دور الفصحى في توحيد النطق؟
تُعد الفصحى المرجع اللغوي المشترك الذي يحافظ على وحدة التواصل والثقافة بين الشعوب العربية.
تنحصر الاختلافات النُّطقية المعاصرة بين البيئات العربية في تطور نطق بعض الأصوات الساكنة كـ (القاف، والضاد، والجيم)، وإهمال مقاييس أصوات اللِّين الحركية، وتفاوت مواضع النَّبر، ويمكن التغلب على هذا التباين تدريجيًّا عبر إعداد المدرس الكفء، وتأهيل المذيع الملم بالنُطق النموذجي، وتوظيف الممثِّل المجيد لقواعد اللغة في الأعمال الفنية والإذاعية.
التنوع اللغوي وظهور اللهجات ظاهرة طبيعية وحتمية تخضع لها جميع اللغات الإنسانية
القداسة هنا مرتبطة بالنص القرآني
اللغة العربية من أبرز مظاهر الهوية الحضارية للأمة، وقد مرت بمراحل تطور عميقة
إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي ميزان دقيق للفكر وضابط للمعنى
لغة القرآن الكريم هي اللغة العربية، وهي لغة معجزة في بلاغتها وفصاحتها، نزلت بلسان قريش أساساً لكنها أحدثت تحولاً جذرياً في اللغة