القراءات
توقيفية تلقينا أو إذنا من رسول الله ﷺ قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى
الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: ٦]، وقال سبحانه: {وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣]، فلا مجال للرأي
والاجتهاد في تحديد قرآنية الرواية، ونسبة القراءات للقراء، وليست القراءات
القرآنية مأخوذة من خط العرب، أو رسم المصحف، أو اجتهاد الصحابة أو التابعين، والأدلة
على ذلك مستفيضة، منها:
من
القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ
مُّبِينٌ} [النحل: ١٠٣]، مع ما عرف من
أن لسان العرب نهج منهج تعدد وجوه النطق، وهو منهج البيان العربي، وبيان القرآن
معجز، وقراءاته من محاسن وجوه إعجازه.
ومنها:
أن أسانيد القراء على اختلاف قراءاتهم متصلة برسول الله ﷺ:
وتفصيلها في الكتب المختصة. وقوله
تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرِ} [القمر:
١٧].
وجه
الاستدلال من الآية الكريمة: بين الله في الآية أنه من مظاهر فضله ورحمته على هذه الأمة
أن جعل كتابه ميسراً في حفظه وفهمه، ومقتضى ذلك أن إنزال القرآن بتلك القراءات من
جملة هذا التيسير، وهو مشروط بشروط ثلاث:
-
توافق لهجة من لهجات العرب الفصيحة لا الشاذة أو الضعيفة أو النادرة.
-
يقرأ بها النبي ﷺ.
-
موافقة للرسم العثماني، وثابتة بالعرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي –صلى
الله عليه وسلم- قبيل وفاته. [النشر في القراءات العشر لابن الجزري،
١/٩].
ومن
السنة المشرفة:
ماجاء عن عُمَرَ بْن الخَطَّابِ، قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ،
يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ
يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ
فِي الصَّلاَةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ:
مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا
رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ،
فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،
فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ
تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْسِلْهُ،
اقْرَأْ يَا هِشَامُ» فَقَرَأَ عَلَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ»،
ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» فَقَرَأْتُ القِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا
القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» [صحيح البخاري - كتاب التوحيد، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ
مِنَ القُرْآنِ} رقم ٧٥٥٠].
عَنْ أُبَيِّ
بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً
أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ،
فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ،
وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا قَدْ غَشِيَنِي،
ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
فَرَقًا، فَقَالَ لِي: «يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ
عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ
اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ
إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا
مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللهُمَّ اغْفِرْ
لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ،
حَتَّى إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». [صحيح مسلم -كِتَابُ
صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا- بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
وَبَيَانِ مَعْنَاهُ رقم ٨٢٠].
ومنها: الأحاديث المروية في نحو كتاب المستدرك للحاكم المتضمنة لقراءاته -صلى الله
عليه وسلم-: مالك بالألف [الفاتحة
٤] وملك بدونه [سنن الترمذي وعارضة الأحوذى
لابن العربى: ١ ١ /١ ٥ - ٥٢، والمصاحف: ٩٢، ٩٥ عن أنس، وأم سلمة]
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ} [آل عمران: ١٦١] بفتح
الياء وضم الغين، وبضم الياء وفتح الغين {إِنَّهُۥ
عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ } [هود: ٤٦]:
"عمل" بفتح الميم والتنوين
والرفع، "غير" بالرفع، و "عمل" بفتح اللام وكسر الميم فعلا
ماضيا، و"غير" بالنصب [تحفة الأحوذي] {أَيَحۡسَبُ} [البلد: ٥، ٧] بفتح
السين وكسرها، وتواتر في الأحاديث قراءة البسملة في الصلاة، وتواتر ترك قراءتها
أيضاً.
الإجماع:
إجماع أئمة الدين على أن الله تعالى أباح للصحابة - رضى الله عنهم - القراءة على
لغتهم بشرط الأخذ عن النبي ﷺ.
قال
الزركشي: "إن الْقِرَاءَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَيْسَتِ اخْتِيَارِيَّةً خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ
مِنْهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهَا اخْتِيَارِيَّةٌ تَدُورُ مَعَ اخْتِيَارِ
الْفُصَحَاءِ وَاجْتِهَادِ الْبُلَغَاءِ".
وَقَدِ
انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَأَنَّهَا
سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهَا؛ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ
لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَلَا تَكُونُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ مَا روي عنه) أ.هـ. (البرهان في علوم
القرآن، (١/ ٣٢١: ٣٢٢)، ط:١: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه.
العقل:
فإن الضرورة قاضية بقراءة لتبليغ لقرآن، ولو كانت واحدة وما عداها ليس من البلاغ النبوي
لكانت ملتبسة علينا بغيرها، ومحال أن يلتبس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم بغيره
والأمة أحرص ما تكون على متابعته حتى في عادته التي لا يظهر لهم أن فيها تعبدا،
مع خشيتهم الابتداع وائتمارهم بأن يقرؤوا
كما علموا، وتلاحيهم إذا سمعوا ما لم يسمعوه منه فالقراءات المعمول بها متساوية
وتوقيفية. [تنوير
الأذهان - للشيخ محمد زكي الدين محمد سند، ط المحروسة سنة ١٣١٠ هـ ، ص ٢٤].
أقسام القراءات:
وتنقسم
القراءات - عموماً- إلى متواترة، وشاذة. فالمتواترة هي القراءات المعمول بها من
طرقها المعينة عن القراء العشرة، المعروفة في الفن ولا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها،
بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن
الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، والشاذة ما عداها، وهي التي اختل
فيها ركن من أركان القراءة الصحيحة وهي:
١- صحة سندها إلى رسول الله ﷺ
٢- موافقتها لرسم المصحف
٣-
موافقتها وجهًا من وجوه العربية
ويطلق عليها ضعيفة أو شاذة، أو باطلة، سواء أكانت
عن السبعة، أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف. [النشر، ١/ ٥٤].