Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأمالي

الكاتب

أ. د. عبد الستار الحلوجي

الأمالي

الإملاء كما يقول حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون هو: أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه من العلم، ويكتب التلامذة فيصير كتابًا، ويسمونه الإملاء، والأمالي.

مفهوم الإملاء في التراث الإسلامي

الإملاء كما يقول حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون هو: أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه من العلم، ويكتب التلامذة فيصير كتابًا، ويسمونه الإملاء، والأمالي، وكذلك كأن السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها في علومهم.

الإملاء في المفهوم القديم

وقد كان الإملاء أعلى وظائف الحفّاظ في اللغة وفي الحديث أيضًا كما يذكر السيوطي في كتابه المزهر.

وكانت مجالس الإملاء أشبه بالمحاضرات العامة في الموضوعات التي تهم الجماهير وتُشغِلهم، كأحاديث اللغة، والأدب، والفقه، وكان لكل من يشارك في هذه المحاضرات من كبار العلماء مجلس خاص به يحضره كل من له اهتمام بمادة تخصصه، وكان المجلس يُستهل عادةً بتلاوة القرآن الكريم، ثم يبدأ الشيخ في الإملاء، وكان السامع يكتب في أول كل مجلس مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا، ويذكر التاريخ، ثم يورد ما يسمع من الشيخ- تفسيرًا كان أو حديثًا أو نحوًا أو لغة.

نشأة وانتشار مجالس الإملاء

وقد انتشرت مجالس الإملاء على مشارف القرن الثالث الهجري، وتركزت في بغداد مقر الخلافة ومركز الحركة العلمية ومقصد المحدثين والأدباء من شتى بقاع العالم العربي والإسلامي، فالخطيب البغدادي يذكر في تاريخ بغداد أن الفراء - توفي ٢٠٧ هـ - أملى كتاب معاني القرآن، واجتمع له خلق كثير لم يمكن حصرهم، وأُحْصَى من حضر من القضاة فبلغوا ثمانين قاضيًا، وابن النديم يذكر في فهرسته أن ابن الأعرابي - توفي ٢٣١ هـ - أملى على الناس ما يُحمل على جِمال.

وقد تضخمت مجالس الإملاء هذه، حتى ليَروي لنا صاحب تاريخ بغداد أن مجلس سليمان بن حرب الواشجي -توفي ٢٤٢ هـ - كان يحضره أربعون ألفًا، وأن مجلس عاصم الواسطي -توفي ٢٢٢ هـ- كان يضم أكثر من مائة ألف شخص، ويذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم أن مجلس جعفر الفريابي -توفي ١٣٠ هـ- ببغداد كان يحضره نحو ثلاثين ألفًا لسماع الحديث.

وفي القرن الرابع كان ابن الجعابي -توفي ٣٥٥ هـ- يملي فتملأ السّكة التي يملي فيها والطريق كما يذكر الخطيب البغدادي.

دور المستمليين

ولضخامة هذه المجالس لم يكن صوت الشيخ يُسمع جموع الحاضرين، ولم تكن مكبرات الصوت قد عُرفت بعد في ذلك الزمان البعيد، ومن أجل هذا ظهرت في المجتمع فئة جديدة تعرف بالمستمليين، وهم الذين يرددون كلمات الشيخ وراءه حتى يسمع الناس.

 فقد روى صاحب تاريخ بغداد عن عمر بن حفص أنه سمع عاصم الواسطي يومًا يقول: حدثنا الليث بن سعد، وأن الحاضرين كانوا يسألونه أن يعيد حتى أعاد أربع عشرة مرة، والناس يقولون: لا نسمع.

ورُوي أيضًا أن سليمان بن حرب الواشجي سئل عن حديث حوشب بن عقيل فقال: حدثنا حوشب بن عقيل أكثر من عشر مرات، والناس يقولون: لا نسمع، فقال مستملٍ ومستمليان وثلاثة، كل واحد يقولون: لا نسمع.

وكان عدد هؤلاء المستلمين يكثر حينما تكثر أعداد الحاضرين وتبعد المسافة بينهم وبين الشيخ، فالخطيب البغدادي يروي أن مجلس القاضي المحاملي - توفي ٣٠٣ هـ - كان فيه أربعة مستمليين، وأن مجلس أبي مسلم الكجي - توفي ٢٩٢ هـ - كان فيه سبعة مستلمين يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه.

وكتب الناصر عنه قيامًا بأيديهم المحابر، ثم مُسحت الرحبة وحُسب عدد من حضر بمحبرة فبلغ ذلك نيفًا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة.

وحينما قعد الصاحب ابن عباد لإملاء الحديث حضر الخلق الكثير، وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستة كل يبلغ صاحبه كما يروي ياقوت الحموي في معجم الأدباء.

وقد بلغ من أهمية هذه المجالس أن الخليفة كان يحضر بعضها بنفسه، فالخطيب البغدادي يروي عن أبي حاتم الرازي أن مجلس سليمان الواشجي كان عند قصر الخليفة المأمون فبنى له شبه منبر، فصعد سليمان وحضر حوله جماعة من القواد عليهم السيوف، والمأمون فوق قصره قد فتح باب القصر وقد أرسل ستر يشفّ وهو خلفه يكتب ما يملى.

أشهر مجالس الإملاء والعلماء

وقد تمخضت مجالس الإملاء هذه عن كتب كثيرة ظهرت باسم الأمالي، ذكرها حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون.

وأقدمها أمالي الإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري -توفي ١٨٣ هـ- وهي في الفقه، يُقال إنها أكثر من ثلاثمائة مجلد.

وبمرور الزمن كثرت تلك الأمالي وتنوعت، ففي أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع كانت هناك أمالي كثيرة لعل أشهرها أمالي ثعلب، والزجاج في النحو، وأمالي ابن دريد في اللغة، وأمالي أبي جعفر البختري في الحديث، وأمالي أبي علي القالي التي أملاها من حفظه في الأخمسة بقرطبة وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعها فنونًا من الأخبار وضروبًا من الأشعار وأنواعًا من الأمثال وغرائب من اللغات.

وقبل نهاية القرن الرابع ظهرت أمالي بديع الزمان الهمذاني -توفي ٣٩٨ هـ-، وأمالي أبي طاهر الزيادي -توفي ٤٠١ هـ-، وفي قرطبة كان القاضي أبو المطرف عبد الرحمن بن فطيس -توفي ٤٠٢ هـ- يملي الحديث من حفظه في مسجده، ومستمل بين يديه: على ما يفعله كبار المحدثين بالمشرق، والناس يكتبون عنه كما يذكر ابن بشكوال في كتابه الصلة.

على أن ظاهرة الإملاء لم تستمر بدرجة واحدة بالنسبة لمختلف فروع المعرفة، فقبل أن ينقضي القرن الرابع كان إملاء اللغة قد بدأ ينقطع، في حين استمر إملاء الحديث بعد ذلك لسنوات، فقد شرع السيوطي في إملاء الحديث سنة ٨٧٢ هـ، وجدده بعد انقطاعه، وأراد أن يجدد إملاء اللغة ويحييه بعد دثوره فأملى مجلسًا واحدًا ولم يجد له حملة ولا من يرغب فيه فتركه.

وكان بعض المؤلفين يراجعون ما يُملون على السامعين، بدليل ما يرويه الخطيب البغدادي من أن الفراء كان يملي المجلس من حفظه، ثم يجئ ورّاقه سلمة بن عاصم فيأخذ كتاب أحد الحاضرين فيقرأ عليه ويغير ويزيد وينقص، ولكن أكثر العلماء لم يكونوا يعودون إلى مراجعة ما أملوه، ولذا كانت نُسَخ الكتاب الواحد تختلف عن بعضها زيادة ونقصانًا. وكان الكتاب يتعرض للزيادة والنقصان إذا تكرر إلقاؤه في أكثر من مكان.

ومن الأمثلة على ذلك مجالس ثعلب - توفي ٢٩١ هـ - التي اختلفت نُسخها باختلاف رواياتها، كما يقول ابن النديم، وكتاب الجمهرة في اللغة لابن دريد - توفي ٢٣١ هـ - الذي اختلفت نسخه لأنه أملاه بفارس، وأملاه ببغداد من حفظه، كما يقول صاحب الفهرست.

ويذكر الأزهري في تهذيب اللغة أن الأصمعي - توفي ٢١٥ هـ - كان أملى ببغداد كتابًا في النوادر فزين عليه ما ليس من كلامه، ولما عُرض عليه الكتاب أنكر أكثر من ثلثه وضرب عليه.

وكان طبيعيًّا أن ينتج عن مجالس الإملاء آلاف النسخ من الكتاب الواحد، وهي نُسخ تتفاوت في خطوطها وفي أوراقها وفي أحجامها، كما تتفاوت في درجة دقتها ومدى اكتمالها، لأن بعض الناس كان يستطيع أن يتابع الشيخ فلا تفوته منه كلمة، والبعض الآخر كان يعجز عن تلك المتابعة فيخرج النص ناقصًا غير دقيق.

وبعضهم كان على درجة عالية من العلم بقواعد النحو والإملاء، وبعضهم كان دون ذلك بكثير، ولذا لا ينبغي أن نحاسب المؤلفين على ما قد نجده في نسخ الأمالي من أخطاء إملائية أو نحوية، فالمسؤولون عنها هم الذين كتبوا تلك النسخ، وعلى الذين يتصدون لتحقيق كتاب من الكتب المخطوطة أن يتنبهوا لهذه المسألة، لأن المقابلة لا تكون إلا بين النسخ التي أُنيت في مجلس واحد، أما إذا أُملِي الكتاب أكثر من مرة فلا يصح أن نقابل نسخة أملَت في الشام بنسخة أُملَت في المغرب.

الخلاصة

مثلت ظاهرة الإملاء في التراث الإسلامي أسلوبًا فريدًا من أساليب نقل العلم، حيث كان العلماء يُملون علومهم شفويًا على تلاميذهم في مجالس عامة تُعرف بـ"مجالس الإملاء"، وقد ازدهرت هذه المجالس في بغداد منذ القرن الثالث الهجري، وحضرها أعداد ضخمة من الناس، حتى بلغ بعض المجالس عشرات الآلاف من الحاضرين، ولحاجة الناس إلى إيصال صوت الشيخ ظهرت وظيفة "المستملي" الذي ينقل كلام الشيخ إلى بقية المجلس، وقد نتج عن هذه المجالس كتب كثيرة تُعرف بـ"الأمالي"، مثل أمالي ثعلب، وأبي علي القالي، والهمذاني، لكن اختلاف النسخ بسبب غياب المراجعة أو إعادة الإملاء في أماكن مختلفة أدّى إلى تباين في النصوص، ورغم تراجع هذا الأسلوب مع الزمن، خاصة في علوم اللغة، إلا أن أثره العلمي والمعرفي بقي حاضرًا في التراث العربي والإسلاميّ.

موضوعات ذات صلة

الكتابة وسيلة لتسجيل المعلومات بدأت بتصوير الأفكار وتطورت إلى الأبجدية

الفنون الأدبية الحديثة هي تلك الأشكال والأنواع الأدبية التي ظهرت وتطورت خلال العصر الحديث

تميزت المعاجم العربية بتفوقها وريادتها بين معاجم الشعوب الأخرى

موضوعات مختارة