وقد تمخضت مجالس الإملاء هذه عن كتب كثيرة ظهرت باسم
الأمالي، ذكرها حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون.
وأقدمها أمالي الإمام أبي يوسف يعقوب بن
إبراهيم الأنصاري -توفي ١٨٣ هـ- وهي في الفقه، يُقال إنها
أكثر من ثلاثمائة مجلد.
وبمرور الزمن كثرت تلك الأمالي وتنوعت، ففي أواخر
القرن الثالث وأوائل الرابع كانت هناك أمالي كثيرة لعل أشهرها أمالي ثعلب،
والزجاج في النحو، وأمالي ابن دريد في اللغة، وأمالي أبي جعفر البختري في الحديث،
وأمالي أبي علي القالي التي أملاها من حفظه في الأخمسة بقرطبة وفي المسجد الجامع
بالزهراء المباركة، وأودعها فنونًا من الأخبار وضروبًا من الأشعار وأنواعًا من
الأمثال وغرائب من اللغات.
وقبل نهاية القرن الرابع ظهرت أمالي بديع
الزمان الهمذاني -توفي ٣٩٨ هـ-، وأمالي أبي طاهر الزيادي -توفي ٤٠١ هـ-، وفي قرطبة
كان القاضي أبو المطرف عبد الرحمن بن فطيس -توفي ٤٠٢ هـ- يملي الحديث
من حفظه في مسجده، ومستمل بين يديه: على ما يفعله كبار المحدثين بالمشرق، والناس
يكتبون عنه كما يذكر ابن بشكوال في كتابه الصلة.
على أن ظاهرة الإملاء لم تستمر بدرجة واحدة بالنسبة
لمختلف فروع المعرفة، فقبل أن ينقضي القرن الرابع كان إملاء اللغة قد بدأ ينقطع،
في حين استمر إملاء الحديث بعد ذلك لسنوات، فقد شرع السيوطي في إملاء الحديث سنة
٨٧٢ هـ، وجدده بعد انقطاعه، وأراد أن يجدد إملاء اللغة ويحييه بعد دثوره فأملى
مجلسًا واحدًا ولم يجد له حملة ولا من يرغب فيه فتركه.
وكان بعض المؤلفين يراجعون ما يُملون على
السامعين، بدليل ما يرويه الخطيب البغدادي من أن الفراء كان يملي
المجلس من حفظه، ثم يجئ ورّاقه سلمة بن عاصم فيأخذ كتاب أحد الحاضرين فيقرأ عليه
ويغير ويزيد وينقص، ولكن أكثر العلماء لم يكونوا يعودون إلى مراجعة ما أملوه، ولذا
كانت نُسَخ الكتاب الواحد تختلف عن بعضها زيادة ونقصانًا. وكان الكتاب يتعرض
للزيادة والنقصان إذا تكرر إلقاؤه في أكثر من مكان.
ومن الأمثلة على ذلك مجالس ثعلب - توفي ٢٩١
هـ - التي اختلفت نُسخها باختلاف رواياتها، كما يقول ابن النديم، وكتاب الجمهرة في
اللغة لابن دريد - توفي ٢٣١ هـ - الذي اختلفت نسخه لأنه أملاه بفارس، وأملاه
ببغداد من حفظه، كما يقول صاحب الفهرست.
ويذكر الأزهري في تهذيب اللغة أن الأصمعي - توفي ٢١٥ هـ -
كان أملى ببغداد كتابًا في النوادر فزين عليه ما ليس من كلامه، ولما عُرض عليه
الكتاب أنكر أكثر من ثلثه وضرب عليه.
وكان طبيعيًّا أن ينتج عن مجالس الإملاء آلاف النسخ من
الكتاب الواحد، وهي نُسخ تتفاوت في خطوطها وفي أوراقها وفي أحجامها، كما تتفاوت في
درجة دقتها ومدى اكتمالها، لأن بعض الناس كان يستطيع أن يتابع الشيخ فلا تفوته منه
كلمة، والبعض الآخر كان يعجز عن تلك المتابعة فيخرج النص ناقصًا غير دقيق.
وبعضهم كان على درجة عالية من العلم بقواعد النحو
والإملاء، وبعضهم كان دون ذلك بكثير، ولذا لا ينبغي أن نحاسب المؤلفين على ما قد
نجده في نسخ الأمالي من أخطاء إملائية أو نحوية، فالمسؤولون عنها هم الذين كتبوا
تلك النسخ، وعلى الذين يتصدون لتحقيق كتاب من الكتب المخطوطة أن يتنبهوا لهذه
المسألة، لأن المقابلة لا تكون إلا بين النسخ التي أُنيت في مجلس واحد، أما إذا
أُملِي الكتاب أكثر من مرة فلا يصح أن نقابل نسخة أملَت في الشام بنسخة أُملَت في
المغرب.