شغلت
المصادر النقدية برصد حركة الشعر القديم بين النمطي منه وبين صيغ التطور وحركات
التجديد التي تواصلت مع مجيء الإسلام، حيث تطور معه الشعر في عدة اتجاهات ومقاصد،
واستوعب الشعر القيم والأخلاقيات الإسلامية، وازداد معجمه ثراءً من خلال استيعاب
المعجم الديني، وتمثل عطاءاته وقيمه ومفاهيمه وأساليبه وصيغه، كما استمرت منزلة
الشاعر في الارتقاء، بدليل وجود دواوين شعراء تلك المرحلة ممن وظفوا شعرهم في
اجترار الموضوعات القديمة التي هذبها الإسلام، وأعاد صياغتها بشكل حضاري إلى جانب
موضوعات جديدة منها: شعر الدعوة، وأدب الزهد، وشعر المغازي، والحروب، وشعر
الفتوحات الإسلامية.
انتشرت
المقطوعات وزادت سرعة الإيقاع كجزء من متطلب المرحلة، إلى جانب ما انتشر من صور
تشجيع الرسول- صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - كبار
الشعراء منهم: كعب بن زهير صاحب البردة، وحسان بن ثابت شاعر الرسول- صلى الله عليه
وسلم-، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك الأنصاري، وكذا كان استحسان عمر بن
الخطاب- رضي الله عنه- لشعر النابغة الذبياني، وشعر زهير بن أبي سلمى وما يقاس
عليه من الصدق والأخلاق.
استغل
المستشرقون المواقف - أحيانًا - فحاولوا اتهام الإسلام بإيقاف حركة الشعر، أو تعطيل
ملكة الإبداع وتدمير إلهام الشعراء، على نحو ادعاءات جرونبام، ونيكلسون،
وبلاشير، وغيرهم، وتابعهم فريق من الدارسين العرب، وهو ما ردت عليه بعض
الدراسات العربية - أيضًا - على طريقة: شوقي ضيف، ويوسف خليف، وعلي الجندي،
وعبد القادر القط، ومحمد محمد حسين وغيرهم.
وقد
شهدت مرحلة عصر صدر الإسلام تحولًا ملموسًا في صياغة الشعر من حيث الاحتواء على
القيم، والشعائر، والعبادات، والواجبات، والسلوكيات، والأخلاقيات المثلى التي دعا
إليها الدين الجديد، وسارع الشعراء إلى الحوار حولها، والأخذ بها، والذود عنها.
لم تكن ندرة الصور وانتشار المقطوعات دليلًا على
ضعف الشعر بقدر ما عكسته من مستوى التفاعل مع إيقاع الفترة، على نحو ما صوره شعر
السيرة النبوية، وما شابهه من شعر المغازي والفتوحات الإسلامية.
شاعت
القيم العليا في الشعر عبر مفاهيم الحق، والعدل، والخير، والمساواة، والحرية في
سياق قضايا الالتزام العقائدي التي آمن لها شعراء الدعوة وتأثروا بها في شعرهم.
تبلورت مدرستا مكة والمدينة
بما تعكسه كل منهما من دلالات على مستوى الصراع، وتباين القيم، وتباعد المفاهيم،
وتفاوت المواقف، فظهر من شعراء مكة: عبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان بن
الحارث، وأمية بن أبي الصلت، وكعب بن الأشرف اليهودي، وسارت على قيم ومبادئ
جاهلية تنشر الوثنية وتحارب التوحيدية.
ظهرت
النقائض الإسلامية التي كشفت طبائع المغازي والحروب، وسجل الشعر تاريخ الفترة بكل
أبعادها فكان سجل تاريخ العرب، وكان ديوانهم وعلمهم الذي لم يصل لهم أفضل منه،
وكان من حق شعراء الإسلام رد العدوان بمثله بمنطق السيف واللسان معًا.
ظل شعر عصر صدر الإسلام
قادرًا على كشف قيم الفصاحة والبلاغة التي تنافس حولها العرب، ونبغوا فيها، حتى جاءهم القرآن الكريم
تحديًا لبيانهم وتفوقهم اللساني، فأدهشوا ببلاغة القرآن الكريم، لكنهم لم يتوقفوا
عن قول الشعر، لأنه يَعْلو ولا يُعْلَى عليه فكان أعلاه مثمرًا، وأسفله مغدقًا،
وله حلاوة، وعليه طلاوة على حد تعبير شاعر الجاهلية المفوه الوليد بن المغيرة، ولم
يمنع الشعر العربي من الانشغال بفتوحاتهم بقدر ما جدد من عطاءاتهم الفنية.