المجاز المرسل من أعظم أدوات البيان العربي؛ إذ يكشف عن دقة اللغة وعمقها التعبيري، ويمثل نمطًا فريدًا من المجاز اللغوي تتعدد علاقاته وتتجاوز حدود التشبيه.
المجاز المرسل من أعظم أدوات البيان العربي؛ إذ يكشف عن دقة اللغة وعمقها التعبيري، ويمثل نمطًا فريدًا من المجاز اللغوي تتعدد علاقاته وتتجاوز حدود التشبيه.
الإرسال في اللغة: الإطلاق وترك التقييد. [اللسان والمعاجم اللغوية، مادة: رسل].
والمجاز المرسل قسم قائم برأسه من المجاز اللغوي، والقسم الآخر: هو الاستعارة، والفرق بينهما: أن الاستعارة مجاز لغوي علاقته المشابهة.
أما المجاز المرسل فهو مجاز لغوي علاقته ليست المشابهة، بل له علاقات أخرى كالكلية والجزئية. [حاشية الدسوقي ضمن شروح التلخيص (٤/٢٩)].
وسمي مرسلًا؛ لأنه لم يقيد بعلاقة واحدة كما هو الشأن في الاستعارة، بل تتوارد عليه علاقات كثيرة تتعدى العشر علاقات. [الإيضاح (٢٧٠)].
والراجح أن أول من أشار إلى تسميته بـ(المرسل) هو الإمام عبد القاهر الجرجاني، فقد قال وهو يتحدث عن فكرة علاقات هذا النوع من المجاز: " المكان لا يسمَّى مجلساً إلاَّ وفيه قوم ... وليس المجلس إذا وقع على القوم من طريق التشبيه، بل على وجه وقوع الشيء على ما يتصل به، وتكثر ملابسته إياه، وأي شيء يكون بين القوم ومكانهم الذي يجتمعون فيه إلا أنه لا يعتد بمثل هذا، فإن ذلك قد يتفق؛ حيث ترسل العبارة". [أسرار البلاغة (٣٥٠)].
فالإشارة إلى تسميته المجاز المرسل تكمن في قوله: "حيث ترسل العبارة"، وكان الإمام يقصد فعلًا بهذا الحديث ما سمي فيما بعد بالمجاز المرسل؛ لأنه ذكر الكثير من أمثلته وعلاقاته بعد التمهيد له، ثم أخذ عنه البلاغيون هذه الأمثلة، وتحليلاتها عند حديثهم عن المجاز المرسل في صورته النهائية.
وقد سماه ابن الزملكاني، والزركشي (المجاز الإفرادي) [البرهان الكاشف (١٠٢)، والبرهان في علوم القرآن (٢/ ٢٥٨)] وسماه السيوطي (المجاز في المفرد) وقال: ويسمى المجاز اللغوي. [معترك الأقران (٢/ ٢٤٨)].
وهاك أمثلة له مع بيان علاقاته من خلالها.
الكلية: من علاقات المجاز المرسل الكلية، ومن ذلك في القرآن الكريم: {يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ} [البقرة: ١٩]، المجاز في قوله: (أَصَٰبِعَهُمۡ)؛ لأن المراد الأنامل أو أطراف الأصابع، فالعلاقة هي الكلية؛ حيث أطلق الكل (الأصابع) وأراد الجزء (أطراف الأصابع).
· الجزئية: ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى: {فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ} [المجادلة: ٣]، والمجاز في قوله (رَقَبَةٖ)؛ حيث أطلق الجزء (رَقَبَةٖ) وأراد الكل (العبد أو الأمة)، وحين تكون العلاقة (الجزئية) فإنه يشترط في الجزء أن تكون له زيادة اختصاص بالمعنى المراد، وقد تحققت هذه الخصوصية في رقبة؛ لأن الرقيق شبيه بالمربوط من عنقه في قبضة مالكه.
· اعتبار ما كان: مثل قوله تعالى: {وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ}[النساء: ٢]؛ أي: الذين كانوا يتامى قبل أن يبلغوا سن الرشاد، أما عند بلوغهم سن الرشاد، فهم ليسوا يتامى، والسر البلاغي في هذا المجاز: حث أوصياء اليتامى على المبادرة على دفع أموال من كانوا أوصياء عليهم فور بلوغهم راشدين، حتى لكأنهم سلموا لهم أموالهم وهم يتامى.
· اعتبار ما سيكون: ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى: {إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ} [يوسف: ٣٦] والخمر لا يُعصر؛ لأنه معصور فعلًا، لكن المعنى: أراني أعصر عنبًا يصير خمرًا، فالعلاقة اعتبار ما سيكون، والسر البلاغي في هذا المجاز: الإسراع إلى التنفير من الخمر بالإشارة إلى نتيجتها قبل تحققها، فهو مجاز مرسل علاقته اعتبار ما سيكون.
· السببية: ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ} [غافر: ١٣]؛ أي: ماء هو سبب الرزق، فقد طُوِيَ السبب، وأريد المسبب، والسر البلاغي في هذ المجاز هو: إظهار الامتنان على العباد.
· الآلية: ومن علاقات المجاز المرسل الآلية، والآلة هي التي تستعمل في إيجاد الحدث، ومن هذا النوع في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ} [إبراهيم:٤]، والمجاز المرسل في كلمة (لسان)؛ حيث أريد منها: اللغة، ولسان قومه معناها: لغة قومه، والذي سوَّغ استعمال اللسان في معنى اللغة أن اللسان هو آلة أو أداة اللغة، فالعلاقة في هذا المجاز هي الآلية، وقد ظل استخدام اللسان بمعنى اللغة حتى منتصف القرن الثامن الهجري، وما يزال يُستخدم في هذا المعنى.
· المكانية: ومن علاقات المجاز المرسل علاقة المحل أو المكان؛ بأن يُطلق المحل أو المكان ويراد الحالّون فيه، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ} [الدخان:٢٩]، والسماء والأرض ليستا من العقلاء حتى تبكيا، والمعنى: فما بكى عليهم أهل السماوات؛ يعني: الملائكة، ولا أهل الأرض؛ يعني: الناس، ففي السماوات والأرض مجاز مرسل علاقته المكانية أو المحلية.
والمجاز المرسل كثير الورود في القرآن الكريم، وله علاقات أخرى غير ما تقدم. [شروح التلخيص (٤/ ٢٩].
المجاز المرسل نوع من المجاز اللغوي تتعدد علاقاته، مثل: (الكلية، والجزئية، واعتبار ما كان، واعتبار ما سيكون، والسببية، والآلية، والمكانية)، وسمي مرسلًا؛ لأنه لم يقيد بعلاقة واحدة، بل تتوارد عليه علاقات كثيرة، وقد ورد في القرآن الكريم كثيرًا.
المجاز العقلي أحد أركان البيان العربي، يُظهر فطنة التعبير، ودقة الإسناد
الاستعارة هي: أحد الأساليب البيانية المهمة في علم البلاغة، وتُعتبر شكلًا من أشكال المجاز اللغوي
التمثيل في البلاغة فن راقٍ يعبر عن التشبيه المركب الذي يجمع بين عناصر متعددة في الطرفين ووجه الشبه