المجاز العقلي أحد أركان البيان العربي، يُظهر فطنة التعبير، ودقة الإسناد، ويمنح المعنى عمقًا حين يُنقل الفعل عن فاعله الحقيقي لعلاقة معتبرة عقليًّا.
المجاز العقلي أحد أركان البيان العربي، يُظهر فطنة التعبير، ودقة الإسناد، ويمنح المعنى عمقًا حين يُنقل الفعل عن فاعله الحقيقي لعلاقة معتبرة عقليًّا.
المجاز في اللغة: مأخوذ من جاز المكان يجوزه؛ إذ انتقل من مكان إلى مكان، ويقال: جاز الطريق يعني: سار فيه. [اللسان والمعاجم اللغوية، مادة: جوز].
وتعريفه في اصطلاح البلاغيين امتداد لمعناه اللغوي إلا إنه أخص؛ لأن المعنى اللغوي يشمل كل انتقال، على أن الأصل في اللغة يدور حول انتقال الأجسام، أما في البلاغة فهو مقصور على نقل الألفاظ من معنى إلى معنى آخر.
وفي هذا المعنى يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني: "المجاز مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عُدِل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وضعًا على أنه مجاز على معنى أنهم جاوزوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولًا". وقد تطور هذا التعريف بعد الإمام عبد القاهر في مباحث الحقيقة والمجاز في البحث البلاغي. [أسرار البلاغة، (٤٢ ٣)، دار المعرفة، بيروت، لبنان ١٣٩٨ه = ٩٧٨ م، ت: محمد رشيد رضا].
قسم البلاغيون المجاز إلى قسمين:
المجاز اللغوي، وعرَّفوه بأنه: استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الوضعي للفظ والمعنى المجازي.
والمجاز العقلي، وفرقوا بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي بأنه في المجاز اللغوي يتم التصرف في معاني اللغة كما في مبحث الاستعارة، فاستعارة كلمة "أسد" للرجل المقدام ثم التصرف بإحلال معنى الأسد بالرجل الشجاع.
أما المجاز العقلي، فتكون معاني الألفاظ فيه مرادًا منها المعاني الوضعية دون إدخال أي تغيير عليها.
أما تسميته مجازًا فله اعتبار آخر، هذا الاعتبار يظهر من تعريف المجاز العقلي، كما ذكره الخطيب وتابعه عليه جمهور البلاغيين، وهو: (إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأويل). [الإيضاح، ضمن شروح التلخيص (١/٢٢٣)].
ويسمى المجاز الحكمي أو المجاز الإسنادي؛ لأنه مجاز مركب لا يقع إلا في الجمل.
يعني: أن المجاز العقلي يكون بإسناد الفعل أو ما فيه معنى الفعل -كاسمي الفاعل والمفعول- إلى غير فاعله في حكم العقل والواقع.
والفاعل المجازي في المجاز العقلي يشترط في صحة إسناد الفعل أو ما في معنى الفعل إليه أن تكون له صلة بالفعل، فإن لم تكن له بالفعل صلة فلا يجوز إسناد الفعل إليه، ولا إسناد ما فيه معنى الفعل.
وهذه الصلة هي التي أشار إليها الإمام الزمخشري بالملابسة، وأخذها عنه الخطيب وجميع البلاغيين من بعده. [شروح التلخيص (١/٢٢٥)] والذي يلابس الفاعل ويكون له بالفعل علاقة هو الآتي مع التمثيل له من القرآن الكريم.
أ. المكانية: من صور المجاز العقلي إسناد الفعل أو ما في معناه إلى المكان الذي حدث فيه الفعل، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا}، [الزلزلة: ٢] ... {يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا} [الزلزلة: ٤]. هذان مجازان عقليان أحدهما في إسناد الإخراج إلى الأرض، والفاعل الحقيقي هو الله، أما الأرض فهي مكان الفعل وليست فاعله، والذي سوَّغ أن تكون الأرض فاعلًا للإخراج أنها مكان الفعل، فالملابسة والعلاقة هي المكانية.
وكذلك إسناد التحدث إلى ضمير الأرض مجاز عقلي علاقته المكانية، أما الفاعل الحقيقي فهو الله -عز وجل-، ومثلهما قوله تعالى: {وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا} [البقرة: ١٢٦]. فقد أوقع اسم الفاعل (آمنًا) وهو في قوة معنى الفعل على ضمير (بلدًا) على سبيل المجاز العقلي، والبلد مكان، فالملابسة أو العلاقة فيه هي المكانية، وفاعل الأمن الحقيقي هم أهل البلد (مكة) لا البلد.
ب. الزمانية: لكل فعل زمان يقع فيه؛ لذلك صح أن يسند الفعل إلى زمانه على سبيل المجاز العقلي، ومن أمثلته في القرآن الكريم: {فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا} [المزمل: ١٧]، فقد أسند فيه الفعل (يجعل) لضمير (يومًا) على أنه فاعل الشيب في (الولدان)؛ أي الأطفال صغار السن، واليوم هو زمان التشييب لا فاعله؛ لأن الفاعل الحقيقي هو الله - عز وجل -، واليوم ظرف للتشييب.
ج. السببية: وقد يكون المجاز العقلي حاصلًا بإسناد الفعل إلى سببه، وهو كثير في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى في شأن آدم وحواء: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ} [البقرة: ٣٦]، فقد أسند الإخراج إلى ضمير (الشيطان) وهو سبب الإخراج وليس فاعله، والعلاقة فيه هي السببية، والتقدير: فأخرجهما الله بسبب وسوسة الشيطان لهما، وإغرائه إياهما على الأكل من الشجرة المحرمة عليهما؛ ومثله قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا} [الأنفال: ٢].
والمجاز العقلي قد يفيد المبالغة في تصوير أثر الفاعل المجازي الذي أُسند إليه الفعل في صدور الأثر المراد، بتحويله من كونه مكانًا للفعل أو زمانًا أو سببًا إلى كونه فاعلًا للفعل. كما يُستخدم أيضا للإيجاز أو التخييل بحسب السياق.
يقوم المجاز العقلي بوصفه إسنادًا لغويًّا مركبًا على الإسناد لغير الفاعل الحقيقي لعلاقة المكانية أو الزمانية أو السببية، وهو يختلف عن المجاز اللغوي في كونه يُبقي على المعنى الأصلي للألفاظ، ويغيّر جهة الفاعلية ضمن السياق العقلي.
الاستعارة هي: أحد الأساليب البيانية المهمة في علم البلاغة، وتُعتبر شكلًا من أشكال المجاز اللغوي
المجاز المرسل من أعظم أدوات البيان العربي؛ إذ يكشف عن دقة اللغة وعمقها التعبيري
البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته