التمثيل في البلاغة فن راقٍ يعبر عن التشبيه المركب الذي يجمع بين عناصر متعددة في الطرفين ووجه الشبه، مما يثري المعنى، ويعمق التأثير، ويبرز جمالية البيان في اللغة العربية والقرآن الكريم.
التمثيل في البلاغة فن راقٍ يعبر عن التشبيه المركب الذي يجمع بين عناصر متعددة في الطرفين ووجه الشبه، مما يثري المعنى، ويعمق التأثير، ويبرز جمالية البيان في اللغة العربية والقرآن الكريم.
التمثيل في اللغة هو: المماثلة بين شيئين تجمع بينهما صفات مشتركة فيهما أكثر من الصفات المفرقة بينهما، أو ما في أحدهما مماثل تمامًا لما في الآخر، بحيث لا يعتد بما بينهما من تباين. [المصباح المنير والمعاجم اللغوية مادة: مثل].
أما في اصطلاح البلاغيين: فيطلق التمثيل على عدة فنون بلاغية:
يطلق على الاستعارة التمثيلية، وعلى ضرب المثل، وعلى الكناية، وعلى نوع من الاستعارة غير التمثيلية [العمدة، لابن رشيق (ص٣٠)]، ثم على التشبيه المركب، وهو الذي نخصه بالحديث في هذا المبحث.
والتشبيه المركب هو التشبيه التمثيلي أو التمثيل، وهو قسيم التشبيه في الوجود. وبين التمثيل والتشبيه اتفاق واختلاف؛ لأن كل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلًا؛ فالتشبيه خاص بما كان طرفاه (المشبه والمشبه به) مفردين ولو كان مثنى أو جمعًا، كما تقدم في مبحث التشبيه، وكذلك وجه الشبه يكون في التشبيه مفردًا، يعني: أمرًا واحدًا وإن تعدد وجه الشبه، كتشبيه القمر في أواخر لياليه بالعرجون القديم في التقوس والشحوب والنحافة (الدقة).
أما التمثيل أو التشبيه التمثيلي فيشترط في طرفيه أن يكونا مركبين من عنصرين فأكثر، وكذلك وجه الشبه لا بد أن يكون في التشبيه التمثيلي مركبًا من عنصرين فأكثر.
هذه هي الفروق بين التشبيه، والتشبيه التمثيلي، وهذا موضع إجماع بين علماء البيان، فإن أُطلق وصف التمثيل على التشبيه لم يرد منه التشبيه التمثيلي باتفاق، وفي القرآن الكريم صور كثيرة للتشبيه التمثيلي المركب الطرفين والوجه، موزعة على معان وأغراض شتى شارحة، مرغبة، محذرة، ناصرة للحق، داحرة للباطل، جامعة في تصويرها بين مخاطبة كل المدارك والملكات، مستخدمة في أدائها كل عناصر الكشف وقوة التأثير من ألوان يدركها البصر، وأصوات يتلقاها السمع، وطعوم يحس به الذوق، وشذا مفعم بالأريحية تمتع حاسة الشم، أو دخان خانق يزكم الأنوف.
وقد أجمل بعض الباحثين الأغراض التي تُراد من التشبيه التمثيلي وغير التمثيلي في الآتي:
١- تقرير المعنى المراد في وعي السامع.
٢- الإقناع بفكرة ما خيرية أو شرية.
٣- تحسين أمر للعمل به والحث عليه، أو تقبيح أمر للتنفير منه.
٤- إثارة المشاعر رغبة أو رهبة.
٥- المدح أو الذم، التعظيم أو التحقير.
٦- إخراج الخفي مخرج الجلي.
٧- إمتاع العواطف، وإثارة ملكات الفهم.
٨- عرض المعاني في أسلوب شيق غير ممل. [أمثال القرآن (٥٩ -٦٠)، دكتور عبد الرحمن الميداني، الطبعة الثانية (١٤١٢-١٩٩٢) دمشق، دار القلم].
وكثيرًا ما تأتي صور التشبيه التمثيلي في القرآن، وطرفا التشبيه فيها كلمة (مَثَل) بفتح الميم والثاء، أو يأتي (مثل) مشبهًا مصرحًا به دون المشبه به.
وقد يؤتى بكلمة (مثل) في تشبيهات القرآن مرادًا بها القصة والشأن العجيب، أو مشارًا بها إلى مثل مضروب على غير طريق التشبيه.
والمراد من كل استعمالاتها التوضيح والكشف والعظة والاعتبار. وقبل أن نأخذ في عرض النماذج وتحليلاتها نشير إلى فرق آخر جوهري بين التشبيه المفرد الطرفين والوجه والتمثيل المركب الطرفين والوجه.
ذلك الفرق هو: أن التشبيه المفرد يأتي في نطاق أضيق من حيث الدلالة على المعاني من التشبيه التمثيلي؛ حيث ترى نسبة معاني التشبيه المفرد من نسبة معاني التشبيه التمثيلي تعادل نسبة ١ : ٢، أو إلى ٣ أو أكثر؛ لأن التشبيه التمثيلي له دلالات مكثفة في الطرفين، وفي الوجه.
فمثلًا: قول كعب بن زهير في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم-:
إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول
فيه تشبيه للرسول -صلى الله عليه وسلم- بالنور في الهداية في الشطر الأول، وبشبيه له بالسيف في القوة، ففي كل تشبيه منهما معان جزئية مفردة لا كثافة فيها.
قارن هذا بقول الشاعر يصف الشمس وقت شروقها:
والشمس من مشرقها قد بدت
صفراء ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت
يجول فيها ذهب ذائب
المشبه هو الشمس وقت شروقها في لونها الأصفر وامتدادات قرصها وأشعتها المتهادية منها، هذا هو تركيب المشبه، أما المشبه به فهو إناء نحاس مستدير الشكل أحميت عليه النار وفيه ذهب أصفر اللون ذائب يتحرك وسط الإناء، تخرج منه أشعة صاعدة أمام الرائي، وهذا هو تركيب المشبه به والمشبه، وهما مركبان حسيان يريان بحاسة البصر.
أما وجه الشبه: فهو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع صفرة اللون والأشعة المتموجة المرسلة من سطح الإناء، وهذا هو تركيب وجه الشبه.
قارن هذا التشبيه التمثيلي بالتشبيه المفرد في قول كعب بن زهير يمدح الرسول -صلى الله عليه وسلم-، تر الفروق الواضحة بين كثافة المعاني والصور هنا، ويسرها وبساطتها هناك.
وعلى هذا المنوال جاءت التشبيهات التمثيلية في القرآن الكريم، ولنأخذ – أولًا - قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} [الروم: ٢٨]
هذه الآية الكريمة تواجه قضية من قضايا الشرك والإيمان في منتهى الخطورة: حاصل هذه القضية أن مشركي العرب مع إيمانهم بالله كانوا يشركون به أصنامهم وأوثانهم يرجون منها النفع، وأن يقربوهم من الله زلفى، فكيف واجه القرآن هذه القضية، وكيف أبطل باطل القوم وأقام عليهم الحجة، وساعدهم على التخلص من اعتقادهم الباطل، لا بحز أعناقهم بالسيوف، ولكن بالعقل والبرهان بادئًا بتوجيه الخطاب إليهم هكذا: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ}.
وخلاصة هذا المثل: أن الله ساق لهم عظة وعبرة من واقع حياتهم التي يعيشونها بكل مشاعرهم ووعيهم، فيقول الله لهم: إنكم تزعمون أن أصنامكم وأوثانكم لها شرك مع الله في ملكه تنفع وتضر كما ينفع الله ويضر، متساوون مع الله في التصرف في شئون الكون.
ونحن نسألكم: هل لكم من عبيدكم وإمائكم الذين تملكون رقابهم، هل لكم منهم شركاء فيما تملكون، يتصرفون في ممتلكاتكم بكل حرية دون الرجوع إليكم، وأنكم إذا تصرفتم في أموالكم تخافون منهم وتخشونهم إذا تصرفتم في أموالكم وهم لا يعلمون: كخشية بعضكم بعضًا - أيها الأحرار- إذا كانت بينكم شركة وخلطة في بعض الأموال.
إن الإجابة على هذا السؤال هي بالنفي قطعًا، سواءً أفصحوا بها أو أسروها في أنفسهم، فهذا تمثيل جدلي احتجاجي، أفحم الله فيه المشركين بالعقل والبرهان؛ ولذلك جاءت خاتمة الآية: {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ}، وكأن الله يقول لهم بعد ذلك النفي الذي يحسونه في أنفسهم: إذا كنتم لا ترضون أن تشركوا عبيدكم وإماءكم معكم في ممتلكاتكم وأنتم وهم بشر مخلوقون، فكيف ترضونه لأصنامكم مع الله وهو الخالق المهيمن، وهم مخلوقون، بل جماد لا إحساس لهم ولا إرادة؟!
فالمشبه والمشبه به - هنا - هيئتان أو صورتان مركبتان، وكذلك وجه الشبه هيئة مركبة من عدة عناصر؛ لأنه تشبيه تمثيلي مركب.
المشبه هو دعوى المشركين أن للأصنام شركة مع الله في الكون تنفع كما ينفع، وتضر كما يضر مع بطلان الأسس التي بنوا عليها هذه الدعوى.
وهو مركب مزيج من الحسيات وبعض المعنويات، والمشبه به نفى أن يكون للمشركين شركاء من عبيدهم ومملوكيهم يتصرفون كما يتصرف أسيادهم فيما يملكون مع خشية الأسياد من المملوكين إذا تصرفوا في أموالهم دون الرجوع إليهم، كخشية الشركاء الأحرار بعضهم بعضًا، وهو مركب حسي مشوب بشيء من المعنوي.
ووجه الشبه هو: بطلان المساواة بين الطرفين مع بطلان ما بنيت عليه هذه المساواة، وبهذا التمثيل الرائع بطلت عقيدة الإشراك عقلًا كما هي باطلة واقعًا.
ومثال آخر هو قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: ٢٦٤].
المشبه في هذا التمثيل الإنفاق الذي يتبعه منٌّ وأذى من المنفق الذي لم يرد بإنفاقه وجه الله ولا يرجو ثوابه، والمشبه به حجر صخري عليه قليل من تراب هطل عليه المطر فأزال التراب وترك الحجر أملس نقيًّا، فكل من المشبه والمشبه به هيئة مركبة من عدة عناصر حسية ومعنوية.
ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من تجمع أشياء بعضها فوق بعض، سلطت عليها عوامل الإزالة مع سرعة الفناء والهلاك، وهو مركب حسي.
والغرض من التمثيل هو الحرمان والحسرة والعجز عن التدبير والتحذير من سوء المصير.
ومثال ثالث، هو قوله تعالى: {وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ} [الكهف: ٤٥].
وهذا مثل أو تمثيل لحال الحياة الدنيا في نموها وازدهارها وسرعة فنائها وهوان أمرها، شبهها الله - عز وجل - بصورة حديقة أرواها الماء، فأنبتت من كل زوج بهيج، ثم سرعان ما ذبلت ويبست وزالت نضارتها وبهاؤها، وتحطمت أشجارها، وجفت ينابيعها، وصار نباتها وزرعها غثاءً أحوى.
فالمشبه هو الدنيا في سرعة زوالها بعد بهجتها ونضارتها، والمشبه به حديقة توفرت لها أسباب النماء والازدهار والإبهاج ثم سرعان ما أسرع إليها الفناء والهلاك، وطرفا التشبيه مركبان حسيان.
أما وجه الشبه فهو الهيئة الحاصلة من اجتماع أشياء مبهجة نافعة أبلغ ما يكون النفع مع سرعة هلاكها وانقضائها، وهو مركب حسي كذلك.
والغرض من التشبيه هو التحذير من الاغترار بالدنيا والركون إليها وترك العمل للحياة الآخرة. ومما تجدر الإشارة إليه أن التشبيه التمثيلي في القرآن إذا كان المشبه به فيه مركبًا من عدة عناصر نجد أداة التشبيه فيه داخلة دائمًا على العنصر الرئيسي من عناصره.
وإذا تتبعنا هذه التمثيلات القرآنية كلها نجدها خاضعة لهذا المنهج البياني الحكيم، ونريد من العنصر الرئيسي في التمثيل القرآني كونه سببًا فيما بعده، ولولاه ما كان عنصر منها، وهي منه بمثابة المسبب، فقد ضرب ثلاثة أمثال للحياة الدنيا، وفي كل واحد منها نجد الماء هو العنصر الرئيسي لجميع العناصر الآتية بعده.
أول هذه الأمثال الثلاثة كان في سورة (يونس)، وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ * وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ } [يونس: ٢٤-٢٥].
تأمل العناصر التي وردت بعد (الماء) تجد الماء هو السبب فيها، ولولا الماء ما كان لواحد منها وجود.
أما المثل الثاني فهو آية (الكهف) التي تقدم ذكرها آنفًا، وفيها دخلت أداة التشبيه على (الماء) هكذا: {وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا} [الكهف: ٤٥].
أما المثل الثالث فهو في سورة (الحديد)، وهو قوله تعالى: {ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ} [الحديد: ٢٠].
أداة التشبيه في هذا التمثيل هي (الكاف)، أما (مثل) فهو المشبه به، وهو مضاف إلى (غيث)، وغيث أول عنصر ذكر في بيان عناصر التشبيه بعد المشبه به، فصار كأن الأداة دخلت عليه مباشرة؛ وذلك لأن الماء هو السبب في التمثيلات الثلاثة.
وكذلك قوله تعالى في وصف أحبار اليهود وغبائهم: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ} [الجمعة: ٥]، كان (الحمار) أول عنصر يذكر من عناصر الصورة؛ لأن المثل مضروب لغباء الأحبار، وقد قُدم الحمار في الصورة؛ لأنه يُضرب به المثل في البلادة وعدم الانتفاع، مما يناسب حال من حُمّل التوراة ولم يعمل بها، ولم يقل: كمثل أسفار يحملها الحمار.
وكذلك قوله تعالى في تمثيل مضاعفة الأجر للمنفقين أموالهم في سبيل الله: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ} [البقرة: ٢٦١]،
كانت (الحبة) أول عناصر الصورة؛ لأنها سبب فيما بعدها، وما بعدها مسبب عنها.
وهذا ملحوظ جدير بالاعتبار في بلاغة القرآن الكريم، وقليل من يلتفت إليه من الدارسين، قدماء ومحدثين. [انظر: خصائص التعبير في القرآن الكريم (مبحث التشبيه) مكتبة وهبة القاهرة].
التمثيل أو التشبيه التمثيلي يختلف عن التشبيه المفرد بتركيبته المركبة في الطرفين ووجه الشبه، مما يمنحه دلالات أعمق وأوسع، وقد برز هذا الفن البلاغي في القرآن الكريم بأمثلة بليغة توضح المعاني وتحث على التأمل، مستخدمًا عناصر حسية ومعنوية متعددة لتحقيق أقصى درجات الإقناع والتأثير.
التشبيه أسلوب من أساليب علم البيان، يهتم بتزيين الكلام، وتقوية المعنى
المجاز العقلي أحد أركان البيان العربي، يُظهر فطنة التعبير، ودقة الإسناد
الفصاحة هي مصطلح بلاغي ارتبط في بداية البحث البلاغي بمصطلح «البلاغة»