Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الفلسفة اللغوية ملحق (١)

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

الفلسفة اللغوية ملحق (١)

إنّ فاللُّغَةَ مَوْرُوثٌ وليست مُخْتَرَعًا، وتَلْعَبُ "الفَلْسَفَةُ اللُّغَوِيَّةُ" دَوْرًا مُهِمًّا جِدًّا في فَهْمِ التُّراثِ، بَعْدَ فَهْمِ التَّصَوُّرِ الكُلِّيِّ الذي سَيْطَرَ على الأَذْهانِ تَلَقِّيًا وأداءً وفَهْمًا لِلْكَوْنِ والإنسانِ والحياةِ. 

دور الفلسفة اللغوية في فهم التراث

تَلْعَبُ "الفَلْسَفَةُ اللُّغَوِيَّةُ" دَوْرًا مُهِمًّا جِدًّا في فَهْمِ التُّراثِ، بَعْدَ فَهْمِ التَّصَوُّرِ الكُلِّيِّ الذي سَيْطَرَ على الأَذْهانِ تَلَقِّيًا وأداءً وفَهْمًا لِلْكَوْنِ والإنسانِ والحياةِ. فاللُّغَةُ مَوْرُوثٌ وليست مُخْتَرَعًا؛ أي إن وَضْعَ الأَلْفاظِ بإزاءِ المعاني أَمْرٌ يَرِثُه الإنسانُ ولا يَصْطَنِعُه. ومن أجلِ ذلك كان لا بدَّ عليه أن يُدْرِكَ ذلك الوَضْعَ، فيَفْهَمَ دلالاتِ الألفاظ. وقد اهتمَّ المسلمون القُدَماءُ جِدًّا بهذه القضية: قضيةِ دلالاتِ الألفاظ.

ودلالاتُ الألفاظِ جعلتْهم يتكلَّمون عن قضيةِ "الجُذورِ اللُّغَوِيَّةِ" الموجودةِ في المعاجم، لبناءِ النِّظامِ الصَّرْفِيِّ الذي يُخْرِجُ من هذه الجذورِ: الفعلَ الماضي، والمضارعَ، والأمرَ، واسمَ الفاعلِ، واسمَ المفعولِ، والمصدرَ، والصفةَ المُشَبَّهَةَ، واسمَيِ المكانِ والزمان… وسائرَ أنواعِ التَّصاريفِ اللُّغَوِيَّةِ التي تُسْتَعْمَلُ في مواطنَ شتَّى. وهذا درسوه بتفصيلٍ كبيرٍ جدًّا، وكشفوا من خلال هذه الدراسات أشياءَ كثيرةً، نُسَمِّيها "الفلسفةَ اللُّغَوِيَّةَ".

المكون الأساس للكلمة: الحرف

والحقيقةُ أن دراسةَ هذه الفلسفةِ اللغويةِ بمثلِ هذه الخطواتِ التي سوف نتعرَّضُ لها تَجْعَلُ الإنسانَ أكثرَ فَهْمًا، سواءٌ للنُّصوصِ الشَّرْعِيَّةِ أو للكتاباتِ التراثيةِ. 

ولنبدأ من المُكَوِّنِ الأساسِ للكلمةِ، وهو الحرفُ. والحرفُ نوعان: حروفُ المباني وحروفُ المعاني.

حروفُ المباني

حروفُ المباني ثمانيةٌ وعشرون حرفًا في لغةِ العرب، وكانت قديمًا مصاغةً في صورةٍ تُسَمَّى «الأبجدية»؛ لأنها كانت تبدأ بكلمة «أبجد»: (أبجد هَوَّز حُطِّي كَلَمُن، سَعْفَص قَرَشَت ثَخَذْ ضَظَغ).

ثم تطوَّرت فيما بعد حتى وصلنا إلى نظامٍ يُسَمَّى «النظامَ الهجائيَّ» أو «الألفبائيَّ»، وهو النظامُ الذي تعلَّمنا عليه حديثًا: (أ، ب، ت، …، هـ، و، ي). وسُمِّي هجائيًّا؛ لأنها الحروفُ التي نتهجَّى الكلمةَ بها. وهذه الحروفُ تُسَمَّى «حروفَ المباني»، وهي لا معنى لها في ذاتها؛ فالألفُ وحدها لا معنى لها في اللغةِ العربية.

وبالمناسبة، تشتركُ اللغاتُ الساميةُ في اثنينِ وعشرين حرفًا، وتنفردُ العربيةُ عن بعضِ اللغاتِ السامية في ستةِ حروف. والأبجديةُ أيضًا كانت تشيرُ إلى هذا: فمن (أبجد) حتى (قرشت) هي الاثنينُ والعشرون حرفًا التي تشتركُ فيها العربيةُ مع العبريةِ والآراميةِ والسريانيةِ والحبشيةِ ونحوِها. أمّا (ثخذ ضظغ) فتنفردُ بها العربيةُ عن اللغاتِ الأخرى؛ ولذلك يُسَمُّون هذه الحروفَ الستةَ: "الحروفَ الروادفَ"؛ لأنها مُرْدَفَةٌ، أي مُلْحَقَة.

وهذه الاثنانُ والعشرون حرفًا المشتركةُ -تقريبًا- هي الحروفُ اللاتينيةُ أيضًا، مع إسقاطِ الحاءِ وإضافةِ الثاءِ.

فهذه «حروفُ المباني» التي يهتمُّ بها الذين يدرسون «الأداءَ الصوتيَّ» ودارسو «التجويد». 

وقد صنَّفها القدماءُ واستنبطوا لها صفاتٍ ومخارجَ، وحقًّا ومستحقًّا: فالحقُّ يعني إخراجَ الحرفِ من مخرجِه الخاصِّ به: من الحلق، ومن وسطِ اللسان، ومن طرفِ اللسان، ومن مجموعةِ الأسنان، ومن الشفتين، ومن الخيشوم (الأنف). والمستحقُّ: مراعاةُ موضعِ الحرفِ من الحروفِ المجاورةِ له، وأثرِ نطقِ الحروفِ بعضِها في بعضٍ.

ولهذا فإن من الإعجاز أن القرآنَ الكريم ورد إلينا بالأداءِ الصوتيِّ نفسِه الذي تركه لنا رسولُ الله ﷺ؛ أي بالطريقةِ الصوتيةِ المُعَيَّنَةِ التي تجعلُ كلَّ حرفٍ له اعتبار. وهناك جدولٌ يحفظُه رجالُ التجويد، وله أداءاتٌ مُفْرَدَةٌ وأداءاتٌ مُرَكَّبَةٌ، ثم يتراكبُ ذلك حتى نتعلَّم علمَ التجويد في أحكامِ التنوينِ والنونِ الساكنةِ، وأحكامِ الميمِ والراءِ واللامِ، وحروفِ المد… وغيرِ ذلك.

فحروفُ المباني -وإن لم تكن لها معانٍ في ذاتها - إلا أن الأداءَ الصوتيَّ الصحيحَ لها مِن الضرورةِ بمكانٍ في ثقافةٍ أُمِّيَّةٍ اعتادت نقلَ تراثِها مشافهةً، ونقلت بهذه الطريقة كتابَ الله عز وجل وحديثَ رسولِه ﷺ. وقد ارتبط بذلك فنونُ الفصاحةِ والخطابةِ والبيانِ في التراثِ الإسلامي، وهي فنونٌ لا تزالُ لها مكانتُها، بل وتُعَدُّ من المهاراتِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ التي تُدْرَسُ ويُعْنَى بها في الحضاراتِ المختلفة.

حروفُ المعاني

وهي الحروفُ التي يؤدي كلُّ واحدٍ منها معنًى معيَّنًا، وهي في اللغةِ العربيةِ تسعون حرفًا على خمسةِ أقسام:

  • منها ما هو حرفٌ واحدٌ مثل: الواو، والباء، والكاف، والفاء، واللام…
  • ومنها ما هو حرفان مثل: من، في، عن، لن، إنْ…
  • ومنها ما هو مكوَّنٌ من ثلاثةِ حروف مثل: إلى، على، ثمَّ، إنَّ…
  • ومنها ما هو مكوَّنٌ من أربعةٍ مثل: لعلَّ، كأنَّ…
  • ومنها ما هو من خمسةٍ مثل: لكنَّ (وهي تُنطق: «لاكنَّ» بألفِ مدٍّ لا تُكتب، وبشدَّةٍ على النون). وليس هناك ما هو مكوَّنٌ من أكثرَ من خمسةِ حروف.

وهذه التسعون حرفًا: إمّا أن يكون لها عملٌ أو لا يكون لها عمل؛ أي إمّا أن تؤثِّر فيما بعدها أو لا تؤثِّر. فبعضُها يجرُّ، وبعضُها ينصبُ، وبعضُها يجزمُ، وبعضُها لا عملَ له ولا أثر. لكن الأثرَ شيءٌ، والمعنى شيءٌ آخر.

فهذه الحروفُ تُسْتَعْمَلُ في ستةٍ وخمسين معنى. والمعاني الستةُ والخمسون منها: الابتداء، والغاية، والانتهاء، والتبعيض، والظرفية، والاستعلام، والاستفهام، والقسم، والتحضيض، والتمنّي، والترجّي، والتأكيد… وهكذا.

وعندما نرسم جدولًا فيه التسعون حرفًا بصورةٍ رأسيةٍ تقابلها الستُّ والخمسون وظيفةً بصورةٍ أفقية، نجد أن الحرفَ الواحد قد يدلُّ على معنى أو اثنين، وقد يدلُّ على نحو خمسةَ عشرَ معنى! فمثلًا: «الباء» تدلُّ على أشياء كثيرة، منها: المصاحبة، والملابسة، والابتداء، والظرفية، والسببي.

أنواع الحروف واستعمالاتها

هناك عشرون حرفًا من التسعين تجرُّ ما بعدها وتسمى «حروف الجرّ»، وهي: من، إلى، عن، على، في، رُبَّ، اللام، الباء، الكاف، واوُ القسم، تاءُ القسم، مُذْ، منذُ، كي، حتى، خلا، عدا، حاشا، لعلَّ، متى.

وهناك حروفٌ أخرى تنصب وتسمى «حروفًا ناصبة»، كأن تنصبَ المبتدأَ وترفعَ الخبرَ على خلاف (كان) وأخواتها، وهي: إنَّ، أنَّ، كأنَّ، لكنَّ، ليتَ، لعلَّ، (وهي المعروفة بـ«إنَّ وأخواتها»).

أما «كان وأخواتها» فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، كما في قولك: كان عمرُ سيدًا.

وهذه الحروف أيضًا مقسمةٌ إلى أقسام: منها ما يدخل على الفعل، ومنها ما يدخل على الاسم، ومنها ما يدخل على كلٍّ منهما، ومنها ما له أثرٌ ومنها ما ليس له أثرٌ، ومنها ما له معنى واحدٌ ومنها ما له أكثر من معنى أو وظيفة.

فـ«هل» لا أثرَ لها، ومعناها —أو وظيفتها— الاستفهام، وتدخل على الفعل والاسم.

و«في» من حروف الجرّ باعتبار الأثر، ومن حروف الظرفية باعتبار المعنى، ولا تدخل إلا على الاسم.

و«لم» من حروف الجزم باعتبار الأثر، وهي للنفي باعتبار المعنى، وتدخل على الفعل فقط.

ولكل حرفٍ استعمالاتُه الممكنة، ولا يمكن استعمالُه في غيرها؛ فلا يصح أن نأتي بحرفٍ مثل (الكاف) للاستفهام؛ لأن الكاف لا تُستعمل للاستفهام، ولا يمكن أن نستعمل الحرف (في) للسببية.

والحرفُ يُستعمل في معنىً معيَّن بصورةٍ مكثفة أو أكثر تداولًا، ثم قد يُستعمل —على وجهٍ أقل— في معانٍ أخرى. فالباء —مثلًا— قد تَرِد لمعانٍ متعددة بحسب السياق.

فهل يمكن أن يُستعمل اللفظُ أو الحرفُ في معنيين مختلفين حقيقةً؟ نعم، وهذا ما يُسمى بالمشترك؛ حيث يكون معنياه على الحقيقة وليس فيه مجاز، وسوف نتعرض له لاحقًا.

التعلق

هذه الحروفُ حروفُ معانٍ؛ بمعنى أنها مرتبطةٌ في تكوين الجملة العربية بفعل. وهذا ينقلنا إلى شيءٍ آخر: فنحن حتى الآن نتكلم في المفرد؛ أي في الألفاظ والحروف -مبانٍ ومعانٍ- بوصفها ألفاظًا مفردة، لكن عندما تتحول إلى التركيب في جملةٍ فإنها تتحول إلى قصةٍ أخرى، لا بد من الوقوف عليها من أجل الفهم الأعمق الذي نحن بسبيله.

فهذه الحروف -في التركيب- لا بد أن تتعلق بفعلٍ أو ما يقوم مقامَ الفعل. وسوف نرى لاحقًا: لماذا الفعل أو ما يقوم مقامه؟ وما الذي يقوم مقام الفعل في الواقع المعيش؟ إنه منطقٌ أتوا به من التجربة الخارجية، حتى أصبحت اللغة كأنها كائنٌ حيٌّ في نموِّها وتفاعلِها.

فكلُّ حرفٍ له فعلٌ يختصُّ به، وهذه أولُ حقيقة. والأفعال نوعان:

١. فعلٌ يتعدَّى إلى المفعول ويرتبط به مباشرة.

٢. وفعلٌ يرتبط بالمفعول عن طريق حرف، وهذا النوع الثاني —الذي يسمى الفعل اللازم— فيه: لكل فعلٍ حرفٌ، أو قل: لا بد لكل حرفٍ من فعل.

الخلاصة

الفلسفة اللغوية أداة جوهرية لفهم التراث الإسلامي وتفسير النصوص عبر إدراك التصور الكلي للكون والحياة من خلال اللغة باعتبارها موروثاً لا مخترعاً. والحرف هي أصغر وحدة بناء، وتنقسم إلى "حروف المباني" المرتبطة بالأداء الصوتي ومخارج الحروف، وإلى"حروف المعاني" التسعين التي تمنح الجملة دلالاتها الوظيفية كالإلصاق والظرفية والغاية. 

موضوعات ذات صلة

اللّغة العربيّة وُلدت من رحم الجزيرة، فحملتها القبائل وخلّدها القرآن الكريم.

هي نظام رمزي عرف من الأصوات الصادرة عن جهاز النطق الطبيعي للإنسان.

هي مصطلح بلاغي ارتبط في بداية البحث البلاغي بمصطلح "البلاغة".

موضوعات مختارة