تُبرز الفلسفة اللغوية عبقرية التراث العربي عبر فهم الحرف كمكون أساسي؛ فمن "المباني" التي تضبط الأداء الصوتي إلى "المعاني" التي ترسم السياق.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تُبرز الفلسفة اللغوية عبقرية التراث العربي عبر فهم الحرف كمكون أساسي؛ فمن "المباني" التي تضبط الأداء الصوتي إلى "المعاني" التي ترسم السياق.
ومن ثراء اللغة وعمقها ما يسمى بـ«التضمين والإضمار»: أي إنهم قد يستعملون أحيانًا حرفًا آخر مع الفعل، لا الحرفَ الخاصَّ به، وهم يعنون بذلك أن هذا الفعل قد امتلأ بفعلٍ آخر؛ فأصبح أمامي فعلان: فعلٌ أنطق به، وفعلٌ آخر أُضمِّنُه مع معنى الفعل الأول. من أين أتى إدراكي لهذا الفعل الآخر الكامن؟ جاء من الحرف.
يقول ربُّنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]. وبالبحث في اللغة نجد أن «خلا» ترتبط بحرف (الباء) لا بـ(إلى)، وهو في كلام العرب وشِعرهم قد استقرَّ على ذلك. فكأن أصل القول هو: «وإذا خَلَوْا بشياطينهم». فماذا عن "خَلَوْا إلى"؟ هنا فهمٌ أعمق للخلوة.
ولولا أني أعرف إزاءها قاعدةَ التضمين (تضمينَ فعلٍ آخر يُعبَّر عنه بحرف) لما وصلتُ إلى هذا المعنى العميق الذي يُصوِّر حالةً نفسيةً من العناد، وحالةً من النيّة المبيَّتة، ومن استقرار النفاق في قلوبهم باعتباره أمرًا مُطمأنًّا إليه لا رجعةَ فيه. وهذا يعطيني أحكامًا وتصوراتٍ أخرى غير تلك المفهومة من مجرد أن أحدهم خلا بآخر. وكل ذلك في كلمةٍ واحدة، بل في حرفٍ واحد، هو (إلى).
ومن التعلُّق في التركيب أيضًا نجد: ﴿بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ﴾ ؛ حيث نجد حرف (الباء)، ونعتقد تلقائيًّا أن هذا الحرف سيكون متعلِّقًا بفعل؛ فأين الفعل هنا؟ غير موجود! إذن لا بد أن أُقدِّره، أي أتخيَّله. ويأتي هنا نوعٌ من أنواع الوعي والفهم العميق للمناسبة التي لا بد فيها أن أُقدِّر شيئًا غير موجود أمامي، وهذا ما يسمونه (الإضمار). وما الذي يكشف لي ذلك ويدفعني إليه؟ إنها القاعدة التي ذكرناها: لا بد لكل حرف في اللغة العربية أن يتعلَّق بفعل. فأين الفعل؟ وما المناسب؟
يمكن أن يكون التقدير عامًّا غير محدد المجال: نبدأ أو أبدأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويمكن أن يكون تقديرًا خاصًّا محدد المجال: أقرأ أو تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وقد يكون التقدير بالفعل: «أبدأ، أقرأ…»، أو بما يقوم مقام الفعل كالمصدر مثلًا: «ابتدائي» أو «قراءتي» باسم الله. وقد يكون المقدَّر مقدَّمًا: «أبدأُ باسم كذا»، أو يكون مؤخرًا: «باسم كذا أبدأ». ثمانية احتمالات، وهذه الاحتمالات الثمانية أتخيَّر منها الأرجح والأنسب.
إذن الحروف لها قصةٌ كبيرةٌ أخرى. إننا ينبغي ألّا نقف فقط عند أثر الحرف، ولا حتى عند وظيفته، بل ينبغي أيضًا أن نبحث في سائر قضايا اللفظ: قضايا الاشتقاق، وقضايا الاشتراك، وقضايا الحقيقة والمجاز، بل نبحث أيضًا في الجملة: التركيب والسياق والسباق واللحاق وغيرها. وما هذا الاستعراض إلا محاولةٌ لاستفزاز العقل المعاصر لارتياد هذه الرحلة الضرورية.
تُبرز الفلسفة اللغوية عبقرية التراث العربي عبر فهم الحرف كمكون أساسي؛ فمن "المباني" التي تضبط الأداء الصوتي إلى "المعاني" التي ترسم السياق. وتتجلى ذروة الإعجاز في "التضمين والإضمار"، حيث يمنح الحرف للفعل أبعاداً نفسية ودلالية عميقة تتجاوز المنطوق لتكشف عن مكنونات النفس وثبات العقيدة. إن تقدير الأفعال المحذوفة والتعامل مع اللغة ككائن حي يعكس وعياً كلياً يربط اللفظ بالكون والإنسان، ويستفز العقل المعاصر لاستكشاف أسرار التركيب والاشتقاق.
اللّغة العربيّة وُلدت من رحم الجزيرة، فحملتها القبائل وخلّدها القرآن الكريم.
هي نظام رمزي عرف من الأصوات الصادرة عن جهاز النطق الطبيعي للإنسان.
هي مصطلح بلاغي ارتبط في بداية البحث البلاغي بمصطلح "البلاغة".