Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

من قضايا اللفظ

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

من قضايا اللفظ

تتجلى عبقرية العربية في ثرائها المعجمي القائم على "الجذور" التي تتجاوز ثمانين ألفاً، حيث يكفي فهم جذور القرآن (١٨٤٠ جذراً) لفتح آفاق التدبر العميق عبر "الاشتقاق" الصرفي الدقيق. 

أولُ أحوال اللفظ: "الاشتقاق"

عندما جمعنا الكلام العربي وجدناه غالبًا ما يتكون من ثلاثة حروف، بالطبع وجدنا بعضًا من الكلمات التي تتكون من حرفين ومن حرفٍ واحد، مثل الحروف: (و، أو)، لكن الكلمة في الأغلب أصلها ثلاثة حروف، ووجدنا ثمانيةً وعشرين حرفًا نريد أن نكوِّن منها كلماتٍ ثلاثية (أي كل كلمة ثلاثة حروف)، فإنه بالتباديل والتوافيق يظهر لدينا نحو خمسمائة مليون احتمالٍ لكلمات؛ وهذا في إمكان تكوين الثلاثيات، لكن ما ورد إلينا من لسان العرب لا يزيد على ثمانين ألف جذرٍ لغوي، والباقي مهمل. فالذي استعمله العرب من المتاح أقل بكثيرٍ جدًا مما أهملوه، كأن المستعمل نحو اثنين في الألف (٠.٢%) من المتاح.

هذه الثمانون ألف جذر تكون ما يقرب من مليوني كلمة إلا قليلًا. فالجذر هو الثلاثي "أَكَلَ"، والكلمة هي الجذر ومشتقاته: (آكِل، مأكول، أَكْلَة، مَأْكَلَة… إلخ).

جذور اللغة العربية

وعندما نقارن العربية باللغة الإنجليزية -في أوكسفورد مثلًا- نجد أن الكلمات التي تقابل ما عندنا نحو (٨٦٠) ألف كلمة، غير الذي دخل في الإنجليزية من الجرمانية والعربية واللاتينية وغيرها؛ وهذا في أوكسفورد الكبير (الذي يبلغ نحو خمسةٍ وعشرين مجلدًا). والكلمات في وبستر لا تزيد على مائة ألف كلمة (كلمة لا جذر)، والكلمات في (مايكل ويست) نحو أربعةٍ وعشرين ألفًا. أما في اللغة العربية فلدينا: ثمانون ألف جذر في لسان العرب لابن منظور، وهو أكبر موسوعة موجودة في هذا الباب، منها ثلاثون ألف جذر في المعجم الوسيط الذي أصدره مجمع اللغة العربية في مصر، وأربعون ألفًا في القاموس المحيط للفيروزآبادي.

كم جذرًا من هذه الجذور يشتمل عليها القرآن الكريم؟ يحوي القرآن (١٨٤٠) جذرًا؛ أي أقل من ٢.٥% من الجذور المستعملة في اللغة. وهذا ينبئ أن الأمر سهلٌ شيئًا ما؛ لأنني لو أتيت بهذه الجذور الـ(١٨٤٠) وتعاملت معها بهذا العمق فسوف أتمكن من فهم القرآن بعمقٍ أكثر، وأتمكن -مع بعض قواعد المستويات المختلفة للفهم- من أن أفهم فهمًا آخر.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإنه بعد الجذر تأتي الفروع، والفروع تُسمى المشتقات، والتفريع يُسمى الاشتقاق، وهذا الاشتقاق يتم على قواعد وأوزان فيما يسمى بالصرف أو التصريف، وهذه الأوزان لها معانٍ ودلالات عامة في كل الكلام؛ فالوزن يمكن أن يستعمل لقضيةٍ أو لمعانٍ معينة؛ مثل: ما كان على وزن «فَعْلَلَة» له علاقة بالصوت: صلصلة، سلسلة، بلَبلة، جلجلة… إلخ...، وما كان على وزن «تفاعَلَ» يعبر عن علاقةٍ بين طرفين، مثل: تبايع، تشاجر، تقاتل… إلخ.....

الاشتراك في اللغة العربية

الاشتراكُ في اللغة العربية هو أنَّ اللفظَ الواحدَ يحتمل أكثرَ من معنى، والارتباطُ أنَّ المعنى الواحدَ تُعبِّر عنه ألفاظٌ متعددة، والافتراقُ يعني أنَّ هناك فرقًا بين معنيين لِلَفظين رغم التشابه.

فعلى سبيل المثال: هناك فرقٌ بين "الفقير" و"المسكين"، رغم التشابه الظاهر، ورغم استخدامنا اللفظين كمترادفين في كثيرٍ من الأحوال، فليس من المعقول أن يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ويكون الفقيرُ هو المسكينَ، والمسكينُ هو الفقيرَ؛ بل لا بدَّ أن يكون هناك فرقٌ. فكأنَّ الفقيرَ هو المُعْدِم، كالذي يملك دخلَ فردين وهو يعول عشرةَ أفراد؛ فالفجوةُ كبيرة، والمسكينُ أحسنُ حالًا، كالذي معه دخلُ سبعةِ أفرادٍ ويحتاج إلى كفايةِ عشرة.

وهنا شيءٌ لطيف؛ يقولون: إذا اجتمع اللفظان في الذِّكر افترقا في المعنى، وإذا افترقا في الذِّكر اجتمعا في المعنى.

الكذب والبهتان والافتراء: ما الفرق؟

إذا افترقت هذه الألفاظُ اشتركت في التعبير عن معنى الكذب، وإن كانت بدرجاتٍ وصورٍ مختلفة؛ فالكذبُ حكايةٌ عن الواقع بما هو غيرُ الواقع؛ أي بتغييرِه. أمّا الافتراءُ فحكايةٌ عن أمرٍ لم يحدث من الأصل؛ أي يقوم المفتري بتأليف القصة، وأمّا البهتانُ ففيه إيقاعُ الأذى على المكذوبِ عليه، فإذا ذُكرت هذه الألفاظُ متلازمةً تبيَّن الفرقُ واضحًا، وإذا ذُكرت كلُّ واحدةٍ على حدةٍ أفادت معنى الكذب… وهكذا.

وهذه الجزئيةُ يمكن أن نضعها في "الخصائص اللغوية"؛ فهناك الاشتراك، والارتباط، والفروق، وقد ألَّف القدماءُ في هذا الباب كتبًا تحت عنوان "الفروق"، وهو مبحثٌ يحتاج إلى دراسةٍ متعمِّقة للمضيّ في رحلة التعرّف إلى العقل التراثيِّ المسلم.

اللفظ بين الحقيقة والمجاز

ومن خصائص اللفظ العربي أيضًا: "الحقيقة والمجاز" عندما أقول: "رأيتُ أسدًا" للحيوان المفترس، فهذا حقيقةٌ، وإذا قلت: "رأيتُ أسدًا" أعني شخصًا شجاعًا، فهذا مجازٌ، إذًا الاستعمالُ يؤثر في اللفظ، وهذا بابٌ واسعٌ تتبيَّن بعضُ معالمه في مواضعَ تالية.

هذا عن خصائص اللفظ في اللغة العربية على نحوٍ رمزي، لكنها في الواقع قصةٌ كبيرةٌ تحتاج إلى اجتهادِ الباحث المعنيّ بمطالعة التراث.

التركيب: الجملة العربية

لا بدَّ أن ندرس التراكيبَ اللغوية؛ فالجملةُ العربيةُ مكوَّنةٌ من ركنين ظاهرين وركنٍ ثالثٍ خفيّ:

١. الركن الأول المسند إليه:

ويُطلق عليه في علم المنطق: "الموضوع"؛ ويُطلق عليه في علم النحو: "المبتدأ" في الجملة الاسمية، و"الفاعل" في الجملة الفعلية، وفي علم البلاغة يُطلق عليه: "المسند إليه"؛ أي اللفظ الذي نُسنِد إليه سائرَ الكلام.

٢. الركن الثاني المسند:

ويُطلق عليه في علم المنطق: "المحمول"، ويُطلق عليه في علم النحو: "الخبر" في الجملة الاسمية، و"الفعل" في الجملة الفعلية، وفي علم البلاغة يُطلق عليه: "المسند"؛ أي اللفظ الذي يتم إسناده إلى الموضوع ليكتمل المعنى؛ إنه يُخبِر عن الموضوع.

٣. الركن الثالث الإسناد:

وهو عبارةٌ عن الرابطة بين المسند والمسند إليه: وفي بعض الأحيان يُطلق عليه: "النِّسبة" أو "العلاقة" أو "الحكم" أو "الحمل" أو "الخبر" أو "الوصف"… ألفاظٌ كثيرةٌ ومختلفة، لكن المعنى واحد.

مثال: "المؤمنون مفلحون"، و"قد أفلح المؤمنون" فقضيةُ الفلاح أُسنِدت إلى (المؤمنين) فـ(المؤمنون) مسندٌ إليه، أو موضوعٌ أتحدث عنه، والمسندُ (مفلحون/قد أفلح). وفي النهاية عندي ثلاثةُ عناصر: اثنان ظاهران هما المسندُ والمسندُ إليه، وثالثٌ معنويٌّ وهو عمليةُ الإسناد نفسها.

النحو

للعرب الفضلُ في نطق هذه الجملة بطريقةٍ صحيحةٍ منضبطة على وجوه الإعراب؛ أي علم النحو، والنحوُ أو الإعراب هو الضابط الذي يمنح الجملة معناها، وهو قادمٌ من المعنى أيضًا، كما قالوا: «الإعرابُ وليدُ المعنى». فالمعنى يتخلَّق في الذهن كتَصوُّر، ثم يريد المرءُ أن يُخرِجه في كلام؛ فتبدأ عمليةُ التعبير التي لا بدَّ أن تتكوَّن على أرضية اللغة.

فتبدأ بإدراك حروفِ البناء (حروفِ المباني)، ومنها تُكوِّن اللفظَ بالصرف (توليدُ المشتقات من الجذر اللغوي، الثلاثي غالبًا)، ثم تتحرّى حالَ اللفظ في علاقته بسائر الألفاظ (الاشتراك والارتباط والافتراق…)، وتتحرّى عادةَ الاستعمال (الحقيقة والمجاز، والتقديم والتأخير…)، ووظائفَ الألفاظ (المعاني والدلالات)، ثم تركيبَ الجملة بضمِّ المسند إلى المسند إليه. وهذا التركيبُ أو الضمُّ الأخير ليس مجرد رصِّ كلماتٍ إلى جوار بعضها؛ فقد لا يؤدي المعنى المطلوب.

ففي المثال السابق لا يصح أن نقول: "مفلحون المؤمنون"، ولا أن نقول: "قد المؤمنون أفلح" فهذه تراكيبُ غيرُ صحيحة، والسبب عدمُ تحرّي قواعد النحو التي تُعربُ عن المعنى وتُخرِجه واضحًا عند تجميع الألفاظ على نحوٍ منضبط.

وهناك قواعدُ للإعراب وأدواتٌ وآلياتٌ يسهل التدربُ عليها، وهي تستوعب كافةَ أحوال الجملة العربية، وأحوالَ الألفاظ فيها (الحرف والفعل والاسم): فالفعلُ متى يكون مرفوعًا؟ ومتى يكون منصوبًا أو مجزومًا؟ فهناك أدواتٌ ناصبة، وأدواتٌ جازمة، وهي أدواتٌ تمنح الفعل شكلًا من النصب والجزم، كما تمنحه معنىً من النفي أو الأمر أو النهي أو التعليل… إلخ.

كذلك الاسمُ يقع بين الرفع والنصب والجر حسب حالته في الجملة وما يتقدمه من أدواتٍ وكلمات. فهو مرفوعٌ على أنه مبتدأ، أو اسمٌ لـ«كان وأخواتها» التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، أو خبرٌ لـ«إنَّ وأخواتها» التي تنصب الاسم وترفع الخبر… وما إلى ذلك.

الخلاصة

تتجلى عبقرية العربية في ثرائها المعجمي القائم على "الجذور" التي تتجاوز ثمانين ألفاً، حيث يكفي فهم جذور القرآن (١٨٤٠ جذراً) لفتح آفاق التدبر العميق عبر "الاشتقاق" الصرفي الدقيق، وتبرز فلسفة اللغة في التمييز بين "الاشتراك والافتراق" لضبط الفروق الدلالية، واستخدام "المجاز" لتوسيع آفاق التعبير، مما يجعل اللفظ كائنًا حيًا يتشكل بحسب بمعناه، كما تنضبط الجملة بركني "المسند والمسند إليه" وعلاقة "الإسناد"، ليأتي "النحو" كوليدٍ للمعنى وضابطٍ للتركيب يمنح الكلام دلالته النهائية، إن هذا البناء اللغوي المحكم يمثل جانبًا من جوانب العقل التراثي الذي يربط بين دقة الحساب الإحصائي في توليد الكلمات وبين العمق البياني في صياغة المفاهيم.

موضوعات ذات صلة

اللّغة العربيّة وُلدت من رحم الجزيرة، فحملتها القبائل وخلّدها القرآن الكريم.

هي نظام رمزي عرف من الأصوات الصادرة عن جهاز النطق الطبيعي للإنسان.

هي مصطلح بلاغي ارتبط في بداية البحث البلاغي بمصطلح "البلاغة".

موضوعات مختارة