الرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال في تاريخ الإنسان، وقد أشار إليه القرآن الكريم في شخص سيدنا يوسف الصديق عليه السلام.
الرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال في تاريخ الإنسان، وقد أشار إليه القرآن الكريم في شخص سيدنا يوسف الصديق عليه السلام.
لغة: هو الشيء الرقيق، نقيض الغليظ والثخين. (لسان العرب).
واصطلاحا: هو الملك والعبودية، أي نقيض العتق والحرية، والرقيق- بمعنى العبد- يطلق على المفرد والجمع، وعلى الذكر والأنثى. أما العبد، فهو الرقيق الذكر، ويقابله الأمة للأنثى ومن الألفاظ الدالة على الرقيق الذكر لفظتا الفتى، والغلام، وعلى الأنثى لفظتا الفتاة والجارية. أما القِنّ فهو أخص من العبد، إذ هو الذي مُلك هو وأبواه، ومالك الرقيق هو السيد، أو المولى.
والرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال في تاريخ الإنسان، وإليه أشار القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام: {وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ * وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ * وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ} (يوسف:١٩ - ٢١)، وكان الاسترقاق من عقوبات السرقة عند العبرانيين القدماء، وعندما سئل إخوة يوسف عن جزاء السارق لصواع الملك: {قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ} (يوسف:٧٥).
وفى الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال، وفي بعض تلك الحضارات -كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية- كان النظام الطبقي المغلق يحول دون تحرير الأرقاء، مهما توفر لأي منهم الرغبة أو الإمكانات.
وفى الحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية، وكانت الأغلبية في الإمبراطورية برابرة أرقاء، أو في حكم الأرقاء، وللأرقاء في تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة "سبارتاكوس " (٧٣ - ٧١ ق. م).
عندما ظهر الإسلام كان التمييز العرقي والطبقي والمظالم الاجتماعية بمثابة منابع وروافد تغذى "نهر الرق " في كل يوم بالمزيد من الأرقاء. وذلك من مثل:
١ - الحرب، بصرف النظر عن حظها من الشرعية والمشروعية، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء.
٢ - الخطف، يتحول به المخطوفون إلى رقيق.
٣ - ارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا كان يحكم على مرتكبيها بالاسترقاق.
٤ - العجز عن سداد الديون، كان يحول الفقراء المدينين إلى أرقاء لدى الأغنياء الدائنين.
٥ - سلطان الوالد على أولاده، كان يبيح له أن يبيع هؤلاء الأولاد، فينتقلون من الحرية "إلى العبودية ".
٦ - سلطان الإنسان على نفسه، كان يبيح له بيع حريته، فيتحول إلى رقيق.
٧ - النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقًا حتى ولو كان أبوه حرًّا.
ومع كثرة واتساع هذه الروافد التي تمد نهر الرقيق -في كل وقت- بالمزيد من الأرقاء، كانت أبواب العتق والحرية إما موصدة تماما، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها.
وأمام هذا الواقع، اتخذ الإسلام منذ ظهوره طريق تحرير الأرقاء، وإلغاء نظام العبودية بنهج متميز، فهو لم يتجاهل الواقع، وأيضا لم يعترف به على النحو الذي يبقيه ويكرسه.
لقد بدأ الاسلام بأغلاق أغلب الروافد التي كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد منهم إلا أسرى الحرب المشروعة، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء، وحتى أسرى الحرب المشروعة، فتح أمامهم باب العتق والحرية: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ} (محمد:٤)، فعندما تضع الحرب أوزارها، يتم تحرير الأسرى، إما بالمن عليهم بالحرية وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء.
ومع إغلاق روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى "كتلة" واقع الأرقاء، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير، فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعا لتحرير الانسان من عذاب النار يوم القيامة.
كما جعل عتق الأرقاء كفارة للكثير من الذنوب والخطايا، وجعل للدولة مدخلا في تحرير الأرقاء عندما جعله مصرفا من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة. يقول سبحانه: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (التوبة:٦٠).
كما جعل الحرية هي الأصل الذي يولد عليه الناس، والرق هو الاستثناء الطارئ الذي يحتاج إلى إثبات، فمجهولو الحكم هم أحرار، وعلى مدعى رقهم إقامة البينات، وأولاد الأمة من الأب الحر أحرار وقد قيل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟
كذلك، ساوى الإسلام بين العبد والحر في كل الحقوق الدينية، وفى أغلب الحقوق المدنية، وكان التمييز فقط -في أغلب حالاته- للتخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التي يفرضها الاسترقاق عليهم.
فالمساواة تامة في التكاليف الدينية، وفي الحساب والجزاء، وشهادة الرقيق معتبرة عند الحنابلة، وله حق الملكية في ماله الخاص، والدماء متكافئة في القصاص. وإعانته على شراء حريته -بنظام المكاتبة والتدبير- مرغوب فيها دينيًّا {وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ} (النور:٣٣.)
وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد، حوله الإسلام -بمنظومة القيم التي كادت أن تسوى بين العبد وسيده- إلى ما يشبه العبء المالي على ملاك الرقيق، فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، بل والمطلوب منه -أيضا- إلغاء كلمة "العبد" و "الأمة" واستبدالها بكلمة " الفتى" و "الفتاة".
بل لقد مضى الإسلام إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق، فلم يتركهم في عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء، وإنما سعى إلى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التي كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أقام نسيجا اجتماعيا جديدا عن طريق "الولاء" الذي قال عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب " (رواه الدارمي).
حتى لقد غدا أرقاء الأمس "سادة" في أقوامهم، بعد أن كانوا "عبيدا" فيهم.
وقد قال عمر بن الخطاب -وهو من هو- عن بلال الحبشي الذي اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: سيدنا أعتق سيدنا! كما تمنى عمر بن الخطاب أن يكون سالم مولى أبى حذيفة حيا فيختاره في منصب الخلافة؛ فالمولى الذي نشأ رقيقا قد حرره الإسلام، فكان إماما في الصلاة وأهلا لخلافة المسلمين.
ورغم انتكاس الواقع التاريخي للحضارة الإسلامية بعد عصر الفتوحات وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية، إلا أن حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيودا وأكثر عدلا بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية.
عندما سعت أوربا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق وتحريم تجارته، لم تكن دوافعها -في أغلبها- روحية ولا قيمية ولا إنسانية، وإنما كانت في الأساس، دوافع مادية؛ لأن نظامها الرأسمالي قد رأى في تحرير الرقيق سبيلا لجعلهم عمالا أكثر مهارة، وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفني في الصناعات التي أقامها النظام الرأسمالي.
ولقد كان القرن الذي دعت فيه أوروبا لتحرير الرقيق هو القرن الذي استعمرت فيه العالم فاسترقت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقا جديدا، لا تزال الإنسانية تعاني منه حتى الآن.
مراجع الاستزادة:
١ - معجم العلوم الاجتماعية مجمع اللغة العربية، ط القاهرة ١٩٧٥م.
٢ - دائرة المعارف الإسلامية ط القاهرة ١٤١٨هـ ١٩٩٨م.
٣ - تفسير النسفي ط القاهرة ١٣٤٤ هـ.
٤ - الإسلام والثورة د/محمد عمارة، ط دار الشروق، القاهرة ١٩٨٨م.
الرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال في تاريخ الإنسان، وقد أشار إليه القرآن الكريم في شخص سيدنا يوسف الصديق عليه السلام. وقد وجُد الرق في الحضارات القديمة -كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية- كان النظام الطبقي المغلق يحول دون تحرير الأرقاء. وللرق أسباب متعددة. ولما أتى الإسلام ضيق خناق الرق والعبودية والاستغلال، وفتح باب الحرية والعدالة والأخوة الإنسانية. كما جعل الحرية هي الأصل الذي يولد عليه الناس، والرق هو الاستثناء الطارئ الذي يحتاج إلى إثبات.