Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

البدعة

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

البدعة

يُعد مصطلح البدعة من المصطلحات الشرعية التي تستوجب تحريرًا دقيقًا، ونهدف هنا إلى بيان حقيقة المفهوم لغةً وشرعًا، واستعراض مسالك العلماء في تقسيمها، وتوضيح الفارق الجلي بين الإحداث المحمود الموافق لأصول الدين، والابتداع المذموم الذي يصادم الشريعة.

أولًا: المعنى اللغوي للبدعة

تدور مادة "بدع" في اللغة حول الإحداث، والابتداء، والاختراع على غير مثال سابق.

  • في أصل اللغة: هي الحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّين بعد الإِكمال.
  • في الاستعمال: أَكثر ما يستعمل المُبْتَدِعُ عُرْفًا في الذمِّ.

قال العلامة ابن منظور رحمه الله: "قال ابن السكيت: البِدْعةُ كلُّ مُحْدَثةٍ. وقال أَبو عَدْنان: المبتَدِع الذي يأْتي أَمْرًا على شَبَهٍ لم يكن ابتدأَه إِياه. وفلان بِدْعٌ في هذا الأَمر أَي أَوَّل لم يَسْبِقْه أَحد. ويقال: ما هو منِّي ببِدْعٍ وبَديعٍ... وأَبْدَعَ وابْتَدعَ وتَبَدَّع: أَتَى بِبدْعةٍ، ... وبَدَّعه: نسَبه إِلى البِدْعةِ. واسْتَبْدَعَه: عدَّه بَديعًا. والبَدِيعُ: المُحْدَثُ العَجيب. والبَدِيعُ: المُبْدِعُ. وأَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْتُه لا على مِثالٍ. [لسان العرب (٦/ ٨ مادة: بدع) بتصرف]

مفهوم البدعة في الاصطلاح الشرعي: مسلكان للعلماء

للعلماء في تعريف البدعة شرعًا اتجاهان:

الاتجاه الأول:

وهو مسلك الإمام العز بن عبد السلام ومن وافقه؛ حيث نظر هذا الاتجاه إلى البدعة بمعناها اللغوي الواسع، فاعتبر أن كل ما لم يفعله النبي ﷺ أو لم يظهر في عهده يُعد بدعةً من حيث الإحداث، ولكنه لم يحكم عليها بالذم المطلق، بل أخضعها لميزان الأحكام التكليفية وقسَّمها استنادًا إلى قواعد الشريعة ومقاصدها الكلية، حيث قال رحمه الله: "ِ الْبِدْعَةُ فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى بِدْعَةٌ وَاجِبَةٌ وَبِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَبِدْعَةٌ مَنْدُوبَةٌ وَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَبِدْعَةٌ مُبَاحَةٌ وَالطَّرِيقُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ فَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْإِيجَابِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ التَّحْرِيمِ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْمَنْدُوبِ فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْمَكْرُوهِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْمُبَاحِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ" [قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ٢٠٤، ط. مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة)]

وبناءً على هذا التأصيل، فإن الحكم على أي أمر مُحدَث يتطلب عرضه أولًا على أدلة الشرع، فما حقق مصلحةً توجبها الشريعة أخذ حكم الوجوب، وما أدى إلى مفسدة أو خالف نصًا أخذ حكم التحريم، وهكذا.

وأكد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني هذا المعنى الشامل، مقرِّرًا أن معيار المدح أو الذم مرهون بـ موافقة الشرع أو مخالفته؛ حيث قال رحمه الله: "وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ يُسَمَّى بِدْعَةً، لَكِنَّ مِنْهَا مَا يَكُونُ حَسَنًا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِخِلَافِ ذَلِكَ" [في "فتح الباري" (٢/ ٣٩٤)]

الاتجاه الثاني: 

وهذا المسلك تبناه جمع من الفقهاء، حيث ذهبوا إلى جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص وأضيق منه في اللغة، فهم يرون أن مصطلح "البدعة" إذا أُطلق في السياق الشرعي فلا ينصرف إلا إلى المعنى المذموم فقط، ولا يصح عندهم إطلاق اسم "البدعة" على الأمور الواجبة أو المندوبة أو المباحة كما فعل الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله، بل يُسمون هذه الأمور الصالحة بأسماء أخرى كـ المصالح المرسلة أو السُّنن الحسنة.

ووفقًا لهذا المنهج، فإن البدعة اقتصر مفهومها حصرًا على المحدثات المحرَّمة التي تتصادم مع الدين. وممن ذهب إلى ذلك الإمامُ ابن رجب الحنبلي، موضحًا أن الفيصل والضابط هو وجود "الأصل الشرعي" الذي يُبنى عليه العمل، حيث قال رحمه الله: "المراد بالبدعة ما أُحْدِثَ ممَّا لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأمَّا ما كان له أصلٌ مِنَ الشَّرع يدلُّ عليه، فليس ببدعةٍ شرعًا، وإنْ كان بدعةً لغةً" [جامع العلوم والحكم" (٢/ ١٢٧، ط/ مؤسسة الرسالة)].

نقطة الاتفاق: ما هي البدعة المذمومة شرعًا؟

وبالتحقيق، نجد أن كلا الاتجاهين قد اتفقا جوهريًا على تحديد حقيقة البدعة المذمومة شرعًا، وأن الخلاف بينهما لا يعدو كونه خلافًا في المدخل المنهجي والاصطلاحي للوصول إلى هذا المعنى. فالقاعدة المتفق عليها هي أن البدعة المذمومة التي يلحق الإثم بفاعلها، هي تلك التي تفتقر إلى أصل شرعي تُسند إليه. وهذا النوع المُحْدَث والمخالف للشرع هو المقصود حصرًا في الحديث الذي ورد عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [صحيح مسلم: (٨٦٧)].

قال الإمام النووي رحمه الله: "قَوْلُهُ ﷺ «وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالْمُرَادُ غَالِبُ الْبِدَعِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُبَاحَةٌ" [شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٤)].

وتحقيقًا لكون هذا التباين بين العلماء لا يفسد للاتفاق قضية، وأنه لا يعدو كونه تفاوتًا في الاعتبار اللفظي لتوجيه الحديث، فقد قيل في بيان ذلك: "ولعلَّكَ تَتَفَطَّنُ مِن هاهُنا أَنَّ اختلافَ العلماء في أَنَّ حديث «كلُّ بدعةٍ ضلالة» عامٌّ مَخْصُوصُ البعضِ أو عامٌّ غَيرُ مَخْصُوص: اختلافٌ لفظي، فإنَّ مَنْ أَخَذَ البدعةَ بمعنىً عامّ -وهو: ما لم يُوجَد في العهد النبوي فحسب- قَسَّمَهُ إلى أقسام: بدعةٌ واجبة، وبدعةٌ مستحبة، وبدعةٌ مباحة، وبدعةٌ مكروهة، وبدعةٌ محرَّمة، فلزمَهُ تخصيصُ عمومِ الحديث وإخراجُ الأقسام الثلاثة الأُوَل منها. ومَن أَخَذَهُ بالمعنى الشرعيّ -وهو: ما لم يُعْهَد في القرون الثلاثة، وليس له أصل من أصول الشرع- أَجْرَى الحديثَ على العموم، ومِن ثَمَّ قال البِرْكِلي في «الطريقة المحمدية»: "لو تتبعت كُلَّ ما قيل فيه: (بدعةٌ حَسَنَة) من جنسِ العبادات وجدتَهُ مأذوناً فيه من الشارع إشارةً أو دلالةً". انتهى". [إقَامَةُ الحُجَّةِ على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة ص ٥٦، ٥٧]

نصوص وأقوال أئمة الفقه في ضوابط البدعة

لقد استقر هذا الفهم الواضح والصريح لمعنى البدعة لدى أئمة الفقهاء وعلماء الأمة المتبوعين؛ حيث أجمعوا على أن الفيصل في الحكم على الأمور المُحْدَثة هو مدى موافقتها أو مخالفتها لأصول الشريعة وقواعدها الكلية. 

وقد تجلى هذا المنهج المنضبط في تقريراتهم المتضافرة التي تفرق بدقة بين الإحداث المحمود الذي تسانده الأدلة، والابتداع المذموم الذي يهدم السنن.

وقد وضع الإمام الشافعي رحمه الله قاعدةً ذهبيةً جليلةً لضبط هذا الباب، حيث بيّن أن العبرة بموافقة مَصادر التشريع المتفق عليها، فقال رحمه الله: "المحدثات من الأمور ضربان؛ أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سُنَّةً أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه بدعة الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة" [أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١١٣)، والبيهقي في "مناقب الشافعي" (١/ ٤٦٨-٤٦٩)].

وتأكيدًا لهذا المنهج، يوضح حجة الإسلام الغزالي أن مجرد الابتكار أو الإحداث ليس محظورًا لذاته، بل المحظور هو ما يصادم النصوص الشرعية الثابتة. قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله: "ليس كل ما أبدع منهيًّا عنه، بل المنهيُّ عنه بدعةٌ تضاد سنةً ثابتةً، وترفع أمرًا من الشرع" ["إحياء علوم الدين" (٢/ ٢٤٨)].

وقد سار الإمام النووي رحمه الله على ذات الدرب مقِرًّا لهذا التقسيم الفقهي الدقيق، حيث استند إلى كلام سلطان العلماء في تصنيف البدعة وإخضاعها لـ الأحكام التكليفية الخمسة. قال الإمام النووي رحمه الله: "قال الشيخ الإمام المجمع على جلالته وتمكُّنه من أنواع العلوم وبراعته، أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في آخر كتاب "القواعد": البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة ... إلخ" ["الأذكار" (ص: ٣٨٢)].

وفي تطبيقٍ فقهيٍّ عمليٍّ يوضح كيفية تنزيل هذه القاعدة على عادات الناس وممارساتهم التي لها أصل عام في الدين وإن تغيرت صورتها، يتحدث الإمام النووي رحمه الله عن مسألة المصافحة المعتادة عقب الصلوات. 

قال الإمام النووي رحمه الله: "مسألة: هل المصافحة بعد صلاة العصر والصبح فضيلةٌ أم لا؟.

الجواب: المصافحة سنة عند التلاقي، وأما تخصيص الناس لها بعد هاتين الصلاتين فمعدود في البدع المباحة (والمختار) أنه إن كان هذا الشخص قد اجتمع هو وهو -قبل الصلاة- فهو بدعة مباحة كما قيل، وان كانا لم يجتمعا فهو مستحب؛ لأنه ابتداءُ اللقاء. [فتاوى النووي (ص٥٦)].

أما الإمام ابن الأثير، فقد جمع في تقريره بين المعنى اللغوي والشرعي، مستشهدًا بأحاديث النبي ﷺ وأثر سيدنا عمر بن الخطاب في صلاة التراويح، ليؤكد أن الإحداث المندرج تحت العمومات المندوب إليها هو من البدع الحسنة المحمودة. قال الإمام ابن الأثير رحمه الله: " الْبِدْعَةُ بِدْعَتَان: بِدْعَةُ هُدًى، وَبِدْعَةُ ضَلَالٍ، فَمَا كَانَ فِي خِلَافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ورسوله ﷺ فَهُوَ فِي حَيِّز الذَّمِّ وَالْإِنْكَارِ، وَمَا كَانَ وَاقِعًا تَحْتَ عُموم مَا نَدب اللَّهُ إِلَيْهِ وحَضَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ فَهُوَ فِي حَيِّزِ الْمَدْحِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثَالٌ مَوْجُودٌ كنَوْع مِنَ الجُود وَالسَّخَاءِ وفعْل الْمَعْرُوفِ فَهُوَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَحْمُودَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي خِلَافِ مَا وَردَ الشَّرْعُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَعل لَهُ فِي ذَلِكَ ثَوَابًا فَقَالَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»، وَقَالَ فِي ضِدّه: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي خِلَافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ قولُ عُمَرَ  رضي الله عنه: "نِعْمَت الْبِدْعَةُ هَذِهِ" لمَّا كَانَتْ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَدَاخِلَةً فِي حَيِّزِ الْمَدْحِ سَمَّاهَا بِدْعَةً ومدَحها؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسَنَّها لَهُمْ، وَإِنَّمَا صَلَّاهَا لَياليَ ثُمَّ تَركَها وَلَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا، وَلَا جَمع الناسَ لَهَا، وَلَا كَانَتْ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّمَا عُمَرُ رضي الله عنه جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا ونَدَبهم إِلَيْهَا، فَبِهَذَا سَمَّاهَا بِدْعَةً، وَهِيَ عَلَى الْحَقِيقَةِ سُنَّة، لِقَوْلِهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي»، وقوله: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»، وعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يُحمل الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ». إِنَّمَا يُرِيدُ مَا خَالَفَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يُوَافِقِ السُّنَّة" [النهاية في غريب الحديث والأثر" (١/ ١٠٦، ١٠٧ ط. المكتبة العلمية بيروت)].

هدي الصحابة في تقسيم البدع

لترسيخ هذا الفهم الفقهي الدقيق، لم يعتمد العلماء القائلون بتقسيم البدعة وتوزيعها على الأحكام التكليفية الخمسة على مجرد الاستنباط النظري فحسب، بل استندوا استنادًا قويًا إلى التطبيقات العملية والممارسة الفعلية من هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم. فقد ورد عنهم من الآثارٌ ما يثبت إطلاقهم لفظ "البدعة" على أمورٍ استحدثوها لكونها تندرج تحت مقاصد الشرع وأصوله الكلية، ومن أبرز هذه الأدلة:

الدليل الأول: صنيع سيدنا عمر بن الخطاب في صلاة التراويح ويتمثل هذا الدليل في الموقف الشهير لأمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين اتخذ قرارًا بجمع المسلمين على إمامٍ واحد لأداء صلاة التراويح جماعةً في المسجد خلال شهر رمضان. 

فقد رأى في هذا الصنيع تحقيقًا لمصلحةٍ شرعية راجحة تتمثل في توحيد الصف وإحياء الشعيرة، ثم أطلق على هذا الفعل صراحةً وصف "البدعة"، قاصدًا بذلك المعنى اللغوي المحمود والإحداث المندوب الذي يُثاب فاعله. 

قال التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله: "خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لَيْلَةً فِي رَمَضانَ إلى الْمَسْجِدِ، فَإِذا النَّاسُ أَوْزاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فقالَ عُمَرُ: "إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ على قارِئٍ واحِدٍ لَكانَ أَمْثَلَ". ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ على أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قارِئِهِمْ، قالَ عُمَرُ: "نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ"، والَّتِي يَنامُونَ عَنْها أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ" [صحيح البخاري: (٢٠١٠) وموطأ مالك: (٢٧٩)].

الدليل الثاني: إطلاق سيدنا عبد الله بن عمر على صلاة الضحى 

ويتجلى هذا الدليل في الأثر المروي عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ حيث سُئل عن اجتماع الناس لأداء صلاة الضحى جماعةً في المسجد، فأجاب واصفًا صنيعهم بأنه "بدعة".

ورغم استخدامه لهذا اللفظ، فإن مراده الدقيق كان الإشارة إلى كون هذه الهيئة المخصوصة من الأمور الحسنة المُحْدَثة، والتي لا تعارض أصلًا من أصول التشريع الأساسية، بل تقع ضمن دائرة الخير المندوب إليه في أداء النوافل. قال الإمام مجاهد رحمه الله: "دَخَلْتُ أَنَا، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: "بِدْعَةٌ" [متفق عليه].

الخلاصة

القول الفصل أن مصطلح "البدعة" يتسع لغةً ليشمل كل أمر مُحدَث، ولكنه ينضبط شرعًا بقواعد الدين وأصوله. فما أُحدث ليخالف نصًّا أو إجماعًا فهو البدعة المذمومة المنهي عنها، وما استند إلى أصل شرعي ووافق مقاصد الشريعة فهو إحداث محمود يثاب فاعله، وهذا ما استقر عليه فهم أئمة الإسلام والفقهاء المتبوعين.  

موضوعات ذات صلة

الدين من الألفاظ التي لم تخل منها لغة من اللغات بمدلولها، لأن التدين فطرة

مفهوم الرجعة من عقائد الشيعة المعروفة عند الاثنى عشرية الأساسية والرجعة مرتبطة بقضية الإمامة 

المعتزلةُ هم أوّلُ مذهبٍ في علمِ الكلامِ الإسلاميّ، بدأ في النصفِ الأوّلِ من القرنِ الثاني الهجريّ

موضوعات مختارة