Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الكليات الخمس

الكاتب

أ.د/ علي جمعة محمد

الكليات الخمس

الكليات الخمس (النفس، العقل، الدين، النسل، المال)، وتقديم النفس والعقل على الدين التعبدي يعكس أولوية التأسيس لوجود الإنسان وتمكينه من أداء وظيفته في الاستخلاف والعبادة، مما يجعل المقاصد إطارًا مرنًا يستوعب الواقع دون أن يتنازل عن جوهر الشريعة.

الكليات الخمس بين الماضي والحاضر

يتضح من ترتيب الكليات الخمس عند السلف، أنهم رتبوها بطريقة تناسب عصرهم، واستوعبت جميع المسائل القائمة، بل المحتملة في وقتهم، إلا أنه في العصر الحاضر، ومع سرعة تطور أنماط الحياة، والانطلاقة الهائلة في ثورة المعلومات والتقدم التقني، أصبح من الضروري إعادة ترتيبها، حتى تعمل بطريقة أكثر فاعلية مع مقتضيات ومتطلبات هذا العصر، وبذلك فنحن لم نخالف مناهج السلف في ترتيبها، بل رتبناها بدرجة تسمح بتشغيلها أكثر مع معطيات الحضارة الإنسانية المتشابكة منذ بداية هذا القرن إلى الآن.

والترتيب الذي نراه متوافقًا وهذا الاحتياج كالآتي: حفظ النفس، ثم العقل، ثم الدين، نم النسل، ثم المال، على حين أن القدامى قد رتبوها ترتيبًا مخالفًا لذلك، باعتبار أن مرادنا بالدين هنا: الشعائر التي تحتاج إلى النية، أو العبادة المحضة، أو محض التعبد، ولو كان في المعاملات، وليس مقصودنا بالدين هنا: الإسلام، بل الإسلام في ذلك الاصطلاح أعم من الدين بهذا المفهوم، وبالتالي؛ فهو يشمل هذه المقاصد الخمس، وحينئذ تحل مشكلات كثيرة.

فالإسلام عبارة عن: خطاب الله سبحانه وتعالى للبشر، وخطاب الله للبشر - كما عرف -: "وضع إلهي مسوق لذوي العقول السليمة إلى ما فيه منفعة دينهم ودنياهم".

الترتيب الجديد للكليات الخمس

وهذا الترتيب وإن كان جديدًا، إلا أنه لا يخرج عن كلام السابقين ولا يعارضهم، وبالتالي فهو لا يخرج عن الدليل الشرعي حتى يكون بدعة مثلًا، وإنما هو مدخل من المداخل التي يستقيم معها حال الأمة في العصر الراهن، وهذا المدخل مؤداه: أن الإسلام هو خطاب الله سبحانه وتعالى للبشر، أمر بأوامر، ونهى عن نواهي، هذه الأوامر والنواهي مقصدها هو: أن يحافظوا على أنفسهم، وعلى عقولهم في تلك النفوس، وأن يحافظوا كذلك على صلتهم بربهم، تحقيقًا للمقصد الأول من وجود البشرية متمثلة في النفس والعقل وهو: العبادة.

ثم أمرهم بعد ذلك أن يحافظوا على نسلهم وحقوقهم وعمارة الأرض، وهو الذي يحقق العمارة والعبادة، والعمارة من خلال تلك العبادة هي التي تقوم بها الدنيا، وهي أيضًا تقوم بها الآخرة.

وترتيب الكليات الخمس على نحو ما قررناه: النفس، العقل، الدين، النسل، المال، هو ترتيب منطقي وله اعتبار، حيث إنه يجب المحافظة أولًا على النفس التي تقوم بها الأفعال، ثم على العقل الذي به التكليف، ثم نحافظ على الدين الذي به العبادة، وقوام العالم، ثم نحافظ بعد ذلك على ما يترتب على حفظ الذات والعقل والدين، وهو: المحافظة على النسل الناتج من الإنسان، وما يتعلق أو ما يندرج تحت هذا العنوان الكلي، من المحافظة على العرض، وحقوق الإنسان وكرامته، ثم بعد ذلك نحافظ على قضية المِلك، وهي التي بها عمارة الدنيا عند تداولها، ذلك المال الذي إذا ما تدوول، فإنه يمثل عصبًا من أساسيات الحياة.

نماذج لثمرة الترتيب الجديد للكليات الخمس

من خلال هذا المدخل، وبتصور العلاقة القائمة بين الإسلام والمقاصد الخمسة، والتي منها الدين، ينبني عندنا أمور:

١ - علاقتنا مع الآخرين في الداخل والخارج، وأنها مبنية في الداخل على الرعاية، وفي الخارج على الدعوة، وبذلك يكون خطابنا للعالمين معقولًا، إذ في علاقتنا مع الآخرين تبين لهم أن الإسلام هذا أوسع من أن يكون دينًا، إذ هو خطاب الله للبشر، وخطاب الله للبشر يشتمل على ما يمكن للإنسان أن يقيم به حضارة، وعلى ما يمكن أن يعمر به الأرض، وكذلك على ما يمكن أن يعبد به الله سبحانه وتعالى، ويطيع أوامره تفصيلًا لا إجمالًا.

 وعلى ذلك فلا بد لمن في الداخل أن يندرجوا تحت ذلك الإسلام وحضارته، حتى وإن لم يندرجوا تحت ديننا، ومن هنا يتبين لنا أن الإسلام يشتمل على:

أ- دين يختص به من أسلم، وآمن بالله ورسوله.

ب- ودولة تحافظ على الناس، وتحافظ لهم أيضًا على المقاصد الخمسة، التي منها الدين الذي أباح الله سبحانه وتعالى قبول التعدد فيه داخل هذا النطاق، أو تحت هذه المظلة.

 فأباح لأهل الكتاب أن يمكثوا بيننا، وأن يصبحوا مواطنين لنا، وأن نأكل ونشرب ونتزوج منهم، وإن كان ديننا يمنعنا أن يتزوج رجالهم من نسائنا، وإن كان أيضًا يمنعنا من بعض طعامهم، إلا أنه على مستوى الإسلام هم يعيشون بيننا، ولغتنا واحدة، وحضارتنا واحدة، وآمالنا وآلامنا واحدة، إلخ، هذا من ناحية الآخر الذي بالداخل.

أما الآخر الذي في الخارج: فالعلاقة بيننا وبينهم مبنية أصلًا على الدعوة، وليس بيننا وبينهم علاقة سلم ولا علاقة حرب، وإنما يأتي السلم والحرب عرضًا لقضية الدعوة، فإذا منعنا أو تجبر علينا فتكون الحرب، وآخر العلاج الكي، وإذا لم يكن كذلك، قال تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [الأنفال: ٦١]، إلى غير ذلك من النصوص التي تدعو إلى السلام، وإلى السلم، وهي لا تعارض قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: ١٩١]، لأن هذا عرض لقضية الدعوة، وإنما الأصل: في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: ١٢٥]، وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٥٦].

ولا يعترض علينا في هذا المقام بالقول بأن آية السيف قد نسخت غيرها من الآيات التي تدعو إلى السلام، أضف إلى ذلك الغموض الشديد الذي يكتنف أصل القول بالنسخ.

من هنا ومع كوننا الآن في باب التأصيل والتنظير، فلا نستطيع الأخذ بالاحتمالات؛ والقرآن في أساسياته وكذا السنة المشرفة لا ينفيان هذا التصور الذي ذهبنا إليه.

ومن فروع هذه المسألة: تفضيل ابن تيمية للكافر العادل في حكمه، على المسلم الجائر في حكمه، في جانب عمارة الدنيا، إذ العدل أساس الملك، فابن تيمية يرجح هذا، حيث وافق الكافر العادل - هنا - حضارة الإسلام، وإن خالف دين الإسلام، حيث إن منشأ هذه الحضارة هو: العدل، الذي به قوام النفس، والعقل، والنسل، والمال، ذلك الأمر الذي تقوم به الدنيا في حين أن الجور يذهبها.

فالمسلم وإن كان متعلقًا بدين، إلا أنه - وفي حالة جوره - يذهب القيمة التي تنبني على المقاصد الأخرى التي بها العبادة والعمارة، وهذا لا يحقق النتيجة في الواقع المعاش.

وعلى هذا يتنزل كلام ابن تيمية، أضف إلى ذلك أن كلامه يمكن أن يتخرج على أنه من قبيل تقديم المصلحة العامة على الخاصة، وهو ما يؤكد ويؤيد ما قررناه في ترتيب الكليات، ويؤيد هذا ما قاله الإمام الشعراني من أن المسلم إذا دخل أرض كفر فعليه أن يلتزم بقوانينهم التي لا تخالف الشريعة، لأن الله قد ألهمهم بها لعمارة الدنيا، فهي إذن لا تتعارض مع ما شرعه الله، وما يريده المسلم ويراه، وطالما أنها من إلهام الله لهم، فلابد أن تكون مندرجة تحت الإسلام بالمعنى العام الذي هو أوسع من مفهوم الدين بالمعنى الذي اخترناه.

الخلاصة

إعادة ترتيب الكليات الخمس ليس تجاوزًا للتراث، بل إعمال لمنهجيته في ضوء مقاصده الكلية، فبقدر ما يحافظ الفقيه على نصوص الشريعة؛ فإن عليه أن ينفذ إلى روحها التي توائم بين الثابت والمتغير، بما يتلاءم مع التحولات الحضارية المعاصرة، فترتيبها التقليدي لم يعد كافيًا لمواكبة التعقيدات الحديثة، ما يستدعي تقديم حفظ النفس والعقل على الدين بالمعنى التعبدي، دون إخلال بالإطار الشرعي، هذا الترتيب الجديد يُبرز شمولية الإسلام وقدرته على استيعاب المستجدات، ويؤكد وظيفته الحضارية إلى جانب دوره التعبدي.

موضوعات ذات صلة

هو خطاب الله تعالى الذي يقتضي طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل أو تخييره بين الفعل والكف عنه.

صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه.

تأمين المقومات الضرورية لحياة الإنسان وهي الضرورات الخمس.

موضوعات مختارة