من خلال هذا المدخل، وبتصور العلاقة القائمة بين الإسلام والمقاصد
الخمسة، والتي منها الدين، ينبني عندنا أمور:
١ - علاقتنا مع الآخرين في الداخل
والخارج، وأنها مبنية في الداخل على الرعاية، وفي الخارج على الدعوة، وبذلك يكون
خطابنا للعالمين معقولًا، إذ في علاقتنا مع الآخرين تبين لهم أن الإسلام هذا أوسع
من أن يكون دينًا، إذ هو خطاب الله للبشر، وخطاب الله للبشر يشتمل على ما يمكن
للإنسان أن يقيم به حضارة، وعلى ما يمكن أن يعمر به الأرض، وكذلك على ما يمكن أن
يعبد به الله سبحانه وتعالى، ويطيع أوامره تفصيلًا لا إجمالًا.
وعلى ذلك فلا بد لمن في الداخل أن يندرجوا تحت
ذلك الإسلام وحضارته، حتى وإن لم يندرجوا تحت ديننا، ومن هنا يتبين لنا أن الإسلام
يشتمل على:
أ- دين يختص به من أسلم، وآمن بالله ورسوله.
ب- ودولة تحافظ على الناس، وتحافظ لهم أيضًا
على المقاصد الخمسة، التي منها الدين الذي أباح الله سبحانه وتعالى قبول التعدد
فيه داخل هذا النطاق، أو تحت هذه المظلة.
فأباح لأهل الكتاب أن يمكثوا بيننا، وأن يصبحوا
مواطنين لنا، وأن نأكل ونشرب ونتزوج منهم، وإن كان ديننا يمنعنا أن يتزوج رجالهم
من نسائنا، وإن كان أيضًا يمنعنا من بعض طعامهم، إلا أنه على مستوى الإسلام هم
يعيشون بيننا، ولغتنا واحدة، وحضارتنا واحدة، وآمالنا وآلامنا واحدة، إلخ، هذا من
ناحية الآخر الذي بالداخل.
أما الآخر الذي في الخارج: فالعلاقة
بيننا وبينهم مبنية أصلًا على الدعوة، وليس بيننا وبينهم علاقة سلم ولا علاقة حرب،
وإنما يأتي السلم والحرب عرضًا لقضية الدعوة، فإذا
منعنا أو تجبر علينا فتكون الحرب، وآخر العلاج الكي، وإذا لم يكن كذلك، قال تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ
عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [الأنفال: ٦١]، إلى غير
ذلك من النصوص التي تدعو إلى السلام، وإلى السلم، وهي لا تعارض قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم
مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا
تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ
فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: ١٩١]، لأن هذا عرض لقضية الدعوة، وإنما الأصل: في
قوله تعالى: {ادْعُ
إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ
ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: ١٢٥]، وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٥٦].
ولا يعترض علينا في هذا المقام
بالقول بأن آية السيف قد نسخت غيرها من الآيات التي تدعو إلى السلام، أضف إلى ذلك
الغموض الشديد الذي يكتنف أصل القول بالنسخ.
من هنا ومع كوننا الآن في باب
التأصيل والتنظير، فلا نستطيع الأخذ بالاحتمالات؛ والقرآن في أساسياته وكذا السنة
المشرفة لا ينفيان هذا التصور الذي ذهبنا إليه.
ومن فروع هذه المسألة: تفضيل ابن
تيمية للكافر العادل في حكمه، على المسلم الجائر في حكمه، في جانب عمارة الدنيا،
إذ العدل أساس الملك، فابن تيمية يرجح هذا، حيث وافق الكافر العادل - هنا - حضارة
الإسلام، وإن خالف دين الإسلام، حيث إن منشأ هذه الحضارة هو: العدل، الذي به قوام النفس، والعقل، والنسل، والمال، ذلك الأمر الذي تقوم به
الدنيا في حين أن الجور يذهبها.
فالمسلم وإن كان متعلقًا بدين، إلا أنه - وفي حالة جوره - يذهب القيمة
التي تنبني على المقاصد الأخرى التي بها العبادة والعمارة، وهذا لا يحقق النتيجة
في الواقع المعاش.
وعلى هذا يتنزل كلام ابن تيمية، أضف إلى ذلك أن كلامه يمكن أن يتخرج
على أنه من قبيل تقديم المصلحة العامة على الخاصة، وهو ما يؤكد ويؤيد ما قررناه في
ترتيب الكليات، ويؤيد هذا ما قاله
الإمام الشعراني من أن المسلم إذا دخل أرض كفر فعليه أن يلتزم بقوانينهم التي لا
تخالف الشريعة، لأن الله قد ألهمهم بها لعمارة الدنيا، فهي إذن لا تتعارض مع ما
شرعه الله، وما يريده المسلم ويراه، وطالما أنها من إلهام الله لهم، فلابد أن تكون
مندرجة تحت الإسلام بالمعنى العام الذي هو أوسع من مفهوم الدين بالمعنى الذي
اخترناه.