Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

لا ينسب لساكتٍ قول

الكاتب

فضيلة أ.د/ علي جمعة

لا ينسب لساكتٍ قول

هل يمكن أن يُفسَّر الصمت على أنه إقرار؟ 

تضع قاعدة  "لا ينسب لساكتٍ قول" حدًا للتأويل الخاطئ، وتحمي العدالة من الانحراف؛ حيث تعد ركيزة أساسية في صيانة العدالة، وحماية الأبرياء من زيف النقل، وعوارض البشر، وهي دستور أخلاقي يمنع أخذ الناس بجريرة غيرهم أو تفسير صمتهم بغير مقتضاه الشرعي والقانوني.

تأصيل القاعدة: صيانة العدالة في الشريعة والحياة

هذا أصل من أصول الفقه الإسلامي والقضاء، وهو أصل- أيضًا- من أصول العدالة والإنصاف، وهذا قول الإمام الشافعي بعد تأمل الشريعة من ناحية، والحياة من ناحية أخرى، وللأسف فإن كثيرًا من الناس خرج عن هذه القاعدة فحاد عن مقتضى العدالة، وأخذ الساكت بجريرة غيره، وطالبوا المفترى عليه أن يتكلم وإلا صح الافتراء، وثبت الاتهام، ولا بد أن نعود في تأصيل ثقافتنا إلى مقتضيات العدل قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِیتَاۤئِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].

العوارض البشرية، ومزالق النقل والتحمل

الإنسان إما أن يصدر منه قول أو فعل يُحكى عنه، أو لا يصدر عنه لا قول ولا فعل فينسب إليه، أما الحكاية عنه فتعتريها العوارض البشرية؛ ولذلك فقد تكون حقًّا، وقد تكون باطلة، فإذا كانت دقيقة وصادقة فلا إشكال، وعلى هذا تكون الشهادة لله قال تعالى: ﴿وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ یُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِۚ وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا﴾ [الطلاق: ٢].

وإقامة الشهادة تستلزم الصدق فيها، ومحاولة عدم الوقوع في العوارض البشرية، والعوارض البشرية هي:

السهو: وهو إذا ذكَّره أحد تذكَّر.

والنسيان: وهو إذا ذكَّره أحد لا يتذكر.

والغفلة: وهي حالة يخلط فيها الناقل بين الأحداث والخطأ.

ويتمثل في الفهم غير الصحيح للقول أو الفعل، وقد يأتي هذا الخطأ من التحمل أو من الحمل أو من الأداء، وأخطاء التحمل تتعلق بسماع جزء من الكلام، أو بالخطأ في دلالة الألفاظ على معانيها، أو نحو ذلك، وأخطاء الحمل تأتي من الجهل بالحقيقة والمجاز، أو بحمل المشترك على معنى غير مراد للمتكلم، أو عدم فهم النقل في اللغة، أو التفريق بين المترادفات أو الجمع بين المتفرقات، أو نزع الكلام من سياقه وسباقه ولحاقه، أو الخطأ في التعميم وعدم مراعاة الشروط المقيدة للإطلاق، وأخطاء الأداء تتمثل في العبارة التي يؤديها الناقل حيث لا تكون منطبقة على ما تحمل؛ أو ما يريد لعجز في القدرة اللغوية أو لاستهانة بها.

منهجية المسلمين في التوثيق وضبط الرواية

ومن العوارض البشرية الكذب وهو خطأ متعمد عن سوء نية، ولذلك فهو خطيئة ويكون لحقد، أو تدبير سيئ، أو خجل، أو نحو ذلك، ومنها أيضًا الذهول ويكون عن عدم تركيز الأمر، وقلة العناية به، ويكون عن دهشة من أمر طارئ، ومن العوارض البشرية الإكراه من الغير سواء أكان أدبيًّا أو ماديًّا.

وكل هذه العوارض التي تعتري الإنسان تجعل الأصل أنه لا ينسب لساكت قول، فالناقل قد يقع في شيء من العوارض البشرية، فإذا سكت المنقول عنه لا ينسب له قول ذلك القائل ولابد من التحري، ومن هنا اخترع المسلمون علوم التوثيق في جانب القرآن الكريم، وضبطوا المسألة غاية الضبط، ليس فقط على مستوى الآية أو الكلمة أو الشكلة، بل على مستوى الأداء الصوتي، وفي جانب السُّنة المشرفة أبدوا أكثر من عشرين علمًا؛ لضبط الرواية، وسيدنا النبي يحذر من هذا؛ فعَنِ المُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [متفق عليه: رواه البخاري رقم (١٢٩١) ومسلم رقم (٤)]، وفي جانب العلوم المختلفة أوجدوا أسانيد الدفاتر أي: الكتب في العلوم جميعًا، ونراهم في جانب القضاء يؤكدون على العدالة والضبط في الشاهد، فليس كل أحد تقبل شهادته، بل لا بد من حالة نأمن فيها تقليل العوارض البشرية، وضبط النقل متمثلًا بالحديث النبوي الشريف؛ فعن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ عن الشهادة. قال: «هَلْ تَرَى الشَّمْسَ؟» قال: نعم، قال: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ» [رواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٩٧٤)، وأبو نعيم في "الحلية" رقم (٤ / ١٨)].

الصمت أمام البهتان وحقيقة "علامة الرضا"

أما إذا لم يكن قد صدر عنه القول أو الفعل أصلًا فهو أشد من الحالة الأولى، ولا يكلف قطعًا برد كل بهتان عليه، ويذكر الإمام السخاوي في "الضوء اللامع" أبياتًا عن شيخه يلخص فيها تلك الحالة [الضوء اللامع١٠/ ٣٢٥] فيقول:

كم من لئيم مشى بالزور يَنْقُلهُ * * * لا يتقي الله لا يخشى من العار

يود لو أنه للمرء يهلكه * * * ولم ينله سوى إثم وأوزار

فإن سمعتَ كلامًا فيك جاوزه * * * وخلِّ قائله في غيه ساري

فما تبالي السما يومًا إذا نبحت * * * كل الكلاب وحق الواحد الباري

وقد وقعت ببيت نظمه درر * * * قد صاغه حاذق في نظمه داري

لو أن كل كلب عوى ألقمته حجرًا * * * لأصبح الصخرُ مثقالًا بدينار

وعلى الرغم من تقرر هذه القاعدة في الشرع نقلًا وشهادة وقضاء وعلمًا، فإن الشرع استثنى منها - شأن كل قاعدة - ما يستوجب الاستثناء لغرض صحيح آخر، ففي الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت لرسول الله : «البِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْيِي فَتَسْكُتُ؟ قَالَ: «سُكَاتُهَا إِذْنُهَا» [رواه البخاري رقم (٦٩٤٦)]، فأيام ما كانت الناس تستحي وكان الحياء خلقًا كريمًا كانت البنت تخجل عندما يتقدم لها خاطب، فإذا سألها أبوها استحت، فقدر الشرع هذا الحياء؛ فعن عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» [رواه مسلم رقم (٣٧)]، فاكتفى بصمتها عن إذنها، وهي أيضًا إذا كرهته أو رفضته لا تخجل من إبداء رأيها، والجهر به، ومن هنا جاء في الثقافة الشائعة السكوت علامة الرضا، وهو علامة قاصرة على البكر التي تستحي فتعميم هذه العلامة ليس بسديد.

هل لنا أن نؤصل أصولًا لحياتنا الثقافية نرجع إليها جميعًا، وتكون بمثابة الدستور، أو بمثابة ميثاق الشرف الثقافي، أو إننا سنظل هكذا في متاهة حوار الطرشان نسير من غير أصول نسعى في حياتنا الثقافية على غير هدى.

الخلاصة

إن تأصيل قاعدة "لا ينسب لساكت قول" في حياتنا الثقافية هو المخرج الوحيد من فوضى الاتهامات والافتراءات؛ ليبقى الصمت حصنًا لصاحبه، والبيِّنة الواضحة كالشمس هي الحكم الوحيد في موازين القسط.

موضوعات ذات صلة

الكليات الخمس (النفس، العقل، الدين، النسل، المال)

الاجتهاد هو بذل أقصى الجهد لإيجاد حكم شرعي لمسألة جديدة

المانع هو وصف ظاهر منضبط، يستلزم وجوده حكمة، تستلزم عدم الحكم، أو عدم السبب.

موضوعات مختارة