أما إذا لم يكن قد صدر عنه القول أو الفعل أصلًا
فهو أشد من الحالة الأولى، ولا يكلف قطعًا برد كل بهتان عليه، ويذكر الإمام
السخاوي في "الضوء اللامع" أبياتًا عن شيخه يلخص فيها تلك الحالة [الضوء
اللامع١٠/ ٣٢٥] فيقول:
كم من لئيم مشى بالزور يَنْقُلهُ * * * لا يتقي
الله لا يخشى من العار
يود لو أنه للمرء يهلكه * * * ولم ينله سوى إثم
وأوزار
فإن سمعتَ كلامًا فيك جاوزه * * *
وخلِّ
قائله في
غيه ساري
فما تبالي السما يومًا إذا نبحت * * * كل الكلاب
وحق الواحد الباري
وقد وقعت ببيت نظمه درر * * * قد صاغه حاذق في
نظمه داري
لو أن كل كلب عوى ألقمته حجرًا * * * لأصبح
الصخرُ مثقالًا بدينار
وعلى الرغم من تقرر هذه القاعدة في الشرع نقلًا
وشهادة وقضاء وعلمًا، فإن الشرع استثنى منها - شأن كل قاعدة - ما يستوجب الاستثناء
لغرض صحيح آخر، ففي الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت لرسول الله ﷺ: «البِكْرَ
تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْيِي فَتَسْكُتُ؟ قَالَ: «سُكَاتُهَا إِذْنُهَا» [رواه
البخاري رقم (٦٩٤٦)]، فأيام ما كانت الناس تستحي وكان الحياء خلقًا كريمًا كانت
البنت تخجل عندما يتقدم لها خاطب، فإذا سألها أبوها استحت، فقدر الشرع هذا الحياء؛
فعن عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ:
«الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» [رواه مسلم رقم (٣٧)]، فاكتفى بصمتها عن
إذنها، وهي أيضًا إذا كرهته أو رفضته لا تخجل من إبداء رأيها، والجهر به، ومن هنا جاء
في الثقافة الشائعة السكوت علامة الرضا، وهو علامة قاصرة على البكر التي تستحي
فتعميم هذه العلامة ليس بسديد.
هل لنا أن نؤصل أصولًا لحياتنا الثقافية نرجع
إليها جميعًا، وتكون بمثابة الدستور، أو بمثابة ميثاق الشرف الثقافي، أو إننا سنظل
هكذا في متاهة حوار الطرشان نسير من غير أصول نسعى في حياتنا الثقافية على غير
هدى.