Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الـعــدل

الكاتب

أ. د فيصل عون

الـعــدل

تُعد مسألة الوعد والوعيد من أبرز القضايا العقدية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفرق الكلامية، لما لها من صلة وثيقة بعدل الله ورحمته، وقد أدى اختلافهم فيها إلى تباين كبير في الحكم على مرتكب الكبيرة وموقفهم من العدل الإلهي.

العدل الإلهي وعلاقته بالتوحيد

ترتبط مسألة العدل الإلهي بقضية "التوحيد" ارتباطًا مباشرًا؛ لأن العدل الإلهي لاحق – كأصل - لأصل التوحيد، ففي غيبة من التوحيد ليس ثمة حديث عن العدل عند المتكلمين جميعًا، وبخاصة فرقة المعتزلة.

مفهوم العدل الإلهي

العدل من حيث اللغة: مصدر عَدَلَ يَعْدِلُ عَدْلًا، أي مَالَ، ويقال: عَدَلَ عن الطريق: حاد، وعدل إليه: رجع، وعدل في أمره: استقام، وعدل الشيءَ عدلًا: أقامه وسوّاه، وعدل الشيء بالشيء: ساواه وجعله مثله، واعتدل: توسط بين حالين.

والعدل: الإنصاف، وهو إعطاء المرء ما له وأخذ ما عليه.

والعدالة في الفلسفة هي الفضيلة الأمّ للفضائل الأربع المتفق عليها عندهم، وهي: الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة. [راجع المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية (مادة: عدل) ط٢، وراجع كذلك المعجم الفلسفي، مجمع اللغة ص ١١٧، القاهرة ١٩٧٩م].

وجاء في التعريفات للجرجاني: العدل في اللغة الاستقامة، وفي الشريعة عبارة عن الاستقامة على طريق الحق باجتناب ما هو محظور، والعدل كذلك عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط. [الجرجاني (علي بن محمد بن علي): التعريفات صـ١٢٨، مصطفى البابي الحلبي وشركاه ١٣٥٧هـ/١٩٣٨م]

وعلى ضوء ما سبق نجد أن العدل من حيث اللغة قد يُذكر ويُراد به الفعل، وقد يُذكر ويُراد به الفاعل، فإذا أُريد به الفعل فمعناه: توفير حق الغير واستيفاء الحق منه، وإذا استُعمل في الفاعل فالمقصود فعل كل الأمور التي أشرنا إليها...

العدل الإلهي في علم الكلام

أما من حيث الاصطلاح الكلامي فالمقصود: أن الله عادل، بمعنى أن أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه. [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، صـ ٣٠١ وما بعدها، تحقيق: د. عبد الكريم عثمان مكتبة وهبة، ط١ ١٩٦٥م-القاهرة].

والعدل صفة من الصفات المتعدية، التي تتعدى إلى الآخر، سواء كان زوجًا أو مواطنًا أو حتى حيوانًا... فالعدل يقتضي وجود طرفين: فاعل، ومفعول، مُعطٍ ومُتَلَقٍّ، ومِن ثَمَّ كان الحديث عن العدل الإلهي أمرًا أساسيًا، فلقد تحدثنا في موضع آخر من هذه الموسوعة عن التوحيد، حيث بينا أن الله مُنَزَّه عن صفات المخلوقين، وهنا في حديثنا عن العدل الإلهي نسعى إلى تأكيد تنزيه الله سبحانه عن صفة الظلم.

والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أمامه عددًا كبيرًا من الآيات يستشهد بها القائلون بالجبر، وأن ثَمَّة عددًا آخر من الآيات يستشهد بها القائلون بحرية الإرادة والاختيار،[أبو منصور عبد القاهر البغدادي: أصول الدين ص ١٣٤- ١٣٥ ط١ إستانبول ١٣٤٦هـ/ ١٩٢٨م] ومن الآيات التي فُهمت على معنى الجبر نقرأ قول الحق: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}، [التوبة:٥١] وكذلك: {قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ}، [الأعراف: ١٨٨] وقال سبحانه: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ}، [الصافات: ٩٦] وقوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ}، [المائدة: ١٧] {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ  * خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٌ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ}  [البقرة: ٦ – ٧].

أما الآيات التي يستشهد بها القائلون بحرية الإرادة، فنجد منها قول الحق:

{مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ} [فصلت: ٤٦]، وكذلك: {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ}، [المدثر: ٣٨] {وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ}، [التوبة: ١٠٥] وكذلك: {وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ}، [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: {فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ * لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ} [الغاشية: ٢١ – ٢٢]، ونقرأ كذلك: {قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ} [يونس: ١٠٨].

مسألة الجبر والاختيار

ويبدو أن مسألة الجبر والاختيار، ومِن ثَمَّ حرية الإرادة، كانت من جملة المسائل التي انشغل بها كبار الصحابة، فقد سأل عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري: أيقدر الله على شيء ثم يعذبني عليه؟

قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: ولِمَ؟ قال أبو موسى: لأنه لا يظلمك، فسكت عمرو.

على أن آراء المتكلمين مِن بعدهم في الجبر والاختيار توزعت بين ثلاثة آراء، قال بها القائلون بالجبر المطلق، والقائلون بالتفويض المطلق، ثم القائلون بالكسب.

ومجمل القول في القول بالكسب، وهو قول أهل السنة والأشاعرة: أن الله - عز وجل - خالق أكساب العباد، كما أنه خالق الأجسام، والألوان، والطُّعوم، والروائح، لا خالق غيره، وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم.

والمذهب الثاني: قول الجهمية: إن العباد مضطرون إلى الأفعال المنسوبة إليهم، وليس لهم فيها اكتساب، ولا لهم عليها استطاعة، وأن حركاتهم الاختيارية بمنزلة حركة العروق النابضة.

المذهب الثالث: قول القدرية، القائلين بقدرة الإنسان وتقديره وحريته، الذين زعموا أن العباد خالقون لأكسابهم، وكلُّ حيوانٍ مُحْدِثٌ لأعماله، وليس لله في شيء من أعمال الحيوانات صنع، ورأى أكثرهم أن الله -عز وجل- غير قادر على مقدور غيره. [أبو منصور عبد القاهر البغدادي: أصول الدين ص ١٣٤- ١٣٥ ط١ إستانبول ١٣٤٦هـ ١٩٢٨م]

هذه هي الملامح العامة للصلة بين الفعل الإلهي وبين الفعل الإنساني، والتي على أساسها نعرض لمفهوم العدل عند المتكلمين.

أما القائلون بالجبر، فإن ما يميزهم جميعًا أنهم يسْنِدون أفعال العباد في النهاية إلى الله، لكنهم ليسوا على درجة واحدة من "الجبر والتفويض".

فالجبريون المتوسطون -إن جاز التعبير- يُثبتون للعبد كسبًا في الفعل، لكن بلا تأثير فيه، كالأشعرية، والنجارية، والضرارية.

هذا ما قاله صاحب كتاب المواقف. [عضد الدين الإيجي: شرح المواقف (للسيالكوتي، وحسن جلبي) ص ٤٩١، الجزء الثاني، طبع حجر]  

أما أبرز زعماء الجبرية الخُلَّص، وهو جهم بن صفوان، فعنده لا توجد قدرة للعبد أصلًا، ومن ثَمَّ لا أثر للإنسان في الفعل، والإنسان هنا شأنه شأن الجمادات والحيوانات.

يقول جهم: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يُوصَف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه، على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتُنسب إليه الأفعال مجازًا، كما تُنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس... والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر.

قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا كان جبرًا. [الشهرستاني: الملل والنحل ص ٨٧ نشرة عبد اللطيف العبد، الأنجلو المصرية ط١ القاهرة ٩٧٧ ١م.]

وإلى شبيهٍ مما قاله جهم، ذهب النجارية (أصحاب الحسين بن محمد النجار)، حيث قال: إن الله خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد مكتسب لأفعاله، وأثبت تأثيرًا للقدرة الحادثة، وسَمَّى ذلك كسبًا، على حسب ما يُثبته الأشعري. [المرجع السابق ص٨٩].

موقف فرقة المعتزلة من العدل الإلهي

أما المعتزلة فترى أن العدل فحواه أن أفعال الله كلها حسنة، وأنه – سبحانه - لا يفعل القبيح، ولا يخلّ بما هو واجب عليه.

لقد أرادت المعتزلة أن تُنَزِّه الله عن صفة الظلم، وهي صفة إنسانية في المقام الأول، فقالت: إن الله لا يظلم أحدًا من عباده.

ورأيهم في هذا أن الإنسان حر مختار، مسؤول عن أفعاله، وأنه فاعلُها على الحقيقة، ومِن ثَمَّ فإن الله سوف يحاسبه على ما فعل.

وتذهب المعتزلة إلى أن الله لا يتدخل في أفعال العباد، لا لأنه لا يستطيع ذلك، بل لأنه سبحانه أقدرهم على أفعال محددة، وكلفهم أداءها. [فيصل عون: علم الكلام ومدارسه صـ ٢٥٠، ٢٥١ مكتبة الأنجلو المصرية ط ٥ القاهرة ٠٠٨ ٢م، وراجع الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ٦٩ تحقيق د. فيصل عون، مجلس النشر العلمي، الكويت ١٩٩٨م.]

ولقد رفعت المعتزلة هنا شعارًا ارتبط بها، هو: لا يصح مقدور واحد بين قادرين.

إن الفعل الإنساني معلول (مقدور) واحد، ولا يصح أن يُوزَّع بين قادرين.[ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل صـ ٥/١٩٢، المطبعة الأدبية بالقاهرة ١٣٢٠هـ]؛ لهذا فإن الإنسان فاعل لأفعاله على الحقيقة.

ويقول القاضي عبد الجبار في تأكيد "خلق الإنسان لأفعاله":

والذي يدل على ذلك أننا (في الأصل: أن) نَفْصِل بين المُحْسِن والمُسِيء، وبين حَسَن الوجه وقبيحة، فَنَحمد المُحْسِنَ على إحسانه، ونَذُمُّ المُسِيءَ على إساءته، ولا تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه وقبيحة، ولا في طول القامة وقصرها، حتى لا يَحْسُن مِنَّا أن نقول للطويل: لِمَ طالت قامتك؟، ولا للقصير: لِمَ قصرت؟

كما يحسن أن نقول للظالم: لِمَ ظلمت؟، وللكاذب: لِمَ كذبت؟

لولا أن أحدهما متعلق بنا وموجود من جهتنا، بخلاف الآخر، وإلا لَمَا وجب هذا الفصل، ولكان الحال في طول القامة وقصرها كالحال في الظلم والكذب، وقد عُرِف فساده. [القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة ص ٣٣٢]

ويُضيف القاضي: "... وإنما أتى الكافرُ الكفرَ في اختياره الكفرَ مِن قِبَلِ نفسه، لا مِن قِبَل الله -عز وجل.

ونعلم أنه سبحانه لا يريد المعاصي، ولا يشاؤها، ولا يختارها، ولا يرضاها، بل يكرهها ويسخطها، وإنما يريد الطاعات، ويرضاها، ويحبها، ويختارها..." [القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة بتحقيق فيصل عون ص ٦٩]

ثم يسوق القاضي طريقة أخرى لإثبات أن أفعال العباد غيرُ مخلوقة فيهم، وأنهم المُحدِثون لها.

وهذه الطريقة تعتمد على دوافع الفعل وبواعثه بمعنى أننا حينما نقصد فعل شيء ما، ونكون قادرين عليه ومريدين له، يتم الفعل إذا لم تكن هناك عوائق تتجاوز طاقة الفرد.

فيقول عبد الجبار: "فالذي يدل على أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصدنا ودواعينا هو أن أحدنا إذا دعاه الداعي إلى القيام، حصل منه القيام على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة، بحيث لا يختلف الحال فيه.

وكذلك فلو دعاه الداعي إلى الأكل، بأن يكون جائعًا وبين يديه ما يشتهيه، فإنه يقع منه الأكل... وهذه أمارة كونه (أي الفعل) موقوفًا على دواعينا، ويقع بحسبها.

وكما أنها تقع بحسب دواعينا وتقف عليها، فقد تقف على قصودنا أيضًا، وعلى آلاتنا، وعلى الأسباب الموجودة من قِبَلِنا..." [المرجع السابق ص٣٣٧].

أضف إلى هذا أن أفعال العباد فيها ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالقًا لها، لوجب أن يكون ظالمًا جائرًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا... [المرجع السابق ص ٣٤.]

وفضلًا عن ذلك، فإن مسألة الثواب والعقاب لا يمكن أن يجيزها العقل إلا على ضوء مسؤولية الإنسان الكاملة عن أفعاله، لأنه لا يصح أن يثيب الله فئة من الناس، ويعاقب فئة أخرى إذا كان هو فاعل أفعالهم على الحقيقة.

إن محاسبة الله لعباده تؤكد صحة التكليف وأمانته، وتؤكد أن الإنسان مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله.

وقد استشهد المعتزلة ببعض آيات الذكر الحكيم لتأكيد صحة ما قالوه، فذكروا قول الحق:{وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا} [الإسراء: ٩].

وكذلك: {كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} [البقرة: ٢٨]، وقال تعالى: {جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [الأحقاف: ١]، {قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا} [الفرقان: ١٥]، {جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ}[الواقعة: ٢٤]، وقوله تعالى: {جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} [التوبة: ٨٢، ٩٥].

وذكروا كذلك: {وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا} [النساء: ٣٩].

ومن الواضح أن المعتزلة اهتمت بأصل العدل اهتمامها بأصل التوحيد، والمعنى مفهوم؛ لأن الله الكامل لا بد أن يكون عادلًا، والعدالة المطلقة لا تتأتى إلا عن موجود مطلق الكمال.

وفي هذا الصدد نجد عدة ثوابت عند المعتزلة تحكم مبدأ العدل، الذي لا يمكن تصوره بعد هذه الثوابت:

١ - تؤمن المعتزلة أن الإنسان كائن حر ومريد.

ولقد خصص القاضي عبد الجبار أحد أجزاء كتابه الرئيسي المغني في أبواب التوحيد والعدل للحديث عن حرية الإرادة. [المغني في أبواب التوحيد والعدل، الجزء السادس].

الإرادة تعني الحرية والقدرة على الاختيار، وأن الإنسان لا يفعل بالطبع، كما تحدث الحركات والسكنات عن الأشياء حسب طبائعها...

والمعتزلة تميز بين دائرة الفعل الإلهي وبين دائرة الفعل الإنساني، وعندها أن الله – سبحانه - لا يتدخل في دائرة الفعل الإنساني، التي تقع تحت علم الإنسان وإرادته واختياره وقدرته، وهذه الدائرة هي مناط التكليف، والتكليف عند المعتزلة: أن يُطلب من الإنسان عمل الخير والبعد عن الشر حسب طاقته؛ لأن الله عند المعتزلة لا يُكَلِّفُ المرء إلا ما يعلم سبحانه أن المرء قادر عليه.

ولا شك أن حرية الإرادة مرتبطة مباشرة ومتفرعة عن العدل الإلهي، والإرادة - كما فهمها المعتزلة - تسبق الفعل بطبيعة الحال، وقد تُقَارنه أحيانًا. [القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل الجزء السادس صـ ٠ ١: في بيان ما يَحْسُن من الإرادات وما يَقْبُح منها، وما يتصل بذلك].

٢ - تنفي المعتزلة الشر والقبح عن أفعال الله سبحانه.

ولعل هذا يتضمن الرد على من جعل الشر من عمل الله، الإله الكامل الخَيِّر لا يَصدر عنه ألبته إلا كل خير، وقد مَيَّزَت المعتزلة في هذا الصدد بين الأمر التكويني وبين الأمر التكليفي، فعلى المستوى الكوني لا يمكن أن يُعَدَّ الموتُ والمرضُ وهلاكُ الزرع شَرًا في حد ذاته، لكن أن يقتل الإنسان أخاه، أو يحرق زرع أخيه، أو يسبب له أضرارًا نفسية وبدنية، فهذا كله شر يُنسب إلى الإنسان لا إلى الله.

وقد جاء في كتاب (الانتصار): إن مَعْمَرًا كان يزعم أن الله هو المُمْرِض المُسْقِم لمن أمرضه وأسْقَمَه، وأن أحدًا لم يُمرض نفسه، ولم يُسقِمْها، وكان يزعم أن الله هو المسبب للنبات والزرع بالمصائب التي تكون من قِبَلِه، فأما ما أصاب الزرع والنبات من ظلم الناس وجورهم، فإن الله من ذلك بريء، وهو مِن فاعله مِن ظَلَمَةِ الناسِ. [الخياط: الانتصار والرد على ابن الرواندي الملحد ص ١٠٣، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة ٢٠٠٨م]

ويقول القاضي عبد الجبار:

"إنه لا يجوز في حكمه (سبحانه) أن يُمرض أو يُسقم إلا لمنفعة، وكل من قال خلاف ذلك فقد جوّز على الله الظلم، ونسب إليه السفه". [الأصول الخمسة صـ٧٠].

٣ - قدمت المعتزلة مفهوم الصلاح والأصلح من خلال حديثها عن العدل الإلهي، الذي يتضمن - من جملة ما يتضمن - أن الله – سبحانه - ليس فقط منزَّهًا عن ظلم أحد من عباده، ولكنه – سبحانه - يفعل بعباده ما هو أصلح لهم، وما فيه خيرهم.

ولقد عبّر المسعودي عن رأي المعتزلة في مروج الذهب بقوله: "إن الله لا يحب الفساد، ولا يخلق أفعال العباد... وأنه وليّ كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، ولم يكلفهم ما لا يَطيقونه، ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه [راجع: فيصل عون: علم الكلام ومدارسه ص ٢٥٦-٢٥٧]، إنه ليس كل ما هو نافع حسنًا، ولا كل ضرر قبيحًا، فقد يَحْسُن ما هو ضار أو مؤلم، كما قد يَقْبُح ما هو نافع أو لذيذ، إنه ليس كل ما ينفر منه الطبع أو تكرهه النفس يُعد قبيحًا. [أحمد محمود صبحي: في علم الكلام ص ١٥٠، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية ٩٧٨ ١م]

٤ - ومن جملة مبدأ الصلاح والأصلح: وجوب بعثة الأنبياء والرسل لطفًا من الله بعباده... واللطف، كما هو معروف: "كل ما يُختار عنده الواجب ويُتَجَنَّبُ القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إما إلى اختيار، أو إلى ترك قبيح، واللطف قد يُسمى عصمة، وقد يُسمى توفيقًا [راجع: زهدي حسن جارالله: المعتزلة ص ٠٦ ١، منشورات النادي العربي في يافا سنة١٩٤٧ م/١٣٦٦هـ]، وشيوخ المعتزلة يقولون بوجوب الألطاف على الله؛ لأنها من شأنها أن تجعل الدين يُسرًا لا عُسرًا، ومن شأنها أن تجعل المرء يختار الواجب ويتجنب القبيح. [راجع شرح الأصول الخمسة ص ٢٠]

٥ - كذلك تحدثت المعتزلة هنا عن مبدأ التعويض أو العِوض... وخلاصته أن من الواجب على الله أن يُعوّض الناس (والحيوانات) عن الأضرار التي لحقت بهم دون أن يكون للناس دخل في حصولها، كالحوادث والزلازل... والتي إذا سببت للإنسان ضررًا، فإن الواجب على الله أن يُعَوِّض الناس عن هذه الأضرار في الدنيا أو الآخرة.

(اعلم أنه لا يحسن من الله تعالى أن يؤلمنا من غير اعتبار رضانا، إلا إذا كان في مقابلته القَدْر الذي لا تختلف أحوال العقلاء في اختيار ذلك الألم لمكانه؛ لأن المعلوم أن أحدنا لا يختار أن يُمزق عليه ثوبه لكي يُقابل بثوب مثله، أو ما يزيد عليه زيادة متقاربة، وإذا لم يحسن ذلك في الشاهد، فكذلك في الغائب...). [راجع شرح الأصول الخمسة ص ٤٩٤ وراجع كذلك ص ٤٩٢].

٦ - واتفاقًا مع النزعة العقلية عند المعتزلة، قررت أن الحُسْنَ والقُبْحَ عقليَّان، أي أن العقل قادر بطبيعته -أقصد بالبديهة - على معرفة الخير والشر، وعلى معرفة الحُسْنِ والقُبْحِ، قادر على معرفة ما ينبغي على المرء أن يفعله وما لا ينبغي عليه أن يفعله.

كأن المعتزلة يقسمون الأفعال إلى حَسَنة وقَبِيْحَة، ويَرَوْنَ أن الإنسان قادر أن يُمَيِّزَ بعقله قبل ورود الشرع بين حَسَنِها وقبيحها: إما بضرورة العقل؛ كحُسْن إنقاذ الغرقى ومعرفة الصدق، وقبح الكذب، وإما بنظر العقل كمعرفة حُسْنِ الصدق وإن كان فيه ضرر، وقُبح الكذب وإن كان فيه نفع. [زهدي حسن جار الله: المعتزلة صـ١٠٨].

إن المعتزلة ترى أن الأفعال لها من الصفات الذاتية والنفسية ما يجعلها تَحْسُن وتَقْبُح، وأن الشرع إذا ورد بها كان مُخْبِرًا عنها لا مُثْبِتًا لها، كما قال الشهرستاني. [الشهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام ص ٣٧١، حرره وصححه ألفرد جيوم، مكتبة المُثَنَّى ببغداد]

موقف فرقة الأشاعرة من العدل الإلهي

أما عن موقف الأشاعرة من العدل الإلهي، فإنهم يؤمنون بأن الله عادل، وأنه لا يظلم أحدًا من عباده، وهم في هذا يختلفون في فهمهم للعدل الإلهي عن المعتزلة.

لقد رفضت الأشاعرة معظم ما ذهبت إليه المعتزلة من آراء عن العدل الإلهي... إن الأشاعرة ترفض أن يكون الإنسان خالق أفعاله؛ لأن حقيقة الخلق واحدة، ومن ثَمَّ فإنها إما أن تُرَدَّ إلى الله أو إلى الإنسان، والأشاعرة - بحسب رؤيتهم - تَرُدُّ أفعال الخلق كلها إلى الله، فهو سبحانه المتكفل بها.

يقول الباقلاني: اعلم أنه لا يجري في العالم إلا ما يريده الله تعالى، ولا يخرج مراد عن مراده، كما لا يخرج مقدور عن قدرته... إنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، ولا يطيع طائع، ولا يعصي عاصٍ من أعلى العُلا إلى ما تحت الثرى، إلا بإرادة الله... [راجع (الإنصاف للباقلاني س ١٥٧-١٥٨، وراجع كذلك أحمد صبحي: في علم الكلام ص٥١٣] وتستشهد الأشاعرة على ذلك بما ورد في القرآن الكريم: {وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ}[هود: ١١٨]، {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} [الأنعام: ١٢٥].

ومع أن الجويني (٤٧٨هـ) تجاوز الباقلاني في الحديث عن تواجد الإرادة الإنسانية في الفعل الإنساني، إلا أن إمام الحرمين نفى في النهاية أية فاعلية، أو أي تأثير للإرادة الإنسانية في الفعل الصادر عن الإنسان!!

فقد ذكر الجويني أن العبد يُفرّق بين أن ترتعد يده وبين أن يحركها قصدًا.

ومعنى كونه مكتسبًا للفعل أنه قادر على فعله، وإن لم تكن قدرته مؤثرة في إيجاد المقدور!!

وذلك بمثابة الفرق بين ما يقع مرادًا وبين ما يقع غير مراد، وإن كانت الإرادة لا تؤثر في المراد. [الجويني: لمع الأدلة، ص ١٠٧، تحقيق د. فوقية حسين محمود، الدار المصرية للتأليف والترجمة ط١

١٣٨٥هـ ١٩٦٥م. القاهرة.]

لقد أكد الجويني أن الإنسان، وإن كان يشعر بقدرته على الفعل، إلا أنه في عين الوقت يشعر بعدم استقلال قدرته وإرادته، إنهما في النهاية يستندان إلى مُسَبِّبِ الأسباب، الذي هو في النهاية الخالق للأسباب ومسبَّبَاتها، المُستغني على الإطلاق.

إن كل سبب مستغنٍ من وجه، والبارئ تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر. [الجويني: الإرشاد ص ١٨٧ وما بعدها، تحقيق د. محمد يوسف موسى، على عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي - القاهرة١٣٦٩هـ ١٩٥٠م، وراجع الشهرستاني الملل والنحل صـ٩٠ جـ١ نشرة عبد اللطيف العبد].

موقف فرقة الماتريدية من العدل الإلهي

وعن موقف الماتريدية من مسألة العدل الإلهي، فنجد أنها أكدت دخول أفعال العباد كلِّها تحت قدرة الله:

إن علم الله وقدرته ومشيئته كلَّها لا متناهية، ومِن ثَمَّ يدخل تحتها كل معلوم ومقدور ومراد.

وعلى ذلك، فإن كل ما يدخل تحت علم العبد وقدرته وإرادته، يدخل من باب أولى تحت علم الله وقدرته وإرادته، ودلالة ذلك أن الله – سبحانه - هو الموجد لكل أفعال العباد.

إن الله - عند الماتريدي - خالق كل ما يوجد [راجع: علم الكلام ومدارسه ص ٣٧٢]، بما في ذلك فعل الإنسان نفسه، لكن الله يخلق للإنسان قدرة على اختياره وطلبه [ولفسن: فلسفة المتكلمين، ج٢ ص ٨٨٥-٨٨٦ ترجمة د. مصطفى لبيب، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط ١ سنة ٠٠٥ ٢م.]

إن الله – سبحانه - على كل شيء قدير، لكنه – سبحانه - في عين الوقت ليس بظلام للعبيد؛ لأن الناس أنفسهم يظلمون، وأنهم إن ابتعدوا عن الأوامر الإلهية، أصبحوا ظالمين.

هذا هو الوجه الذي ينبغي أن تُنتسب من خلاله أفعال الله إلى الإنسان.

إن وحدانية الله تتناقض مع القول بوجود خالقين. [أبو منصور الماتريدي: كتاب التوحيد ص ٢٢٥-٢٣٥، تحقيق د. فتح الله خليف دار الجامعات المصرية، الإسكندرية (د.ت)]

لقد ميّز الماتريدي بين تقدير المعاصي والشرور والقضاء بها، وبين فعل المعصية والشر.

أما تقديرها والقضاء بها أو خلقها، فكله من الله؛ لأن الله خالق كل شيء.

أما فعل المعاصي والشرور فليس من الله، بل من العبد بقدرته واختياره وقصده...

ولا ينبغي إضافة خلق المعاصي إلى الله تأدبًا.

إن الله - في التحقيق - وإن كان رب كل شيء، وإله كل شيء، وخالق كل شيء، وكل شيء له، لا يُقال ذلك في الأرواث والخبائث والشيطان...

وعلى ذلك يُكره القول في الكفر والمعاصي إنها بقضاء الله وقدره وإرادته. [راجع مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي، ص ٤ ٤-٤٥، وراجع علم الكلام ومدارسه ص ٣٧٥]

   ولقد أكد الماتريدية رأيهم في الصلة بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني من جهة أن الأفعال كلها مخلوقة لله على الحقيقة، لكنها تنتسب إلى الإنسان على ما اكتسبه وما فعله منها، وذلك بإيراد بعض آيات الذكر الحكيم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِيٓ ءَامِنٗا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ}  [فصلت: ٤٠]، {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الحج: ٧٧]، {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} [البقرة: ١٦٧]، {جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [الواقعة.٢٤]

مثل هذه الآيات يفهمها الماتريدية على أن الله خالق أفعال العباد جميعها، وخلقها على ما هي عليه، وأوجدها بعد أن لم تكن، لكنها تنتسب إلى الخلق على ما كسبوها وفعلوها.

إن الأوامر والنواهي التي وردت في الذكر الحكيم تؤكد أن الإنسان مسئول عن فعله (له أفعاله).

فلا يوجد خطاب هكذا إلا ويقابله فعل للمأمور، ثم إن وجود الفعل على وجه الطاعة والمعصية يتضمّن تأثير القدرة الإنسانية، إذ من المحال أن تنتسب الشرور والمعاصي إلى الله.

أضف إلى هذا: أنه إذا لم تكن الأوامر والنواهي الواردة في القرآن موجَّهة إلى الإنسان، فلمن تكون موجَّهة؟!! وإذا لم يكن الخطاب موجَّهًا إلى من له حق الفعل والترك، وإلى من له عمل الطاعة أو المعصية، فلماذا يكون ثَمَّة خطاب منذ البدء؟!!

وفي هذا نؤكد أن كل إنسان يشعر بأنه فاعل حر مختار، مسؤول عن أفعاله، وأنه يُسَرُّ بفعله الخير، ويندم ويأسف إن فَعَل شرًّا... أَلا يُعد هذا دليلًا على تحمّل الإنسان قدرًا من المسؤولية عن الأفعال الصادرة عنه؟!

وأخيرًا، أَلا تدلّ قضايا الوعد والوعيد على حرية الإنسان، وأنه فاعل لأفعاله؟!

لقد قال الماتريدي: "إن الواحد منا يشعر بأنه مختار لما يفعله، وأن الإنسان فاعل مكتسب لكثير من أفعاله، وإنكار ذلك يعني انتفاء الثواب والعقاب." [راجع علم الكلام ومدارسه ص ٣٧٤]

العدالة الإلهية ومبدأ المسؤولية

بقي أن أشير إلى أن الأشاعرة والماتريدية، ومن سار على دربهما، يرفضون النزعة العقلية عند المعتزلة، التي أدّت إلى ما عُرف عندهم بـ(الواجبات العقلية)، والتي نجم عنها مبدأ الصلاح والأصلح، وكذلك مبدأ العِوَض... إلخ، مِن مثل هذه المسائل التي وقف لها الأشاعرة والماتريدية بالمرصاد، من حيث إنّ الواجبات العقلية التي نادت بها المعتزلة وما ترتب عليها، أمورٌ مرفوضة في الحضرة الإلهية.

فليس من حقّ العقل أن يُوجب على الله شيئًا، أو أن يفرض عليه ما توهّمت المعتزلة أنه حق للإنسان على الله. [البزدوي (أبو اليسر محمد): أصول الدين ص١٣ وما بعدها، تحقيق هانز بيتر لنس، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة ٢٠٠٦م، وراجع كذلك: علم الكلام ومدارسه ص ٣٧٦ - ٣٧٩]. 

الخلاصة

العدل الإلهي أحد أركان علم الكلام، ويتصل مباشرة بمسألة التوحيد، تختلف المدارس الكلامية حول علاقة الله بأفعال الإنسان، فبينما تنزه المعتزلة الله عن خلق الشر وتنسبه إلى العبد، ترى الأشاعرة أن الله خالق الأفعال وأن العبد "مكتسب" فقط، أما الماتريدية، فجمعت بين قدرة الله ومشيئة الإنسان، مؤكدين على مسؤولية الإنسان عن أفعاله في إطار الخلق الإلهي، وتبقى قضية العدل الإلهي متفرعة عن تصور الإنسان للحرية والاختيار، ومتصلة بعمق بمسألة التكليف والوعد والوعيد.

لمزيد من المقالات اضغط هنا 

موضوعات ذات صلة

السمعيات هي العقائد التي لا يُدركها العقل وحده، بل يُثبتها الوحي كالآخرة والحساب

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين

ورد لفظ «الإيمان» ومشتقاته فى القرآن الكريم والسنة المطهرة مئات المرات

موضوعات مختارة