أما
المعتزلة فترى أن العدل فحواه أن أفعال الله كلها حسنة، وأنه – سبحانه - لا يفعل
القبيح، ولا يخلّ بما هو واجب عليه.
لقد
أرادت المعتزلة أن تُنَزِّه الله عن صفة الظلم، وهي صفة إنسانية في المقام الأول،
فقالت: إن الله لا يظلم أحدًا من عباده.
ورأيهم
في هذا أن الإنسان حر مختار، مسؤول عن أفعاله، وأنه فاعلُها على الحقيقة، ومِن ثَمَّ
فإن الله سوف يحاسبه على ما فعل.
وتذهب
المعتزلة إلى أن الله لا يتدخل في أفعال العباد، لا لأنه لا يستطيع ذلك، بل لأنه
سبحانه أقدرهم على أفعال محددة، وكلفهم أداءها. [فيصل عون: علم الكلام ومدارسه صـ ٢٥٠، ٢٥١ مكتبة
الأنجلو المصرية ط ٥ القاهرة ٠٠٨ ٢م، وراجع الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ٦٩
تحقيق د. فيصل عون، مجلس النشر العلمي، الكويت ١٩٩٨م.]
ولقد
رفعت المعتزلة هنا شعارًا ارتبط بها، هو: لا يصح مقدور واحد بين قادرين.
إن
الفعل الإنساني معلول (مقدور) واحد، ولا يصح أن يُوزَّع بين قادرين.[ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل صـ ٥/١٩٢، المطبعة الأدبية
بالقاهرة ١٣٢٠هـ]؛ لهذا فإن الإنسان فاعل لأفعاله على
الحقيقة.
ويقول
القاضي عبد الجبار في تأكيد "خلق الإنسان لأفعاله":
والذي
يدل على ذلك أننا (في الأصل: أن) نَفْصِل بين المُحْسِن والمُسِيء، وبين حَسَن
الوجه وقبيحة، فَنَحمد المُحْسِنَ على إحسانه، ونَذُمُّ المُسِيءَ على إساءته، ولا
تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه وقبيحة، ولا في طول القامة وقصرها، حتى لا يَحْسُن
مِنَّا أن نقول للطويل: لِمَ طالت قامتك؟، ولا للقصير: لِمَ قصرت؟
كما
يحسن أن نقول للظالم: لِمَ ظلمت؟، وللكاذب: لِمَ كذبت؟
لولا أن أحدهما متعلق بنا وموجود من جهتنا، بخلاف الآخر، وإلا لَمَا
وجب هذا الفصل، ولكان الحال في طول القامة وقصرها كالحال في الظلم والكذب، وقد
عُرِف فساده. [القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة ص ٣٣٢]
ويُضيف
القاضي: "... وإنما أتى الكافرُ الكفرَ في اختياره الكفرَ مِن قِبَلِ نفسه،
لا مِن قِبَل الله -عز وجل.
ونعلم
أنه سبحانه لا يريد المعاصي، ولا يشاؤها، ولا يختارها، ولا يرضاها، بل يكرهها
ويسخطها، وإنما يريد الطاعات، ويرضاها، ويحبها، ويختارها..." [القاضي
عبد الجبار: الأصول الخمسة بتحقيق فيصل عون ص ٦٩]
ثم
يسوق القاضي طريقة أخرى لإثبات أن أفعال العباد غيرُ مخلوقة فيهم، وأنهم المُحدِثون
لها.
وهذه الطريقة تعتمد على دوافع الفعل
وبواعثه بمعنى أننا حينما نقصد فعل شيء ما، ونكون قادرين عليه ومريدين له، يتم
الفعل إذا لم تكن هناك عوائق تتجاوز طاقة الفرد.
فيقول
عبد الجبار: "فالذي يدل على أن
هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصدنا ودواعينا هو أن أحدنا إذا دعاه الداعي إلى
القيام، حصل منه القيام على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة، بحيث لا يختلف الحال فيه.
وكذلك
فلو دعاه الداعي إلى الأكل، بأن يكون جائعًا وبين يديه ما يشتهيه، فإنه يقع منه
الأكل... وهذه أمارة كونه (أي الفعل) موقوفًا على دواعينا، ويقع بحسبها.
وكما أنها تقع بحسب دواعينا وتقف عليها، فقد تقف على قصودنا
أيضًا، وعلى آلاتنا، وعلى الأسباب الموجودة من قِبَلِنا..." [المرجع السابق ص٣٣٧].
أضف
إلى هذا أن أفعال العباد فيها ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالقًا لها،
لوجب أن يكون ظالمًا جائرًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا... [المرجع السابق ص ٣٤.]
وفضلًا
عن ذلك، فإن مسألة الثواب والعقاب لا يمكن أن يجيزها العقل إلا على ضوء مسؤولية
الإنسان الكاملة عن أفعاله، لأنه لا يصح أن يثيب الله فئة من الناس، ويعاقب فئة
أخرى إذا كان هو فاعل أفعالهم على الحقيقة.
إن
محاسبة الله لعباده تؤكد صحة التكليف وأمانته، وتؤكد أن الإنسان مسؤول مسؤولية
كاملة عن أفعاله.
وقد
استشهد المعتزلة ببعض آيات الذكر الحكيم لتأكيد صحة ما قالوه، فذكروا قول الحق:{وَمَا مَنَعَ
ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ
أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا}
[الإسراء: ٩].
وكذلك: {كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ
أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ
تُرۡجَعُونَ} [البقرة:
٢٨]، وقال تعالى: {جَزَآءَۢ
بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [الأحقاف:
١]، {قُلۡ
أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ
لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا} [الفرقان:
١٥]، {جَزَآءَۢ
بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ}[الواقعة: ٢٤]، وقوله تعالى: {جَزَآءَۢ
بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} [التوبة:
٨٢، ٩٥].
وذكروا
كذلك: {وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ
لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ
ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا} [النساء:
٣٩].
ومن
الواضح أن المعتزلة اهتمت بأصل العدل اهتمامها بأصل التوحيد، والمعنى مفهوم؛ لأن
الله الكامل لا بد أن يكون عادلًا، والعدالة المطلقة لا تتأتى إلا عن موجود مطلق
الكمال.
وفي
هذا الصدد نجد عدة ثوابت عند المعتزلة تحكم مبدأ العدل، الذي لا يمكن تصوره بعد
هذه الثوابت:
١ -
تؤمن المعتزلة أن الإنسان كائن حر ومريد.
ولقد
خصص القاضي عبد الجبار أحد أجزاء كتابه الرئيسي المغني في أبواب التوحيد
والعدل للحديث عن حرية الإرادة. [المغني في أبواب التوحيد والعدل، الجزء السادس].
الإرادة
تعني الحرية والقدرة على الاختيار، وأن الإنسان لا يفعل بالطبع، كما تحدث الحركات
والسكنات عن الأشياء حسب طبائعها...
والمعتزلة
تميز بين دائرة الفعل الإلهي وبين دائرة الفعل الإنساني، وعندها أن الله – سبحانه -
لا يتدخل في دائرة الفعل الإنساني، التي تقع تحت علم الإنسان وإرادته واختياره
وقدرته، وهذه الدائرة هي مناط التكليف، والتكليف عند المعتزلة: أن يُطلب من
الإنسان عمل الخير والبعد عن الشر حسب طاقته؛ لأن الله عند المعتزلة لا يُكَلِّفُ
المرء إلا ما يعلم سبحانه أن المرء قادر عليه.
ولا
شك أن حرية الإرادة مرتبطة مباشرة ومتفرعة عن العدل الإلهي، والإرادة - كما فهمها
المعتزلة - تسبق الفعل بطبيعة الحال، وقد تُقَارنه أحيانًا. [القاضي
عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل الجزء السادس صـ ٠ ١: في بيان ما يَحْسُن
من الإرادات وما يَقْبُح منها، وما يتصل بذلك].
٢ -
تنفي المعتزلة الشر والقبح عن أفعال الله سبحانه.
ولعل
هذا يتضمن الرد على من جعل الشر من عمل الله، الإله الكامل الخَيِّر لا يَصدر عنه ألبته
إلا كل خير، وقد مَيَّزَت المعتزلة في هذا الصدد بين الأمر التكويني وبين الأمر
التكليفي، فعلى المستوى الكوني لا يمكن أن يُعَدَّ الموتُ والمرضُ وهلاكُ الزرع شَرًا
في حد ذاته، لكن أن يقتل الإنسان أخاه، أو يحرق زرع أخيه، أو يسبب له أضرارًا
نفسية وبدنية، فهذا كله شر يُنسب إلى الإنسان لا إلى الله.
وقد
جاء في كتاب (الانتصار): إن مَعْمَرًا كان يزعم أن الله هو المُمْرِض المُسْقِم
لمن أمرضه وأسْقَمَه، وأن أحدًا لم يُمرض نفسه، ولم يُسقِمْها، وكان يزعم أن الله
هو المسبب للنبات والزرع بالمصائب التي تكون من قِبَلِه، فأما
ما أصاب الزرع والنبات من ظلم الناس وجورهم، فإن الله من ذلك بريء، وهو مِن فاعله
مِن ظَلَمَةِ الناسِ. [الخياط:
الانتصار والرد على ابن الرواندي الملحد ص ١٠٣، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة ٢٠٠٨م]
ويقول
القاضي عبد الجبار:
"إنه
لا يجوز في حكمه (سبحانه) أن يُمرض أو يُسقم إلا لمنفعة، وكل من قال خلاف ذلك فقد
جوّز على الله الظلم، ونسب إليه السفه". [الأصول
الخمسة صـ٧٠].
٣ -
قدمت المعتزلة مفهوم الصلاح والأصلح من خلال حديثها عن العدل الإلهي، الذي يتضمن -
من جملة ما يتضمن - أن الله – سبحانه - ليس فقط منزَّهًا عن ظلم أحد من عباده،
ولكنه – سبحانه - يفعل بعباده ما هو أصلح لهم، وما فيه خيرهم.
ولقد
عبّر المسعودي عن رأي المعتزلة في مروج
الذهب بقوله: "إن الله لا يحب الفساد، ولا يخلق أفعال العباد... وأنه
وليّ كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، ولم يكلفهم ما لا يَطيقونه، ولا
أراد منهم ما لا يقدرون عليه [راجع: فيصل عون: علم الكلام ومدارسه ص ٢٥٦-٢٥٧]، إنه ليس كل ما هو نافع حسنًا، ولا كل
ضرر قبيحًا، فقد يَحْسُن ما هو ضار أو مؤلم، كما قد يَقْبُح ما هو نافع أو لذيذ،
إنه ليس كل ما ينفر منه الطبع أو تكرهه النفس يُعد قبيحًا.
[أحمد محمود صبحي: في
علم الكلام ص ١٥٠، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية ٩٧٨ ١م]
٤ -
ومن جملة مبدأ الصلاح والأصلح: وجوب بعثة الأنبياء والرسل لطفًا من الله بعباده...
واللطف، كما هو معروف: "كل ما يُختار عنده الواجب ويُتَجَنَّبُ القبيح، أو ما
يكون عنده أقرب إما إلى اختيار، أو إلى ترك قبيح، واللطف قد يُسمى عصمة، وقد يُسمى
توفيقًا [راجع:
زهدي حسن جارالله: المعتزلة ص ٠٦ ١، منشورات النادي العربي في يافا سنة١٩٤٧ م/١٣٦٦هـ]، وشيوخ المعتزلة يقولون بوجوب الألطاف
على الله؛ لأنها من شأنها أن تجعل الدين يُسرًا لا عُسرًا، ومن شأنها أن تجعل
المرء يختار الواجب ويتجنب القبيح. [راجع شرح الأصول الخمسة ص ٢٠]
٥ -
كذلك تحدثت المعتزلة هنا عن مبدأ التعويض أو العِوض... وخلاصته أن من الواجب على
الله أن يُعوّض الناس (والحيوانات) عن الأضرار التي لحقت بهم دون أن يكون للناس
دخل في حصولها، كالحوادث والزلازل... والتي إذا سببت للإنسان ضررًا، فإن الواجب
على الله أن يُعَوِّض الناس عن هذه الأضرار في الدنيا أو الآخرة.
(اعلم أنه لا يحسن من الله تعالى أن يؤلمنا من
غير اعتبار رضانا، إلا إذا كان في مقابلته القَدْر الذي لا تختلف أحوال العقلاء في
اختيار ذلك الألم لمكانه؛ لأن المعلوم أن أحدنا لا يختار أن يُمزق عليه ثوبه لكي
يُقابل بثوب مثله، أو ما يزيد عليه زيادة متقاربة، وإذا لم يحسن ذلك في الشاهد،
فكذلك في الغائب...). [راجع شرح الأصول الخمسة ص ٤٩٤ وراجع كذلك
ص ٤٩٢].
٦ -
واتفاقًا مع النزعة العقلية عند المعتزلة، قررت أن الحُسْنَ والقُبْحَ عقليَّان،
أي أن العقل قادر بطبيعته -أقصد بالبديهة - على معرفة الخير والشر، وعلى معرفة الحُسْنِ
والقُبْحِ، قادر على معرفة ما ينبغي على المرء أن يفعله وما لا ينبغي عليه أن
يفعله.
كأن
المعتزلة يقسمون الأفعال إلى حَسَنة وقَبِيْحَة، ويَرَوْنَ أن الإنسان قادر أن يُمَيِّزَ
بعقله قبل ورود الشرع بين حَسَنِها وقبيحها: إما بضرورة العقل؛ كحُسْن إنقاذ
الغرقى ومعرفة الصدق، وقبح الكذب، وإما بنظر العقل كمعرفة حُسْنِ الصدق وإن كان
فيه ضرر، وقُبح الكذب وإن كان فيه نفع. [زهدي حسن جار الله: المعتزلة صـ١٠٨].
إن المعتزلة ترى أن الأفعال
لها من الصفات الذاتية والنفسية ما يجعلها تَحْسُن وتَقْبُح، وأن الشرع إذا ورد
بها كان مُخْبِرًا عنها لا مُثْبِتًا لها، كما قال الشهرستاني. [الشهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام ص ٣٧١، حرره وصححه ألفرد
جيوم، مكتبة المُثَنَّى ببغداد]