الحديث الحسن نوع من الحديث المقبول، يرتقي فوق الضعيف ودون الصحيح، وله دور مهم في بناء المعرفة الفقهية والتشريعية.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الحديث الحسن نوع من الحديث المقبول، يرتقي فوق الضعيف ودون الصحيح، وله دور مهم في بناء المعرفة الفقهية والتشريعية.
أولًا: الإسناد الحسن: هو الذي استوفى صفات الحُسن، ولا يعتبر هذا حكمًا بحسن المتن.
وصفات الحسن هي [التقريرات السنية ١/١٣ بتصرف]
وسيأتي في تعريف الحديث الحسن ما يوافق هذا، وقد يكون الإسناد مستوفيًا تلك الشروط، ولكن يوجد بالمتن علة تقتضي ضعفه.
ثانيا: تعريف الحديث الحسن:
الحسن لغة: الحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب فيه [التعاريف، للجرجاني ١ / ٢٧٩]، والحُسْن، ضد القبح ونقيضه. قال الأزهري: الحُسْن نعت لما حَسُن؛ حَسُن وحَسَن يَحْسُن حُسْنًا فيهما، فهو حاسِنٌ وحَسَن: قال الجوهري: والجمع محاسن، على غير قياس، كأنه جمع مَحْسَن، وحكى اللحياني أحسن إن كنت حاسنًا فهذا في المستقبل، وإنه لحسن يريد فعل الحال وجمع الحسن حسان [لسان العرب. مادة (ح س ن) ١٣ /١١٤]
الحسن عند المحدثين: لما توسط الحسن بين الصحيح والضعيف عسر تعريفه وصار ما ينقدح في نفس الحافظ قد تقصر عبارته عنه، ولهذا اختلف العلماء في حد الحسن، وإليك بعض ما قيل في ذلك:
قال السخاوى في تعريفه للحسن بنوعيه: "هو ما اتصل سنده بالعدل القاصر في الضبط أو بالمُضَعّف بما عدا الكذب إذا اعتضد من غير شذوذ ولا علة" [التوضيح الأبهر، للسخاوي ١ / ٣٣]
وقال الخطابي: "والْحَسَنُ مَا عُرِفَ مُخْرَجُهُ وَاشْتَهَرَ رِجَالُهُ"، قال: "وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَكْثَرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ". [توجيه النظر إلى أصول الأثر ١ /٣٥٥]
وقال الترمذي: "كل حديث يروى لَا يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ حَدِيثًا شَاذًّا، وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَلِكَ، فهو عندنا حديث حسن" [علل الترمذي ١/٧٥٨.]
قال ابن الصلاح معلقًا على ما سبق من تعريفات: قُلْتُ: كُلُّ هَذَا مُسْتَبْهَمٌ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ مَا يَفْصِلُ الْحَسَنَ مِنَ الصَّحِيحِ.
وَقَدْ أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالْبَحْثَ، جَامِعًا بَيْنَ أَطْرَافِ كَلَامِهِمْ، مُلَاحِظًا مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالِهِمْ، فَتَنَقَّحَ لِي وَاتَّضَحَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْحَدِيثُ الَّذِي لَا يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلًا كَثِيرَ الْخَطَأِ فِيمَا يَرْوِيهِ، وَلَا هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ: لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَلَا سَبَبٌ آخَرُ مُفَسِّقٌ، وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ مَعَ ذَلِكَ قَدْ عُرِفَ بِأَنْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى اعْتَضَدَ بِمُتَابَعَةِ مَنْ تَابَعَ رَاوِيَهُ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ بِمَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ، وَهُوَ وُرُودُ حَدِيثٍ آخَرَ بِنَحْوِهِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا وَمُنْكَرًا، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ يَتَنَزَّلُ.
القسم الثاني: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ، لِكَوْنِهِ يَقْصُرُ عَنْهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ عَنْ حَالِ مَنْ يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ حَدِيثِهِ مُنْكَرًا، وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ هَذَا - مَعَ سَلَامَةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا وَمُنْكَرًا - سَلَامَتُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، وَعَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي يَتَنَزَّلُ كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ جَامِعٌ لِمَا تَفَرَّقَ فِي كَلَامِ مَنْ بَلَغَنَا كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ" [مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ١٩-٢٠].
ونخلص من هذا إلى أن: الحسن ينقسم قسمين:
الأول: الحسن لذاته: والذي نميل إليه في تعريفه أنه: "هو الحديثُ الذي اتصل سندُه بنقل عَدْلٍ خَفَّ ضبطُه من غير شذوذ ولا علة" [شرح نخبة الفكر: ١٧، شرح المنظومة البيقونية: ٢٥]، وتقدم توضيح ذلك في الإسناد الحسن.
مثال الحسن لذاته: ما رواه أحمد في مسنده قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أَبَاكَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ». [مسند أحمد ج: ٥ ص: ٥].
فهذا الحديث استجمع شروط الصحة، إلا في تمام الضبط بالنسبة لراو من رواته، وهو: بهز بن حكيم، فإنه صدوق، وقد وثقه بعض العلماء، وتكلم فيه بعضهم بما يفيد أنه خفيف الضبط، وعلى هذا ينزل الحديث عن مرتبة الصحيح إلى الحسن لذاته، حيث تحققت شروطه. [قال ابن حجر: (بهز بن حكيم بن معاوية القشيري أبو عبد الملك صدوق) تقريب التهذيب ١ / ١٢٨، وقال ابن المديني: (بهز بن حكيم ثقة) علل المديني ١/٨٩، وقال الذهبي: (بهز بن حكيم بن معاوية القشيري صدوق فيه لين، وحديثه حسن وثقه ابن المديني، وابن معين، والنسائي، وقال أبو داود: أحاديثه صحاح، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أبو زرعة: صالح الحديث، وقال الحاكم: إنما ترك من الصحيح؛ لأنها نسخة شاذة يتفرد بها) المغني في الضعفاء، للذهبي ١/١١٦]
الثاني الحسن لغيره: قال الترمذي: "كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن". نرى أن كلام الترمذي يعتبر أصلًا في تعريف الحسن لغيره.
ويمكن أن ننزع من قول السخاوى له تعريفًا نقول فيه: "هو ما اتصل سنده بالمُضَعف بما عدا تهمة الكذب إذا اعتضد بغيره من غير شذوذ ولا علة". [التوضيح الأبهر، للسخاوى ١/ ٣٣].
ويمكن أن نقول في تعريفه: "هو الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو تهمة كذبه".
يستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين هما:
الأول: أن يُروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثل ما يعضده أو أقوى منه.
الثاني: أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، أو انقطاع في سنده، أو جهالة في رجاله.
مثال للحسن لغيره: ما رواه الترمذي بسنده قال: حدثنا أبو يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيميّ عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: «حقٌّ على المسلمينَ أن يغتسِلوا يومَ الجمُعةِ وليمَسَّ أحدُهُم من طيبِ أَهلِه فإن لم يَجِد فالماءُ لهُ طِيبٌ» [سنن الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في السواك والطيب يوم الجمعة ٦٨/٣: ٦٩] قال: وفى الباب عن أبي سعيد، وشيخ من الأنصار، قال أبو عيسى: سألت محمدًا عن هذا الحديث يعني حديث هشيم وإسماعيل التيمي عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - عن النبي – صلي الله عليه وسلم - قال: «حقٌّ على المسلمينَ أن يغتسِلوا يومَ الجمُعةِ ولْيمَسَّ أحدُهُم من طيبِ أَهلِه فإن لم يَجِد فالماءُ لهُ طِيبٌ»، فقال : الصحيح عن ابن أبي ليلى عن البراء موقوف، وإسماعيل بن إبراهيم التيمي ذاهب الحديث كان ابن نمير يضعفه جدًا، ولم يعرف حديث هشيم عن يزيد بن أبي زياد، وحديث هشيم أصح وأحسن من حديث إسماعيل. [علل الترمذي، للقاضي ١/٩١].
وقال السيوطي: "فهشيم موصوف بالتدليس لكن لما تابعه عند الترمذي أبو يحيى التيمي، وكان للمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره حُسِّن". [تدريب الراوي ١/١٧٧]
الاحتجاج بالحسن: أنا مع السخاوي في قوله: "ولكن حيث ثبت اختلاف صنيع الأئمة في إطلاقه، فلا يسوغ إطلاق القول بالاحتجاج به، بل لا بد من النظر في ذلك، فما كان منه منطبقًا على الحسن لذاته، فهو حجة، أو الحسن لغيره فيفصل بين ما تكثر طرقه فيحتج به وما لا فلا". [فتح المغيث ١/٧٢].
مصادر الحديث الحسن: وأهم مصادر الحديث الحسن: السنن الأربعة، والمسند، للإمام أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي.
الحديث الحسن نوع من الحديث المقبول، يرتقي فوق الضعيف ودون الصحيح، وله دور مهم في بناء المعرفة الفقهية والتشريعية. وتمييزه يتطلب دقة في معرفة ضبط الرواة وطرق الرواية والشواهد، وهو من مظاهر عمق الصناعة الحديثية في الحضارة الإسلامية.
مصطلح أطلقه العلماء على نوع من الحديث المقبول الذي لم يبلغ درجة الصحيح
مصطلح "الجيد" في علم الحديث يُستخدم للإشارة إلى نوع من الحديث المقبول.
الحديث الذي يصلح للاحتجاج به، ويشمل الصحيح والحسن، فضلًا عن الضعيف الذي لا يتجاوز ضعفه حدًا يمنعه من الاعتبار.