الأمالي الحديثية هي أن يحدث الشيخ تلاميذه ببعض الأحاديث ويشرح، ويفيد بدقائق فيهـا، والتلاميذ يكتبون ويناقشون.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الأمالي الحديثية هي أن يحدث الشيخ تلاميذه ببعض الأحاديث ويشرح، ويفيد بدقائق فيهـا، والتلاميذ يكتبون ويناقشون.
أن يحدث الشيخ تلاميذه ببعض الأحاديث ويشرح، ويفيد بدقائق فيهـا، والتلاميذ يكتبون ويناقشون.
ويتصدر للإملاء العالم المُتمكِن، والذي يفيد في كثير من العلوم، سواء منهـا علوم الدراية: "مصطلحات المحدثين"، أو علوم الرواية: "الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة والتابعين"، أو علوم اللغة، أو علوم الشريعة، أو علوم الفيزياء، أو علوم الطب، أو علوم الفلك، أو الطرائف والمُلَح، أو غير ذلك.
يُملي الشيخ والتلاميذ حوله يكتبون ويناقشون، ومجالس الإملاء هـذه يحدد لها الشيخ وقتًا ومكانًا، وغالبًا ما تكون يومًا في الأسبوع، يوم الثلاثاء أو يوم الجمعة، والمكان غالبًا ما يكون المسجد.
ولقد كانت مجالس الإملاء شائعة منذ الصدر الأول، بل كانت في القرون الخمسة الأولى كثيرة جدًّا، واستمرت ما بين زيادة ونقص إلى زماننا هـذا، غير أنهـا في زماننا أخذت شكل ندوات ومحاضرات.
وأول من فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كان الصحابة يحرصون على حضور مجالسه، فيعلمهـم ويكتبون عنه، ويسألون ويجيبهم، أملى عليهم القرآن الكريم، وأملى عليهم كثيرا من أحاديثه، وسألوه وأجابهم، والبعض يكتب، والبعض يسمع، وفى حجة الوداع خطب خطبته الشهـيرة، وكان عدد من الصحابة يكتب، والكثير يحفظ، وهـو صلى الله عليه وسلم أرسى دعائم هـذه الطريقة، فطلب من قادة هـذه الجلسة أن يستفتوا الناس، وطلب من عدد من الصحابة أن يبلغ أقواله صلى الله عليه وسلم حتى يسمع الحاضرون جميعًا.
إن الأمالي أقوى طرق نشر العلم، فالعالم متيقظ تمامًا إذ يُلقي من حفظه، والطالب متوثب تمام يسأل ويناقش، وهـى متنوعة العلوم، يلقيهـا الإمام الجهـبذ من خلاصة علمه، وثمرات فكره، بدأهـا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرَّف بقدرهـا: أخرج أبو داود والنسائي عن رافع بن عمرو رضي الله عنه، قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْه". [سنن أبى داود. كتاب المناسك. حديث (١٩٥٦)، والسنن الكبرى للنسائي٤٤٣/٢ حديث (٤٠٩٤)].
وأخرج السمعاني عن أم سلمة - رضى الله عنها - زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَدِيمٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْلِي، وَعَلِيٌّ يَكْتُبُ حَتَّى مَلَأَ بَطْنَ الْأَدِيمِ وَظَهْرَهُ وَأَكَارِعَهُ". [أدب لإملاء والاستملاء. للسمعاني. ص ١٢].
وأخرج أحمد وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ، فَجَلَسَ يُمْلِي خَيْرًا حَتَّى يُمْسِي، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ ثَمَانِيَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ». [مسند أحمد ٢٦٢/٣، ومجمع الزوائد للهيثمي١٠٥/١٠].
وسار الصحابة والمحدثون على هـذا النهـج، فكان الصحابي يملي على تلاميذه، ويُعَيِّن من يبلغ حتى يسمع جميع الحاضرين، وهـذا الذي يبلغ صوت العالم يلقب ب "المُستملي"، وربما اقتضى الحال أكثر من "مُستملٍ" فعيَّن العالم ما يقتضيه الحال اثنين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك. أخرج البخاري عن أبى جمرة نصر بن عمران الضُّبَعي قال: (كنت أترجم [للترجمة عدة معان: منهـا نقل الكلام من لغة إلى لغة. وذكر أخبار أحد الرواة. وتبليغ الكلام من العالم إلى الحاضرين، وهـذا هـو المراد هـنا] بين ابن عباس وبين الناس، فقال: إن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مَنِ الوَفْدُ» الحديث. [صحيح البخاري. كتاب الإيمان. حديث (٥٣)]
وأخرج ابن عدى والبيهقي في المدخل عن أبي الخطاب معروف الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع رضي الله عنه [صحابي جليل مات سنة خمس وثمانين هـجرية عن مائة وخمس سنين. تهـذيب التهـذيب ١٠١/١١] يُملي على الناس الأحاديث، وهـم يكتبونهـا بين يديه. [أخرجه السمعاني في أدب لإملاء ص ١٣]
وأخرج الخطيب البغدادي بإسناده عن أبى بكر أحمد بن جعفر بن سلم قال: لما قدم علينا أبو مسلم الكجي [الإمام الحافظ إبراهـيم بن عبد الله بن مسلم صاحب كتاب: "السنن" المتوفى سنة اثنتين وتسعين ومائتين (٢٩٢) عن تسعين سنة. تذكرة الحفاظ ٦٢٠/٢ رقم ٦٤٧، وتاريخ بغداد ١٢٠/٦] أملى الحديث في رحبة غسان، وكان في مجلسه سبعة مستملين، يبلغ كل واحد منهـم صاحبه الذي يليه، وكتب الناس عنه قيامًا، بأيديهـم المحابر، ثم مسحت الرحبة، وحسب من حضر بمحبرة فبلغ ذلك نيفًا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة. [الذين ليست معهـم محابر فلا يكتبون، وإنما يسمعون وينظرون إلى من يكتبون. والخبر في تاريخ بغداد ١٢١/٦].
وكان عاصم بن علي بن عاصم الواسطي من أصحاب الأمالي الكثيرة، قال عمر بن حفص: وجَّه المعتصم من يحرز مجلس شيخنا عاصم في رحبة النخل، وكان يجلس على سطح وينتشر الخلق، حتى سمعته يومًا يقول: حدثنا الليث بن سعد، وهـم يستعيدونه، فأعادهـا أربع عشرة مرة، والناس لا يسمعون، وكان هـارون يركب نخلة معوجة يستملي عليها، فحرز المجلس بعشرين ومائة ألف. [كذا في تاريخ بغداد ٢٤٨/١٢، وتذكرة الحفاظ ٣٩٧/١ رقم ٣٩٧].
هـكذا كانت مجالس الإملاء: أئمتهـا عظماء العلماء، وتلامذتهـا خيرة الطلاب، وكثرة كثيرة، وذلك لمعرفتهـم قدر الحديث، ومعرفتهـم قدر الإملاء، وماذا بعد قول أبى بكر بن أبى شيبة: "من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاءً لم يعد صاحب حديث". [أدب لإملاء، ص ١١].
وعقد مجالس الإملاء كثير من التابعين، أمثال: علقمة بن قيس، وعبيدة بن عمرو السلماني، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير بن العوام، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، وعطاء بن يسار، وعطاء بن أبى رباح، ونافع مولى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، والزهري، وقتادة بن دعامة.
وفي أتباع التابعين جماعة كانوا يعقدون مجالس الإملاء، أمثال: شعبة بن الحجاج، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وعبد الملك بن جريج، والأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وغيرهـم كثير.
واستمرت مجالس الإملاء من الأئمة الأعلام، أمثال: البخاري، ومسلم، ومن على شاكلتهـم من أئمة السنة النبوية، يقول المعتمر بن سليمان: "كنت مع ابن المبارك فيملي عليّ، وأملي عليه". [المصدر السابق، ص ١٥].
ويقول أحمد بن محمد بن الحسن بن حفص: قلت للحسين بن حفص: "حدثكم سفيان بهذه الكتب من كتاب؟ فقال: لا، من حفظه، كان أصحاب الحديث يكتبون الأبواب وهـو يسردهـا". [المصدر السابق والصفحة]، وكان مجلس إملاء الإمام البخاري يضم أكثر من عشرين ألفًا.
وكان في مجلس الفريابي أبو بكر جعفر بن محمد عشرة آلاف يكتبون، ولما دخل بغداد استقبل استقبالا عظيما، وكثر الناس الراغبون في علمه، فكان مجلس تحديثه ثلاثين ألفًا، ومجلس إملائه ثلاثمائة وستة عشر.
وبلغ من معرفة الأمة قدر مجالس الإملاء أن اجتهـد الخلفاء في طلبه: فهـا هـو الخليفة المنصور قيل له: "هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟". قال: "بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة، وحولي أصحاب الحديث فيقول المُستملي: من ذكرت رحمك الله؟ فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر". فقال: "لستم بهم إنما هـم الدنسة ثيابهم، المتشققة أرجلهم، الطويلة شعورهـم، بُرُد الآفاق، ونقلة الحديث".
وقال يحيى بن أكثم: "قال لي الرشيد ما أنبل المراتب؟". قلت: "ما أنت فيه يا أمير المؤمنين". قال: "فتعرف أجلَّ مني؟". قلت: "لا"، قال: "لكني أعرفه، رجل يقعد في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال: "قلت يا أمير المؤمنين: هـذا خير منك، وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي عهـد المسلمين؟". قال: "نعم، ويلك، هـذا خير مني، لأن اسمه مقترن باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت أبدًا، نحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهـر". [المصدر السابق ص ٢٠].
واستمرت مجالس الإملاء، فأملى:
وكتب الأمالي كثيرة على طول تاريخ الإسلام، ومن أشهـرهـا كتاب: (المجالسة وجواهـر العلم)، لأبى بكر، أحمد بن مروان الدِّينَوَرِيّ (المتوفى ٣٣٣هـ) وهـو مطبوع شائع، ومن طالعه عرف هـذا النوع من المؤلفات. [ويراجع: أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني، وتذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة. والتبصرة والتذكرة للعراقي ٠٢١١/٢ وتدريب الراوي ٠١٣٢/٢ وفتح المغيث للعراقي ٦٣/٢، ٠٧٨/٣ ومنهـج ذوي النظر للترمسي ص ٠٢١٦ الرسالة المستطرفة ص ١٥٩].
الأمالي الحديثية: هي أن يحدث الشيخ تلاميذه ببعض الأحاديث ويشرح، ويفيد بدقائق فيهـا، والتلاميذ يكتبون ويناقشون، ويتصدر للإملاء العالم المُتمكِن، والذي يفيد في كثير من العلوم فالأمالي تمثل وسيلة مركزية في نقل السنة وتدوين العلم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جلس العلماء لإملاء الحديث من حفظهم على تلاميذهم، فكانت المجالس محاضن علمية عظيمة لنقل ونشر كافة العلوم، واعتمدت على المُملِي والمُستملِي، وقد استمرت على مر القرون وأسهمت في حفظ التراث الإسلامي، حيث وثقت الأحاديث والآثار، وكتب الأمالي كثيرة على طول تاريخ الإسلام، ومن أشهـرهـا كتاب: (المجالسة وجواهـر العلم)، لأبى بكر أحمد بن مروان الدينوري (المتوفى ٣٣٣هـ).
هو: أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه من العلم، ويكتب التلامذة فيصير كتابًا، ويسمونه الإملاء، والأمالي.
هـو أن يلقي الشيخ من معلوماته على الحاضرين، فيكتبون ويناقشون، والإملاء أعلى مراتب الرواية والسماع.
ما يملي من العلوم والمعارف والرسائل على طلبة العلم والكتاب، فيكتبوها حفظًا للعلوم وللحقوق.